رشا سمير
كتب
رشا سمير

الروائية رشا سمير تحاور عاشق مصر الروائي جيلبيرت سينويه

Advertisements
احتلت رواياته عنها قوائم الأعلى مبيعًا فى العالم

جيلبرت سينويه: تمنيت أن أصبح كاتبًا فى مصر

«هى امرأة جميلة تسحرك فتجعلك عاشقا لها.. وهذا العشق يزداد عشرات المرات حين تقرر الابتعاد عنها.. إن عشقها مثل المرض الذى يتمكن من كل حواسك حين تولد على أرضها ولا أمل فى الشفاء منه».

هكذا رآها ولايزال.. هكذا تنفس نسائم حضارتها وهام عشقا على ضفاف نيلها.. شارك فى ثورة شعبها حين بحث عن الحُرية.. أصبح صديقا فى الخيال لكل من حكموها.. وحمل الحجارة ليقذف بها مستعمريها.. احترق قلبه يوم احترقت معالمها.. وهلل مكبرا يوم غادر أراضيها المستعمر البريطانى..

إنه الروائى المصرى الهوى، الفرنسى الهوية جيلبرت سينويه.. ولد فى القاهرة عام 1947.. تلقى تعليمه فى مدرسة الجيزويت.. تخرج فيها وفى قلبه حلم بأن يصبح كاتبا.. حاول مرات وفشل.. لم يتخل عن حلمه إلا بعد أن أصبح من أشهر الروائيين فى العالم.. نُشر له 33 كتابًا ما بين رواية ودراسات تاريخية، فاز بالعديد من الجوائز..

احتلت رواياته (مصرية) (ابنة النيل) (اللوح الأزرق) (ابن سيناء) (يريفان) (البكباشى والملك) وغيرها قوائم الأكثر مبيعا على مستوى العالم..

بعد طول بحث توصلت إلى بريده الإلكترونى، وطلبت أن أحاوره.. غاب يومين وعاد إلى بروح مرحة وبكل تواضع قائلا:» سألت عنك وعرفت أنك روائية مهمة فى مصر.. تابعت ما قلته فى حواراتك وما تكتبينه، اسمحى لى أن أثنى على مجهودك.. جاهز للحوار»

فى حوار لمدة ساعة ونصف.. وجدته مرحا، متواضعا، متصالحا مع نفسه..

لقبته بـ(الأسطورة).. فطلب منى أن أكف عن هذا اللقب، وطلب منى أن أدعوه بـ(الصديق).

وكان حوارنا..

■ كنت دائما ملهما لى ولآلاف القراء والكُتاب حول العالم، فاسمح لى أن أبدأ من البداية، لقد أخبرنى أصدقاؤك فى مدرسة الجيزويت أن اسمك الحقيقى هو جيلبرت كساب، من أين إذن جاء اللقب «سينويه»؟

- أعتقد أن كل مصرى يعلم جيدا أن سنوحى هو الطبيب الخاص بالفرعون الشهير إخناتون، كُتبت عنه أول رواية فى تاريخ الأدب منذ حوالى 3 أو 4 آلاف عام وهى عبارة عن 10 صفحات تم اكتشافها بالصدفة، وفى عام 1945 كتب روائى فنلندى يُدعى (ميكا فالتري) رواية تاريخية شهيرة استنادا على تلك الصفحات القديمة أسماها (سنوحى المصري).. الحقيقة أننى قرأت هذا الكتاب وتأثرت به جدا، وقتها كنت فى السادسة عشرة من عمرى، رأيت نفسى فى سنوحى، وعندما عدت إلى باريس قررت أن أقوم بتغيير اسمى بصفة رسمية أمام المحاكم الفرنسية لأصبح جيلبرت سينويه كساب، ربما جاء تأثرى من كونى وحيدا فى ذلك الوقت أو ربما لأنه مصريى صميم أو ربما لأنه كان طبيبًا وأنا فى مرحلة ما من مراحل حياتى كنت أتمنى أن أصبح طبيبا..

■ لماذا قررت أن تتجه لكتابة التاريخ؟ متى طرقت هذا الباب؟ علما بأن كتابة التاريخ صعبة وتحتاج إلى مراجع دقيقة؟

يا صديقتى إن الموضوع معقد، التاريخ يعلمنا أن نقرأ الحاضر، فلو نظرت إلى ما جرى منذ مئات السنين ستدركين ماذا يحدث اليوم ولماذا يحدث!..

