النبي محمد: "أحبُّ الكلام إلى الله أربع:" تعرف عليها

إسلاميات

بوابة الفجر

ذكر -عليه الصلاة والسلام- هذه الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلام بعد القرآن، كما عند مسلمٍ من حديث سمرة: أن النبي ﷺ قال: أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرُّك بأيّهنَّ بدأتَ.

وقوله ﷺ: لا يضرُّك بأيّهنَّ بدأتَ هذا يدل على أنَّ الأذكارَ التي تُقال لا يُطلب فيها ترتيبٌ معينٌ، فلو أنَّه بدأ بأيّ هذه الكلمات فإنَّ ذلك لا يُؤثر.

وفي الحديث يقول النبيُّ ﷺ: لأن أقول: سبحان الله، وأحبُّ الكلام إلى الله أربع، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشَّمس، يعني: هذا لو قالها مرةً واحدةً، يقول: أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشَّمس، ما الذي تطلع عليه الشَّمس؟.

هذه الدنيا من أوَّلها إلى آخرها، بما فيها من العمران، وبما فيها من الزروع والحروث، وبما فيها من المراكب والدَّواب، وبما فيها من الكنوز: من الأحمر والأبيض -الذهب والفضّة- كل هذا داخلٌ فيه، ويدخل فيه غير ذلك مما نعلمه وما لا نعلمه: أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس.

فهذه الكلمات الأربع لها منزلة، لها مكانة، لها فضلٌ عظيمٌ لا يمكن أن يُقدر بشيءٍ مما في هذه الحياة، التَّسبيح، لو نظرنا إلى هذه الكلمات الأربع على سبيل الإجمال تنزيهٌ لله عمَّا لا يليق بجلاله وعظمته.

الحمد فيه إثبات أنواع الكمال لله -تبارك وتعالى-.

التَّهليل فيه التَّوحيد الخالص لله ربِّ العالمين: "لا إله إلا الله" لا معبود بحقٍّ إلا الله.

التَّكبير فيه تعظيم المعبود -جلَّ جلاله وتقدَّست أسماؤه-، وأنَّه لا شيء أكبر منه، كما وضَّحنا ذلك في الكلام على الأسماء الحسنى، في الكلام على اسمه: "الكبير"، وسيأتي مزيدُ إيضاحٍ في الكلام على هذه الكلمات -إن شاء الله تعالى.

فلو نظرت إلى التَّسبيح، والتَّحميد: "سبحان الله، والحمد لله" تجد أنَّ هاتين الجملتين تتضمنان التَّوحيد بشقّيه، فهنا كلمة "لا إله إلا الله": نفيٌ وإثباتٌ، التَّسبيح تنزيهٌ؛ نفي النَّقائص عن الله -تبارك وتعالى-، ومن أعظم هذه النَّقائص الشُّركاء، "وإلا الله" إثبات الوحدانية لله -تبارك وتعالى-، هو المستحقّ وحده أن يُعبد دون أحدٍ سواه، فالإثبات في جانب الحمد.

وهكذا في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذا جانب التَّنزيه، وهذا في التَّسبيح: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ هذا جانب الإثبات؛ إثبات صفات الكمال.

وكما يقول بعضُ أهل العلم، كالشيخ محمد الأمين الشَّنقيطي-رحمه الله-: بأنَّ الله ذكر من الصِّفات في قوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أجلى الصِّفات مما يلزم به أهل النَّفي والتَّعطيل إذا كانوا ينفون عن الله أوصافَ الكمال بدعوى التَّنزيه، فيقول: هذه السَّمع والبصر أثبتها الله  من بين سائر الصِّفات حينما ذكر التَّنزيه في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

يقول -رحمه الله-: يعني كأنَّه يقول: لا تتنطَّع يا عبدي فتنفي عني صفات الكمال، ولكن هو السَّميع البصير، أثبت صفات الكمال، فماذا عسى أن تقول في صفتي: السَّميع والبصير؟ فأثبت الباقي، فإنَّ إثباتَ هذين الوصفين يكون سبيلًا وسببًا لإثبات جميع صفات الكمال، إذا أثبت السمع والبصر.

فالحاصل أنَّ هاتين الجملتين -التَّسبيح والتَّحميد- بينهما تكاملٌ، هذا تنزيهٌ، وهذا إثباتٌ، هذا تخلية، وهذا تحلية، تخلية يعني: من كل نقصٍ، وهذا تحلية بأوصاف الكمال، ومن هنا قُدّم التَّنزيه؛ لأنَّه من باب التَّخلية، والتَّخلية مُقدّمة على التَّحلية، فتُنزهه وتُطهره من كل عيبٍ ونقصٍ، وتُثبت له أوصافَ الكمال اللَّائق بجلاله وعظمته.

