رشا سمير
كتب
رشا سمير

د. رشا سمير تكتب: عنتيل مدارس "أولاد الذوات" في قبضة الرأي العام


وقتما إلتحفت المجتمعات بالمبادئ والأخلاق كانت البشرية تعيش في سلام بلا ضغائن ولا نكبات..وحين كان للبيت اليد العُليا في التربية وكانت الأسرة متماسكة تصنع قدوة وسند لأبنائها وُلد الأدباء والفنانين والمفكرين..حين كانت وزارة التعليم هي وزارة للتربية أولا ثم التعليم كانت المدارس والجامعات حرما مُقدسا، حين كانت الأعمال الدرامية تدعو لإعلاء القيم قبل الإعلانات كانت الشاشة الفضية سببا في إرتقاء المجتمع..فكان المخطئ يسكن شقوق الحيطان.
حين وحين وحين..كانت مصر..كانت مصر الجميلة التي تربينا فيها دون خوف ولا جزع..
ثم تغير الزمان وجاءت أجيال جديدة إنفتحت على عالم لم نكن نعرفه، عالم التكنولوجيا والإنترنت، عالم سقطت فيه كل الحدود وأصبح اللامنطق فيه هو المنطق الوحيد..
غابت الأسرة وتفككت بسبب أباء وأمهات إنصرفوا إلى دنياهم تاركين ورائهم جيل ضائع يصارع أمواج الحياة..في هذا الزمان القبيح الذي توارى فيه كل محترم، أصبحت قيمة البشر الوحيدة نابعة من عدد مُتابعينه على الإنستاجرام!.

الشرارة الأولى:
بدأت شرارة تلك المأساة في عام 2016 وعلى أحد الصفحات الخاصة التي أنشأها طلبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة للتواصل فيما بينهم حول أحوال الجامعة، وهي صفحة لم تُنشأ بمعرفة الجامعة بل القائمين عليها هم الطلبة والطالبات بذاتهم.. 
كتبت أحد الفتيات عن شاب يتحرش بها جنسيا هي وصديقاتها، ثم توالت الإتهامات من فتيات أخريات يتهمن نفس الشاب بالتحرش بل وبالإغتصاب!..
فما كان من الفتى المتهم الذي يُدعى «أحمد بسام زكي» إلا أنه رد على الصفحة ذاتها محاولا كسب تعاطف طلبة الجامعة متعللا بأنه يعاني من مشاكل شخصية ونفسية وأن ما يقال عنه ليس إلا إفتراء قد يدفعه إلى الإقدام على الإنتحار.
منذ أيام، عادت نفس القضية لتطفو على السطح من جديد بتعليق كتبته فتاة أخرى على نفس الصفحة..بعدها انتقلت القضية برمتها إلى الإنستاجرام، عن طريق صفحة جديدة أنشأتها إحدى الفتيات بعنوان «بوليس الاعتداءات الجنسية» لتشجيع ضحايا هذا الشاب على البوح وتقديم بلاغات للنائب العام مع حماية هويتهن، وبالفعل إنهالت الرسائل من كل الإتجاهات، من زميلاته في المدارس والجامعات..ومن ثم تحولت القضية بين عشية يوم وضحاها إلى قضية رأي عام..بعد أن تبين أن القضية تعود إلى سنوات طويلة!.
ونحن في جريدة الفجر قررنا أن نطرح تلك القضية على قراءنا دون الخوض في تفاصيل قد تثير بلبلة أو تساهم في ضياع حقوق هؤلاء الفتيات، وإحتراما منا لوجود ملف تلك القضية الشائكة على مكتب المحترم النائب العام.
قبل النشر بساعات علمنا أن النائب العام أمر بحبس المتهم «أحمد بسام زكي» أربعة أيام احتياطيًّا على ذمة التحقيقات؛ لاتهامه بالشروع في مواقعة فتاتين بغير رضاهما، وهتكه عرضهما وفتاة أخرى بالقوة والتهديد وكان عُمر إحداهن لم يبلغ ثماني عشرة سنة،  ثم أمرت المحكمة بمد حبسه احتياطيًّا خمسة عشر يوماً.
فكان لزاما علينا التنويه والشكر لسرعة إستجابة معالي النائب العام والنيابة العامة للقضية. 
الأهم من وجهة نظري أن تلك القضية فتحت الباب لألف قضية مسكوت عنها، وهو ما يجعلها أهم من مجرد قضية شاب مريض يغتصب الفتيات ويبتزهن، لأنها قضية تمس كل بيت مصري.