طالما تمنيت أن أكتب أو أصبح كاتبا، فى مصر لم يكن لدى أشقاء فأنا وحيد ولم يكن هناك تليفزيون ليشغل وقتى، فقط قناة واحدة أبيض وأسود، أبى وأمى كانا أشداء فى تربيتهما لى، ولم يكن هناك سوشيال ميديا حمدا لله، ولذلك كنت أشعر بالملل من وجودى فى البيت فكنت ألجأ إلى القراءة لأهرب من واقعى الصامت، أول قصة قرأتها كنت فى الثالثة عشرة من عمرى تعلمت وقتها كيف أطير وأحلق بعيدا من خلال الكتاب، طالما تمنيت أن أكتب ولكن كلما قرأت كما ازداد خوفى من أن أكتب، كتبت أول رواية لى وأنا فى السابعة والعشرين، أرسلتها إلى ناشر، عن طريق البريد، فرفضها.. وتصورت أن تلك رسالة بأننى غير موهوب.. انتظرت حتى أصبحت فى السابعة والثلاثين، وعدت أسأل نفسي: متى ستحقق حلمك وأنت على أعتاب الأربعين، ربما تموت قبل أن تصبح أديبا؟.. بالفعل صدرت أول رواياتى وأنا فى الأربعين.

■ حدثنى عن الروتين اليومى لكاتب له إصدارات عديدة مثلك، وهل تكتب بشكل منتظم؟

- أول كتاب أخذ منى حوالى ثلاث سنوات لأنتهى منه ومن بعدها أصبحت أكتب كل عام رواية‪..‬ أنا أكتب بشكل يومى، أبدأ فى السابعة صباحا وحتى الواحدة كل يوم ثم أجلس بلا أى عمل من الواحدة وحتى الثانية ظهرا ثم أغفو قليلا من الثانية لمدة نصف ساعة وهى عادة مصرية خالصة.. ثم أعاود الكتابة مرة أخرى حتى السادسة أو السابعة مساء وأتوقف.. أمارس هذه الطقوس كل يوم دون توقف ولو ليوم واحد منذ ثلاثة وثلاثين عاما حتى فى الإجازات ولو توقفت يوما واحدا عن الكتابة ربما أموت‪.‬ 

■ سأبدأ بسؤالك عن روايتك العظيمة (الطريق إلى أصفهان- ابن سينا) 497 صفحة من السحر والجمال، قصة حياة ابن سينا، كما جاءت على لسان صديقه أبو عبيد الجوزجانى الذى صاحبه 25 عاما، حدثنى أكثر عن هذه الرواية، هل هى رواية حقيقية؟ كيف تعقبت أحداثها؟

- أعتبرها واحدة من رواياتى الجيدة، البداية كانت عندما قررت أن أكتب قصة حياة عمر الخيام، وجمعت معلومات كثيرة عنه وعن بلاد الفرس، وبعد كتابة حوالى ثلاثة فصول من الرواية، وقعت فى يدى بالمصادفة رواية للروائى اللبنانى أمين معلوف إسمها (سمرقند) وفوجئت أنها تروى قصة حياة عمر الخيام، وكأننى أصبت بسكتة قلبية، عدت إلى البيت أكاد أن أبكى أو ربما بكيت.. قررت أن أحرق الثلاثة فصول، وسألت نفسى ماذا أنا بفاعل الآن؟ تريثت قليلا فوجدت أن من خلال بحثى عن تاريخ عمر الخيام عثرت على تاريخ ابن سينا والحقيقة كان هو أكثر إثارة، فقررت أن أكتب عنه، والآن أنا من أصدقاء أمين معلوف لأنه يسكن خلفى، ودائما أمزح معه وأقول له: «أشكرك لأنك جعلتنى أكتب ابن سينا».

أما عن جمع المعلومات، فقد كنت أذهب إلى المكتبة الوطنية فى فرنسا التى أعمل بها وهى بالمناسبة مكان عظيم، فوجدت هناك مخطوطًا صغيرًا حوالى 15 صفحة مكتوبة بيد ابن الجوزجانى، ملخص يومى لحياة ابن سينا، فقررت أن تكون تلك الصفحات هى نقطة انطلاقى.  

■ انتقالا إلى روايتك الأخرى، (ابنة النيل) التى هى الجزء الثانى لرواية (مصرية).. لماذا اخترت محمد على باشا؟ وكيف تراه؟ هل كان حاكما إصلاحيا أم كان ديكتاتورا؟

- محمد على رجل تركى أجنبى، والشعوب لا تتقبل الحاكم الأجنبى، لكنه إحقاقا للحق كان حاكما استلم مصر وهى صحراء جرداء وحولها إلى مصر أخرى.. أخذ هذه الدولة فى القرن التاسع عشر وانتقل بها إلى القرن العشرين، بنى المدارس وأنشأ جيشا قويا.. فى عصره مصر كانت من الدول القليلة التى بها إضاءة وشوارع ومصانع.