ومن هنا ذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أنَّ تقديم التَّسبيح على التَّحميد أولى، قالوا: وهذا ترتيبٌ منطقيٌّ؛ تخلية ثم تحلية، فإذا أراد الذاكرُ أن يذكر يبدأ بالتَّسبيح: سبحان الله، مع أنَّ النبي ﷺ قال: لا يضرُّك بأيِّهنَّ بدأتَ، لكن من جهة النَّظر قالوا: لو أنَّه قدَّم التَّنزيه أولًا: سبحان الله، ثم التَّحميد يكون ثانيًا.

ومن هنا أيضًا فإنَّ بعضَ أهل العلم قالوا: إنَّ التَّحميد أكمل من التَّسبيح. قالوا: لأنَّ التَّسبيحَ تنزيهٌ وتخليةٌ، وليس فيه إثباتٌ بدلالته الظَّاهرة من جهة المنطوق، وإن كان يقتضي ثبوت كمال ضدِّه، إذا نزَّهتَ الله عن أوصاف النَّقص فهذا يقتضي أنَّه متَّصفٌ بجميع صفات الكمال، لكن الحمد فيه إثبات جميع صفات الكمال لله -تبارك وتعالى-، وسيأتي مزيد إيضاحٍ لهذا، ومن هنا قالوا: التَّحميد أكمل من التَّنزيه.

ومن هنا أيضًا قالوا بأنَّ التَّحميد أفضل من التَّسبيح؛ لكونه يتضمن إثبات صفات الكمال.

هاتان الكلمتان: التَّسبيح، والتَّحميد، تتضمّنان إثبات أنواع التوحيد، لو نظرنا مثلًا إلى توحيد الأسماء والصِّفات فتجد أنَّ قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الذي هو أصلٌ في باب الأسماء والصِّفات، وهذا النوع من التوحيد يقوم على أصلين:

نفي النَّقائص وإثبات الكمالات.

فهذا موجودٌ في التَّسبيح والتَّحميد، يعني: نحن ننظر إلى هاتين الجملتين الآن، ثم سنتحدث عن كلِّ واحدةٍ منهما.

إذن التَّسبيح والتَّحميد متضمنان لهذا النوع من التوحيد الذي هو توحيد العلم والمعرفة، التوحيد العلمي الذي مداره على إثبات أوصاف الكمال لله -تبارك وتعالى- من أوَّلها إلى آخرها، ونفي التَّشبيه والمثال، وتنزيهه -تبارك وتعالى- عن العيوب والنَّقائص، وهذا ما يدور عليه التَّسبيح والتَّحميد: فسبحان الله، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، والحمد لله، إثبات لنعوت الجلال وأوصاف الكمال، وتوحيده في هذا الباب بتحقيق هذين الأمرين، فإذا قال العبدُ: سبحان الله، والحمد لله، فقد حقق هذا النوع من أنواع التوحيد.

ذكر هذا المعنى جمعٌ من أهل العلم: كالحافظ ابن القيم، والحافظ ابن رجب، وآخرين.

وهنا لو تأمَّلت في قصر الحمد على الله -تبارك وتعالى-، وصرف الحمد إلى المعبود ، الحمد نحن عرفنا أنَّ "أل" هذه للاستغراق؛ كل الحمد لله، اللام هذه للاستحقاق، الحمد مُستحقٌّ لله؛ لأنَّ إضافةَ معنى كالحمد إلى ذات تكون اللامُ للاستحقاق: الحمد لله، إضافة ذات لذات من شأنها أن تملك، تقول: الكتابُ لزيدٍ. هذا للملك، اللام تكون للملك، إضافة ذات إلى ذات ليس من شأنها أن تملك، تقول: المفتاح للباب. هذا للاختصاص، اللام للاختصاص، هذا الفرق بين هذه الثلاث.

