رامي رشدي يكتب: شيخ الأزهر.. الإمام المثقف ولو كره الكارهون

مقالات الرأي

رامي رشدي
رامي رشدي

خالد منتصر.. يفتح بابًا للجدل بصورة نالت منه لكن مواقفه التنويرية تشفع له


شهد الأسبوع الماضى، ٣ أحداث ساخنة، أبطالها ملء السمع والبصر، الأولى تخص الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، الذى لم يتوان محبوه عن الرد على منتقده بأقسى العبارات الممكنة، والثانية تخص حادث كنيسة «أبوسيفين» وكان أحد أبطال المبارزة الكلامية فيها نجل الرئيس الأسبق حسنى مبارك، أما الثالثة فتخص داعية شهيرًا، دأب على مهاجمة مخالفيه بكل قوة لكنه آثر الصمت عندما طالته أدلة على علاقة مخزية بسيدة عراقية.


صورة ملتقطة لغلاف كتاب «أفول الغرب»، ظهر إلى جانب شيخ «الأزهر الشريف» أحمد الطيب، وهو على متن طائرة أعادته من رحلة علاجية فى ألمانيا، أثارت جدلا واسعًا، بدأ بانتقاد من د. خالد منتصر عبر تغريدة مصحوبة بالصورة، قال فيها: «الكتاب الذى يقرأه فضيلة الإمام فى الطائرة الأمريكية عنوانه «أفول الغرب»!!... «إللى هو الغرب الكافر، إللى لو أفل وغابت شمس حضارته مش حنلاقى قرص دواء، ولا كمان طياره نرجع فيها»!

فور نشره التغريدة، رد رئيس تحرير صحيفة «صوت الأزهر» التابعة للمشيخة، أحمد الصاوى، فى مقال مطول وحاد قال فيه إن قراءة الطيب لكتاب «أفول الغرب، أثارت حفيظة «أدعياء العلم والتنوير» الذين لم يقرأوا فى الصورة غير أنفسهم وعقولهم الغارقة فى السطحية والشكلانية».

واعتبر الصاوى أن اهتمام شيخ «الأزهر» بالقراءة فى موضوع الكتاب يتواكب مع اهتمام كبير لمفكرين وكتاب ومراكز أبحاث غربية كبرى، اهتمت طوال العقد الأخير على الأقل وبكثافة بصك هذا المصطلح وترويجه رسميًا، حتى بات من لا يقرأ تصورات المفكرين والباحثين والفلاسفة عن الأفول أو التراجع الغربى حضاريًا، هو الرجعى الذى يعيش فى غيبوبته الفكرية، ومن يقرأ ويتعمق فى هذا الشأن هو التقدمى المواكب للعالم وما ينتجه من أفكار».

 

تحولت التغريدة إلى معركة كلامية، وانتقلت من خفة التغريدات إلى رصانة المقالات، دخل فيها أطرافًا أخرى من داخل وخارج مؤسسة «الأزهر»، ومن هؤلاء الخبير فى العلوم السياسية والنائب السابق بمجلس النواب، الدكتور عمر الشوبكى، الذى شرح أن الكتاب «ليس سطحيًا، ولا يتعامل مع الغرب باعتباره «كافرًا»، وقال إنه من الكتب التى «تحمل رؤية عملية نقدية لجوانب سلبية فى الحضارة والمنظومة السياسية الغربية يقولها مثقفون هناك.

وهى جزء من حيوية الغرب الذى يعرف النقد الذاتى، والقادر على المراجعة وتصحيح الأخطاء، وهو ما يفترض أن يسعد أى تنويرى حقيقى.

وتطرق الشوبكى إلى «مفهوم التنوير» بالقول: «إن التنوير المطلوب لا يسطح الأمور ولا يتصيد ويدعو للإصلاح الدينى والسياسى والاجتماعى والثقافى، وإذا كان بعض التنويريين قرروا ألا ينقدوا أى سلبيات أخرى فعلى الأقل لا يعتبرون أن الأزهر وشيخه هما المسئولان عن كل مشاكلنا».

ودخل على نقطة التماس الدكتور عباس شومان المشرف على الفتوى بالأزهر الشريف، وقال: «إن البعض يصر على كشف جهله فينتقد إمام المسلمين لمجرد ظهور كتاب لا يعرف محتواه».

وقال شومان عبر صفحته فى «فيسبوك»: «بعضهم يصر على كشف جهله، فينتقد إمام المسلمين لمجرد ظهور كتاب إلى جواره فى الطائرة، لا يعرف المنتقد محتواه».