نعم كان ديكتاتورا ولكن ديكتاتور أبدل وجه مصر، ومن من الحكام لم يكن ديكتاتورا؟

من المؤكد أنه ترك مصر مديونة ولكن كل الدول تعانى من الديون ومصر اليوم مديونة.. على الأقل صنع مصر حديثة وجعل منها دولة حقيقية.. المشكلة أنه وقتها كانت هناك أكثر من دولة عينها على احتلال مصر، وكانت هذه الديون ذريعة لاحتلالها.

لقد أخذ منى هذا الكتاب عشر سنوات من البحث، منها سنتان فى مصر، ذهبت إلى المكتبات والأرشيف وإلى القلعة للبحث فى تراث محمد على، ثم سافرت إلى لندن للمزيد من البحث فى مكتبة بريطانيا العامة وبروكسيل.. والشكر هنا واجب للحكومة الفرنسية التى دعمتنى وأعطتنى منحة للسفر والترحال للحصول على ما يلزمنى لكتابة هذا العمل الأدبى الذى آمنوا به..

المأساة الحقيقية، أن الأرشيف فى مصر فى حالة يرثى لها، تل من الوثائق المُهملة فى صناديق مغلقة فى غرف عطنة تعلوها الأتربة.. أتمنى أن تمتد إليها يد المسئولين.

وتذكرى جيدا يا عزيزتى أن محمد على باشا، كان يريد فى ذلك الوقت استقلال مصر، ولذلك أرادت إنجلترا وتركيا تدمير مدوناته وما تركه من تراث لأنهما كانا ضد هذه الخطوة.

■ ماذا عن الجوائز، هل تراها منصفة أم غير عادلة ؟

- من المؤكد أن كل كاتب يتمنى الفوز بجائزة ليشعر بالتكريم، وإذا قلت لك أن الكاتب لا يُبالى فأنا كاذب.. المؤلف يريد من يصفق له ويؤكد له أنه متميز، ويعطيه جائزة أو ميدالية.. وثانيا الجائزة تسلط الضوء على الكاتب وعلى إصداراته، والقراء دائما ما يبحثون عن أعمال الكاتب الفائز بالجائزة.. بالقطع الجوائز ليست منصفة، لأنه طالما هناك فائز وخاسر، تخسر الجائزة صفة الإنصاف.. أحيانا كثيرة يخسر من لديه عمل جيد وعادة يكسب من لا يستحق!.

فمن أين يأتى الإنصاف؟ الحياة يا عزيزتى ليست منصفة..

■ ماذا عن لقب الأكثر مبيعا؟ وما هو تقييمك للقارئ على مستوى العالم؟

- الأكثر مبيعا هو تعبير عن كتاب أحبه القراء وقرروا أن يحتفوا به، ولذلك فإذا باع روائى مليون كتاب هذا لا يمكن أن يعنى أن الكتاب سيئ، المبيعات تحدد قوة الكاتب حتى لو كان مضمونها هو المعتاد من الجنس والمال والدين.

البشر لا يقرأون.. فلا تحلمى يا صديقتى.. الناس يشترون الكتاب ليضعوا صورتهم معه على الفيسبوك ولكنهم لا يقرأونه، الناس فى القطار والمترو لا يقرأون مثل الماضى، فقد استبدلوا الكتب بالموبايلات.. ظاهرة حزينة..

عندما أذهب إلى مصر، أجد آلاف الكتب على الأرصفة ولكن لا أعلم إن كان أحد يقرأوها أم لا، لو كان المصريون يقرأون بحق لكان من المنطقى جدا أن تتراوح مبيعات الرواية الأكثر مبيعا ما بين ثلاثين وأربعين ألف نسخة!

■ كتبت عن المرأة فى مصر.. (شهرزاد) فى رواية المصرية، و(جيوفانا ماندرينو) فى ابنة النيل.. كيف ترى المرأة المصرية؟

هل تعرفين لماذا كتبت قصة (المصرية)، وكيف تصورت شخصية شهرزاد؟

- لقد كنت مغرمًا بشخصية امرأة قوية عظيمة اسمها هدى شعراوى وهى بالنسبة لى كانت (المصرية) حتى إنها كانت رئيسة تحرير مجلة اسمها «مصرية» كنت قد قابلت ابنتها فى سويسرا وتحدثت معها عنها.. هدى شعراوى كانت امرأة حرة وقوية، وهى التى أعطتنى فكرة المصرية، لكنها توفت قبل أن تقرأ روايتى للأسف.. أنا أعشق هذه السيدة والسيدات اللاتى سرن على خطاها.