الضحية رقم 1:
(( كان عندي 19 سنة وهو عنده 20، عمي يسكن في نفس الكومباوند الذي يسكن فيه هذا الشاب، قابلني وأنا أركب الدراجة داخل الكومباوند، كان لطيف في البداية، حكى لي عن نفسه وكانت غلطتي أنني حكيت له عن أشياء شخصية، تعلقت به لأنه كان لطيف في البداية، في أحد الأيام كلمني وهو يبكي وطلب مقابلتي لأنه يحتاج إلى صديق يسمعه، أرسلت له مكاني عند صديقة، جاء بسيارته لنتحدث، ففوجئت به ينطلق نحو الكومباوند الذي يسكن به، وصل منزله، وسط تخوفي من الذهاب هناك، طمأنني وأخبرني أنه مستحيل أن يضرني، بعد حديث طويل، إقترب مني وقبلني، أخذني وصعد بي إلى غرفته، وعندما شعرت أنني يجب أن أنصرف، جذبني من شعري وألقاني على الأرض، واغتصبني بشكل وحشي، ثم انهال علي بالشتائم والوصف البذئ وطردني..وصلت لبيتي وحكيت لأمي كل ما حدث، ولم تفعل أي شئ!.
حاول الإتصال بي بعدها كثيرا، وطلب مني العودة لممارسة الجنس معه وإلا فضحني..بعدها أخذت أمي مني الموبايل واللابتوب، وجعلتني أمسح كل المحادثات، وأجبرتني على السفر للخارج، وأنا الآن أعيش بمفردي بلا أهل ولا أصدقاء..هذا المغتصب الحقير الذي أحببته يوما يستحق السجن حتى الموت))

الضحية رقم 2:
هذا الحقير أقنعني بالذهاب ليعرفني على مجموعة من أصدقاؤه، وبعد الوصول لبيته أخبرني أن الجروب إعتذر لظروف طارئة، ومن وقت دخولي للمنزل، تحرش بي بشكل فج وبات يتحسسني بطريقة حقيرة، وعندما أخبرته أنني غير راضية عن طريقته، غضب غضبا شديدا وانفعل، وطلب مني أن أكون أكثر تفتحا، فأخبرته أن كوني أكثر تفتحا يعني أنه يجب أن يذعن لرغباتي، ورفضي لطريقته..لم يكف، فأخبرته أنني منذ أيام أنهيت علاقتي بشاب كنت أحبه، ولذا فأنا حزينة وغير مستقرة، ثم دون أن أشعر بدأت أبكي، فبدأ يقبلني، اقترب أكثر ثم جردني من ملابسي واعتدى علي بطريقة في منتهى البذاءة مثل الحيوان، بكيت بعنف وكأنني في دنيا أخرى، التفاصيل أحقر من ذلك بكثير، فجأة بدأت أستنكر ما حدث وكأنني في غيبوبة، لم ينتهي الموضوع عند هذا الحد بل عاد يتصل بي ويخبرني أنه لديه فيديو للقائي به وأنه سوف يفضحني أمام أهلي وزملائي..قمت بحذفه من عندي ومنعت رقمه لكي لا يعاود الإتصال..أتمنى أن يموت هذا الحقير)).

الضحية رقم 3 و4 :
الضحايا هذه المرة هن زميلاته في جامعة EU Barcelona بأسبانيا التي قامت بطرده من الجامعة منذ أيام قليلة وعقب إنتشار الفضيحة..
(( هذا الشاب المضطرب، كان معي بالفصل، في فترة الحظر، كنا ندرس أونلاين، فتح الحديث معي أكثر من مرة، وأرسل لي صور لصديقتي التي يريد أن يجعلها (موديل) تصوير له وطلب مني أن أحدثها بهذا الشأن، وبعدها بأيام عرف رقم صديقتي وبدأ يلاحقها ويلاحقني بمكالمات لا تنتهي، أخبرت صديقتي، وهي الأخرى قامت بتوبيخه وهددناه إنه إذا لم يكف عنا سوف نفضحه ونقوم بالإبلاغ عنه ))..
 وتقول أخرى: (( حاول أن يرسل لي رسائل على الإنستاجرام ليعبر لي عن إعجابه ويقول أنني أشبه إحدى ممثلات الأفلام الإباحية التي يشاهدها، تجاهلته مرات، ثم أخبرته أني لدي صديق ولا أريد أن أدخل معه في محادثات، وقمت بعمل بلوك لرقمه حتى لا يستطيع الوصول إلى هاتفي ))
كما ترون فالفارق كبير بين ما ندرجه نحن هنا تحت بند الإغتصاب وهو ذاته ما أعتبروه بالخارج فعل فاضح لمجرد أنه طاردهم بمكالمات دون رضاهم، وتصوروا يا سادة أن تلك المطاردات التليفونية تسببت في رفده من الجامعة!..