حالة الجدل وردود الفعل، انتقلت إلى المتابعين الذين قاموا بالتعليق على تغريدة د.خالد منتصر، حيث علق أحدهم قائلا: «يعنى لا يجوز قراءة الرأى الآخر ومعرفته.. اعتبر أن الشيخ يقرأه لأن عنده مشروع لنقده».

وأضاف آخر: «ما فهمته أن كل من يرى أن نجم الغرب فى أفول، علينا إقصاؤه ونبذه وعدم احترام رأيه أو التعايش معه.. لا يكون عندك إقصاء تسلسلى أيضًا فتدعو لإقصاء شيخ الأزهر لأنه قرأ مثل هذا الكتاب».

 

تلك الحالة الجدالية فرضت أمرا واقعا بالبحث عن مواقف شيخ الأزهر مع الغرب، والرجوع لتصريحاته وآرائه المعلنة، فى كثير من الفاعليات الرسمية، لنجد له مواقف تحتاج لمراجعة من د. خالد منتصر، منها على سبيل المثال لا الحصر كلمته باحتفالية ليلة القدر بمركز المنارة، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسى، عندما أوضح أن كثيرا من علماء الغرب المعاصرين قالوا بأن «القرآن الكريم» كان الباعث الأوحد لحضارة الإسلام فى القرون الوسطى، مؤكدين أنه لا مفر للمسلمين اليوم - إذا ما أرادوا صنع حضارة إسلامية جديدة تشبه فى روعتها حضارتهم السابقة- من أن يستلهموا هذا القرآن، وأن السنة النبوية ضرورة لفهم هذا القرآن فهما كاملا وصحيحا.

وفى كلمة أخرى ألقاها الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، فى افتتاح أعمال الندوة الدولية «الإسلام والغرب.. تنوعٌ وتكاملٌ» التى ينظمهما الأزهر الشريف بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، بمركز الأزهر الدولى للمؤتمرات بمدينة نصر، أشار إلى أن الشرق: أديانًا وحضاراتٍ، ليست له أيَّة مُشكلة مع الغرب، سواء أخذنا الغرب بمفهومِه المسيحى المتمثل فى مؤسَّساته الدينيَّة الكبرى، أو بمفهومِه كحضارة علميَّة ماديَّة، وذلك من منطلق تاريخ الحضارات الشرقيَّة ومواقفها الثابتة فى احتِرام الدِّين والعِلم أيًّا كان موطنهما وكائنًا من كان هذا العالِم أو المؤمن.

وأوضح شيخ الأزهر أن انفِتاح الأزهر الشريف على كل المؤسَّسات الدينيَّة الكبرى فى أوروبا حـديثًا، والتجـاوبُ الجـاد المسئول من قِبـل هـذه المؤسَّسات الغربية - أقوى دليل على إمكانيَّة التقارُب بين المجتمعات الإسلاميَّة فى الشرق والمجتمعات المسيحيَّة فى الغرب، وأنَّ هذا التقارُب حَدَثَ ويُمكِن أنْ يحدُث.

وفى كلمة متلفزة لشيخ الأزهر فى شهر رمضان الماضى قال: «إن الله فرض السلام على عباده، بما يعنى أنه ليس مندوبا ولا اختياريا، إنما اضطرارى، حتى يتحول السلام إلى خلق راسخ وثابت يحكم تصرفات الإنسان، ويحقق الأمان للمجتمع كله، فالمسلم يحيا ويموت على السلام، مشيرا إلى أننا وللأسف الشديد أصبحنا فى غفلة عن هذا الاسم، فالعالم كله يحتاج إلى الاتصاف والتحلى بالسلام الحقيقى، الغرب ليس عنده إسلاموفوبيا بل دينوفوبيا فهو لديه فوبيا من الدين فى العموم، مختتما لا مهرب ولا مفر إلا بالسلام كما يراه الوحى السماوى وكما بشر به الأنبياء وليس السلام المصلحى أو المنفعى، فنحن الآن لا نرى احتراما للدماء ولا للأطفال ولا للنساء ولا المستشفيات.

 

تلك مواقف من كل.. علينا فقط أن نقرأ ونتابع، حيث نخرج بالحجة والبينة، لا عيب ولا ضير من تحريك المياه الراكده فى التجديد والتنوير والذى يعد د. خالد منتصر، أحد رموزه فى مصر، وله مواقف فى مواجهة الظلامين والمتشددين، ولكن جانبه الصواب فى هذا الموقف، الذى فتح عليه أفواه مكممة بأهداف متباينة، وإن أثار بعض الذرات التى يمكن أن تمهد الطريق.