خلع الحجاب كان هو هدف هدى شعراوى، التخلى عن حجاب الوجه والعقل الذى لم يكن مفروضا وقتها بالمناسبة سوى على بنات الطبقة الأرستقراطية.. لقد وقفت هذه السيدة فى محطة السكة الحديد وخلعت الحجاب بكل شجاعة وألقته على الأرض.. تعلمت منها أن الحرية هى حرية اتخاذ القرار.. من تريد الحجاب فلتتحجب ومن تريد خلعه فلها مطلق الحرية.

■ (يريفان) رواية عن مذبحة الأرمن وحياة السلطان عبد الحميد الثانى؟ حدثنى عنها؟

- عندما أرادت تركيا الدخول فى الاتحاد الأوروبى والسوق المفتوحة، أصابتنى الدهشة، كيف يتقبلهم العالم دون على الأقل أن يعتذر الأتراك عما فعلوه فى 1915 وعن المجازر التى ارتكبوها.

أصدقائى فى المدرسة كانوا من الأرمن.. وطالما حكت لى جدتى عنهم، بعد أن انتهيت من كتابة الكتاب، أرسله الناشر إلى تشارلز أزنافور ليكتب له المقدمة لأنه أرمانى.. وكان سؤاله الوحيد، هل المؤلف أرمانى؟ فأجابوه: لا.. وهنا فقط قرر أن يكتب المقدمة لأنه أراد أن يكتب من وجهة نظر محايدة.

رواية (اللوح الأزرق) فكرة عبقرية وإبداع بلا حدود.. ثلاثة رجال دين، أحدهم مسلم والآخر مسيحى والثالث يهودى يبحثون عن رسالة من الله خبأها بمكان ما، مدون فيها اسم الدين المتكامل؟ كيف اخترت هذا الموضوع الشائك؟

- أنا لا أختار مواضيعى، أنا مجرد جسر لتوصيل الفكرة كما قلت لك منذ البداية، أنا مسيحى ولكن مقتنع بكل الديانات، قرأت فى اليهودية، وقرأت الأحاديث والقرآن أكثر من مرة.. قناعتى أننى كان من الممكن أن أولد فى أى ديانة أخرى، لماذا يظن المسيحيون أنهم أصحاب الدين الأفضل، ربما المسلمون أو اليهود؟ أو العكس.. أنا أعتقد أن كلا منا لديه جزء من الإجابة وليس الإجابة كلها، هكذا بدأت فكرة الكتاب، تخيلت أن الله كتب رسالة يقول فيها أى ديانة هى الأفضل.. هى ببساطة رحلة يتواصل فيها الثلاثة أبطال لإيجاد الذات.

■ ما الفرق الذى تراه بين عبد الناصر ومحمد على باشا من خلال كتابتك عنهما؟

- كتبت عن عبد الناصر لأنه لاقى هجوما كبيرا عقب وفاته، كباحث أنا أرى الشخص من خلال أعماله وليس من خلال قناعتى به.. هناك وجهان لعبد الناصر، الوجه الشاب الذى يفيض بالوطنية والحماس، الضابط الوطنى الذى تمنى الخلاص من المستعمر البريطانى الذى استنزف مصر ومن حاكم كان مجرد عروس ماريونت فى يد الإنجليز..

الضباط الأحرار لم يكن لديهم خطة، مجرد شباب أخذتهم الحماسة وهى لحظة نبيلة حاولوا فيها رفع شأن مصر.. عبد الناصر منذ توليه وحتى قناة السويس كانت مرحلته الذهبية، ثم يتحول ناصر إلى مرحلته الثانية التى دمرت مصر، ليتركها مفلسة ومحطمة ومديونة..

بالمقارنة فعبد الناصر لم يترك شيئًا أما محمد على فقد ترك إرثا من التغييرات والإنجازات..

ناصر كان عنده النوايا الحسنة لكنه لم ينفذها، فقد كان صغيرا وغير ذى خبرة، بخلاف الشلة التى حاوطته وحتى عبد الحكيم عامر أغبى وزير حربية تولى فى تاريخ مصر.

■ أراك تستحق لقب أسطورة الأدب؟

- أنت مخطئة يا عزيزتى، لا يوجد شخص يستحق أن يكون أسطورة، فأنت على سبيل المثال كاتبة وهناك كتاب غيرنا كثيرون، لا أؤمن أن هناك كاتبًا ناجحًا وكاتبًا فاشلاً، هناك كتاب جيد وكتاب سيئ، أنا متأكد أنك عندما تجلسين لتكتبى فأنت تجتهدين لكتابة أفضل ما عندك، أحيانا تبدعين فى كتاب جميل وناجح وأحيانا يخرج كتاب أقل جودة عمَّا سبقه، إنه التحدى الدائم، الكتابة معجزة، ونحن المبدعين لا نكتب، إننا مجرد جسر بين القراء وبين شىء لا يمكن أن نفسره، نحن مجرد جسر ولا شىء آخر.