تاريخ من التحرش:
الحقيقة أن قصة هذا الشاب المتوتر نفسيا بدأت منذ كان في المدرسة، حيث قامت الكثير من الفتيات بإرسال رسائل تؤكد على تحرشه بهن ومحاولات الإمساك بجسدهن وإرسال صور لهن ومحادثات لإبتزازهن منذ كان في المرحلة الإعدادية، وما يؤكد هذا الكلام هو فصله من أكثر من أربع مدارس دولية كبيرة لها سمعتها، غير أن الشئ الغريب هو الصمت التام المُريب الذي واجهت به تلك المدارس الموضوع، ولماذا لم تصدر المدارس بيانات وافية تشرح فيها ملابسات هذا الشاب المختل وتقف في صف الضحايا من البنات؟ ولماذا لم تتحرك الجامعة بشكل أفضل أو يتم تحويله لمستشفى أمراض نفسية؟.
الضحايا حتى نشر هذه السطور وصل عددهن لما يقرب من المائة!.
بعيدا عن إعترافات الضحايا والرسائل الصوتية المشينة، المبتذلة، البذيئة..التي تُدين هذا الشاب المريض دون بلاغات، هذا الموضوع فتح ألف باب للنقاش وكشف أمامنا كل عورات المجتمع وأمراضه..

إنهيار مؤسسة الأسرة:
أسرة الشاب المغتصب، في حالة صمت مريب، وما أقصده هنا هو الصمت منذ البداية وليس الصمت الآن..الأب نفى في مداخلة تليفونية مع الإعلامي عمرو أديب كل ما قيل، وقال أن البلاغات كيدية وأن الحسابات التي أرسلت الرسائل هي حسابات وهمية..وأن الجيم زجاج ويسمح بالرؤية من الخارج فكيف إغتصب فتاة فيه، وهو ما تبين أنه غير حقيقي بعد أن قامت أحد الفتيات بتصويره!..
الشاب قد تم رفده من أكثر من مدرسة وجامعة، واغتصب عشرات الفتيات، والأكيد أن أسرته على دراية بأفعاله وبإضطرابه النفسي..فماذا فعلوا؟ ألم يكن من الواجب عليهم تقويمه بعد أن فشلوا في تربيته، وربما لو كانوا سلموه بأيديهم للعدالة، لكانوا قد خلقوا منه رجلا..
الواقع المذري جعلهم يتسترون عليه وهو ما يؤكد على بيت به خلل تربوي، حتى لو بدت صورتهم مثل أي أسرة عادية..
أما أهل الضحايا فهم أيضا مخطئون، لقد آثروا التستر على ما اعتقدوا أنه فضيحة مُشينة، كمموا أفواه بناتهن، فأضاعوا حقوقهن وزرعوا الخوف في قلوبهن..
الأم التي حكت لها إبنتها ولم تتحرك، هي نفس الأم التي دفعت إبنتها لتسافر خارج البلاد، هي ذات الأم التي أجبرت إبنتها على مسح الرسائل مع الشاب وكأنها تحرق وصمة العار.
غاب الحوار في البيوت، ولم يعد هناك دور تربوي للآباء لأن دورهم تحول إلى دور تمويلي مادي فحسب..السيارة والجامعة والموبايل والساحل..ودمتم!.
لم يعد الآباء قدوة لأنهم أصبحوا لا يبحثون سوى عن مصالحهم ونزواتهم الخاصة، فلم يعد لدى الأبناء من يستمع ويرشد ويقوم أخلاقهم..
إنها جريمة تُعاقب عليها الأسر المصرية، فمتى ننتبه إلى أن أبنائنا لهم حقوق علينا؟..