فهنا "الحمد لله" الحمد مُستحقٌّ لله -تبارك وتعالى-، هذا الحمد الذي يكون مستحقًّا لله  لا يكون بمجرد اللسان كما هو معلومٌ، فإنَّ ذكر ذلك في اللِّسان من غير مُواطأة القلب ومحبّة الحامد للمحمود  لا يكون حمدًا على الحقيقة، قد يكون نفاقًا، وقد يكون تزلُّفًا، وقد يكون ملقًا، فالحمد الحقيقي لا بدَّ فيه من مُواطأة القلب، ولا بدَّ من محبّة مَن تحمده، ولا بدَّ من الرِّضا عنه، والخضوع له، فلا يكون حامدًا مَن لم يكن كذلك؛ مَن كان مُعرضًا عن محبَّة الله  والخضوع له، هذا من جهةٍ، وهذا توحيدٌ.

ومن جهةٍ أخرى فإنَّ الحمد يكمل ويعظم ويكثر إذا كثرت أوصافُ الكمال وتعاظمت، فالله -تبارك وتعالى- له جميع أوصاف الكمال، إذن حمده أكمل الحمد، وأكثر الحمد، وأعلاه، وكلَّما نقصت صفاتُ الكمال نقص من الحمد بقدره؛ ولهذا كان الحمدُ الذي لا يكون إلا لله -تبارك وتعالى- لا يُحصيه إلا هو على الحقيقة، ونحن لا نُحصي ثناءً عليه -تبارك وتعالى-؛ لأنَّ أوصافَه مهما قلنا فإنَّه أكمل وأعظم وأجلّ من ذلك، هذه الأوصاف مضمنة في الأسماء كما هو معلومٌ، والأسماء لا نُحصيها: أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسَك، أو ذكرتَه في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك.

إذن هناك أسماء استأثر بها في علم الغيب تتضمن أوصافًا كاملةً لا نعلمها، فله من المحامد ما يليق بجلاله وعظمته، وإن قصَّرنا في حمده، ومهما اجتهدنا فإننا لا نستطيع بحالٍ من الأحوال أن نُوفيه حمده، إنَّ الأوصافَ الكاملة التي نعرفها لا نستطيع أن نقوم بحمده على الوجه اللَّائق عليها.

لو نظر الإنسانُ إلى النِّعَم التي حباه اللهُ -تبارك وتعالى- بها فإنَّه يعجز عن حمده -تبارك وتعالى-، يعجز، لو جلس طول الوقت يطوف بالكعبة بلا توقفٍ لما حمد الله على الوجه اللَّائق؛ لأنَّ طوافَه وإعانته وتوفيقه هي نعمة تحتاج إلى حمدٍ جديدٍ، كل خطوةٍ يخطوها هي تحتاج إلى حمدٍ جديدٍ، كيف إذن يُدرك حمدَه على الوجه اللَّائق؟!

هذا مثالٌ بسيطٌ: لو ظلَّ ساجدًا إلى أن يموت فإنَّه لا يُوفي حمده على الوجه اللَّائق؛ لأنَّ الله هو الذي أعانه وقوَّاه ووفَّقه وهداه لهذا؛ فيحتاج إلى حمدٍ آخر، وهكذا، فالخلق لا يُحصون الحمد لله -تبارك وتعالى- على الوجه اللَّائق.

أما توحيد الإلهية: فإذا عرفنا أنَّ جميع المحامد مُضافة إلى الله -تبارك وتعالى-، وأنَّه مُنَزَّهٌ عن جميع النَّقائص، فهذا يقتضي أنَّه المعبود وحده، الذي يستحقُّ العبادة وحده دون أحدٍ سواه؛ لأنَّه الكامل من كل وجهٍ، ومَن كان كاملًا من كل وجهٍ فهو الذي ينبغي أن تخضع له الأعناق، وأن تذلّ له الرِّقاب، وأن يُعبد وحده دون ما سواه.

هذا لو نظرتَ إلى كلمتي التوحيد كما قلنا: "لا إله إلا الله"، فتجد أنَّ "سبحان الله" تعني: التَّنزيه؛ تنزيه الله  أولًا عن الشُّركاء والأنداد والمعبودات التي تُعبد من دونه .

وإذا نظرتَ إلى جانب الإثبات في الحمد أيضًا فتجد إثبات الكمالات التي من أولها وأعظمها أنَّه الإله المعبود وحده، هذا أول ما يثبت من كمالاته الوحدانية، وقُلْ مثل ذلك في جانب الرُّبوبية.

فهذه الكلمات تُثبت هذه الأنواع الثلاثة إذا نظرنا إليها بهذا التركيب والاجتماع: سبحان الله، والحمد لله، ثم بعد ذلك يأتي الكلامُ على كل واحدةٍ منها على سبيل الانفراد.