هوة بين جيلين:
القضية الأهم التي ظهرت بسبب هذه القضية، هي تلك الفجوة التي حدثت بين جيلين، جيلنا وجيل أبنائنا، فنحن تربينا على الصح والغلط، الحلال والحرام، وهم متصورين أن الحرية هي كل شئ، حرية المظهر والكلمة والتعامل والرأي..
لم تعد الفتيات تقبل أن يُقال لهن أن ملابسهن العارية أو تصرفاتهن أو حتى ذهابهن إلى منزل الزملاء من الشباب بمفردهن، هو فعل خاطئ، أو دعوة غير صريحة للتحرش.. 
كنا جيل تربى على عقائد مختلفة، جيل كانت الفتاة تخاف فيه على ملابسها ومواعيد عودتها للمنزل، وسلوكها أمام زملائها الشباب، وربما كان جيل أمهاتنا أكثر تحررا منا في مجتمع إحترم النساء، والسبب واضح..زيادة الأمراض النفسية في المجتمع، وإختفاء النخوة، وتردي الأخلاق..الأجيال القديمة دون شك كانت أكثر تحضرا وأخلاقا.
هنا أضم صوتي إلى صوت البنات، ليس من حق أي إنسان التعرض لأي فتاة جسديا أو لفظيا بسبب ملابسها أو ظنه أنها سهلة المنال..
لكن..يجب أن تتعلم بناتنا الدرس، وهو أن الثقة المفرطة لها دور في هذه الواقعة وغيرها، الفتيات اللائي وقعن في حب هذا الوغد، وتصورن في لحظة أنهن ذهبن إلى بيته (عادي) لأنه صديق، أحسنوا النية أكثر من اللازم، أو دفعتهن سذاجتهن إلى تصديق ذئب بشري مختل، والحقيقة العارية اليوم أن حُسن النوايا يُعد من الكبائر..والثقة تحتاج إلى براهين.
يجب أن يكون هناك جسر من التفاهم ليُقرب وجهات النظر بين الجيلين، نحن وأبنائنا..يجب أن نستوعب هذا الإختلاف بكل رحب وسعة، فنستمع حتى لو إختلفنا.

هل سينتهي المغتصب خلف الأسوار؟:
بعد صدور أمر حبس المتهم 15 يوما على ذمة التحقيق منذ ساعات قليلة، وبعد أن أشادت الفتيات الضحايا بمعاملة النيابة العامة ودعمها الكامل لموقفهن، لازالت بعض الفتيات خائفات من تقديم البلاغات حتى لا يصبحن ضحايا للتنمر، ونحن كأصحاب رأي نقف خلفهن وندعمهن بكافة الوسائل للتقدم بالمزيد من البلاغات، والأكيد أن الدولة ستحميهن وبقوة.
المجلس القومي للمرأة قام بدور يُحسب له كمؤسسة تدعم المرأة وتتصدى لقضاياها، النائبة المحترمة أنيسة حسونة قدمت أيضا إستجواب في البرلمان. 
أسرة الشاب لازالت تحاول إستدراج الرأي العام للتعاطف معه وكان الأجدى بهم تقديم إبنهم للعدالة لتقويم أخلاقه.
بعض الإعلاميين بدأوا دون وعي في الدفاع المستتر عن الشاب بدعوى أنه أخطأ مثل أي شاب، وأن هناك أطراف إخوانية الهوى أنشأت حسابات وهمية لإسقاط الدولة!..أتمنى أن يعودوا إلى الرسائل الصوتية التي تنم عن شخصية مريضة بلا أخلاق ويراجعوا أنفسهم.
يبقى سؤال..وماذا عن الكومباوند السكني الذي يقطن به صفوة المجتمع؟ وماذا إذا ثبت أن حارس الأمن  باع شرف الفتيات مقابل حفنة جنيهات؟! ألا يجب وقتها محاسبة الجميع؟ المتسترين جميعا بلا إستثناء!. 
كلمة أخيرة..إلى كل (الإنفلوينسرز) وكل من له حساب على الإنستاجرام يعمل على زيادة عدد متابعينه على حساب هذه القضية..أرجوكم كفوا أيديكم عن هؤلاء الفتيات..لا تسفهوا قيمة القضية بثرثرة لا تضر ولا تنفع، ولا تحولوا قضية وجود إلى قضية صراع وهمي بين الرجل والمرأة، لأن القضية أكبر وأعمق من ذلك بكثير..أرجوكم، لا تبنوا أمجادكم على جثث هؤلاء الضحايا.
في إنتظار عدالة السماء وقانون الأرض..في إنتظار الحقيقة حتى وإن جرحت الكثيرين..في إنتظار معاقبة المخطئ دون النظر لهويته..