Advertisements
Advertisements
Advertisements
عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب من واشنطن: أسرار مباحثات الفرصة الأخيرة حول سد النهضة؟

Advertisements
Advertisements
4 نقاط حاسمة فى الاتفاق النهائى منها ملء السد ومواجهة أخطار الفيضانات والزلازل واعتماد الاتفاقات القديمة ومشاركة باقى دول حوض النيل

لماذا تحمس ترامب لاختطاف المباحثات من بوتين؟ ولَم اختيرت وزارة الخزانة لرعايتها وليست وزارة الخارجية

البنك الدولى نجح فى حل أزمة الأنهار بين الهند وباكستان وفشل فى حل مشكلة المياه بين تركستان وأوزباكستان!


يحكم المثل الشائع «لا عشاء مجانى» السياسة الأمريكية

والمقصود: لا شىء بلا مقابل.. لا شىء بلا ثمن.. أو لوجه الله.

بذلك الفهم يسهل تفسير سرعة واشنطن فى استضافة مباحثات سد النهضة ومحاولة إنقاذها من الجلطات التى أصابتها.. بل يمكن القول: إنها اختطفتها من موسكو بعد أن وافق الرئيس الروسى فلاديمير بوتين على التوسط بين مصر وإثيوبيا والسودان فى قمة سوتشى بحضور قادتها.

ويفسر ذلك أيضا اهتمام الرئيس دونالد ترامب بالمباحثات ووضعها تحت رعايته مباشرة واستقبال ممثلى الوفود الثلاثة فى البيت الأبيض والتقاط صور تذكارية معهم.

أما مقابل العشاء اللا مجانى فيبدأ بسعى ترامب إلى تحقيق مكسب عاجل يساعده فى الانتخابات الرئاسية القادمة ويخفف من ضغوط مجلس النواب عليه بعد أن صوت على بدء التحقيقات لعزله.

ولكن الأهم إبعاد شبح حروب المياه بين مصر وإثيوبيا وهما دولتان لهما أهمية استراتيجية للسياسة الأمريكية والخلاف بينهما يهدد الأمن والاستقرار فى إفريقيا.

والأكثر أّهمية تحجيم نفوذ الصين فى إفريقيا بعد أن سبقت الجميع إليها وأغرت روسيا على اللحاق بها.

حسب دراسة أمريكية من ٢٤ صفحة صادرة عن المعهد الدولى لبحوث السياسات الغذائية بعنوان: الإدارة المتكاملة لحوض النيل الأزرق فى إثيوبيا أعدها ثلاثة باحثين فى جامعة كولورادو هم بول بلوك وكينيث ستراتزيك وبلاجى جويلان فإن الصين استأجرت مساحات هائلة لزراعتها فى دول إفريقية متعددة مقابل جعل سنوى لا يزيد عن نصف دولار للفدان وأغرقت أسواقها ببضائع رخيصة وقدمت إليها معونات فنية أخذت شكل تمهيد طرق أو بناء كبرى أو حفر آبار.

وتكشف الدرسة نفسها أن الولايات المتحدة فى سنوات العداء مع جمال عبد الناصر شجعت إثيوبيا على إقامة شبكة من السدود على منابع النيل الأزرق لتوليد الكهرباء وزراعة مساحات شاسعة من المحاصيل التجارية كثيفة المياه مثل الأرز وقصب السكر.

اقترحت الحكومة الأمريكية بناء أربعة سدود: كالادوبى ومابيل ومانداية وبوردار لتحتجز ما يزيد على ٧٣ مليار متر مكعب من المياه بتكلفة قدرت بنحو تسعة مليارات دولار تضاعفت بسبب التأخر سنوات طوال فى تنفيذها.

وسد بوردار تغير اسمه إلى سد الألفية العظيم ثم أصبح اسمه سد النهضة ويقع على بعد ٢١ كيلومترًا فقط من جنوب السودان وقد بدأ بسعة تخزينية لا تزيد على ١١ مليار متر مكعب وانتهى إلى ٧٤ مليارا بعد تغيير مواصفات بنائه أربع مرات منذ التفكير فيه (عام ١٩٥٨) إلى تنفيذه (عام ٢٠١١).

وبتغير المواصفات تضاعفت الأضرار التى ستلحق بمصر فى جميع نواحى الحياة.. وبفشل المفاوضات وصلت الأزمة إلى طريق مسدود.. وكشف العقل الباطن لرئيس الحكومة الإثيوبية عن مخاوف الحل العسكرى بتصريحات أدلى بها فى برلمان بلاده عشية فوزه بجائزة نوبل للسلام فى مفارقة لا تخفى دهشتها.. ولكن.. الميديا كالعادة شالت القضية بعد أن اتهمت بسوء الفهم.

فى الوقت المناسب دخلت واشنطن على الخط ووافقت إثيوبيا على المشاركة فى المباحثات التى دعا إليها وزير الخزانة الأمريكية ستيفين مينوشين رغم رفضها السابق لوجود وسيط دولى بينها وبين مصر والسودان.

وقفز إلى ذهنى سؤال بحثت عن إجابة عليه فى الدهاليز: لماذا جرت المباحثات فى وزارة الخزانة وليس فى وزارة الخارجية؟

وحسب ما سمعت فإن وزارة الخزانة وضعت فى الواجهة لتعطى للمفاوضات بعدا تنمويا وتبعد عنها شبهات الصراع السياسى أو توقعات الحل العسكرى كما أن وزارة الخزانة ترتبط بمؤسسات أمريكية تختص بمشروعات المياه والكهرباء والزراعة يمكن تجد فرصا للمكسب فى الدول الثلاث إذا ما نجحت المفاوضات.. لاعشاء مجانى.

وتمتلك وزارة الخزانة حصة مؤثرة فى البنك الدولى وصندوق النقد، البنك الإفريقى للتنمية يسمح لها بالضغط على إثيوبيا لتخفف من تعسفها وإلا حرمت من تمويل المشروعات التنموية التى تخطط لتنفيذها بعد الانتهاء من السد.

وتمتلك الخزانة خبرات عالية الكفاءة تقدر على تحديد الأضرار بدقة.

واستعانت الخزانة بالبنك الدولى للمشاركة فى المفاوضات بحضور رئيسه ديفيد مالباس وصدمت إثيوبيا التى سبق أن رفضت هذه المشاركة.

ولا يشارك البنك الدولى فى حل نزاعات الأنهار متعددة الجنسيات إلا بموافقة الدول التى تمر بها وسبق أن توسط بنجاح فى مشكلة الأنهار المشتركة بين الهند وباكستان ووقعت الدولتان معاهدة مياه نهر السند عام ١٩٥٠ ولكن البنك فشل فى تسوية نزاعات المياه بين تركستان وأزبكستان فى النهر الذى يجرى فى أرضهما منذ أن انفصلتا عن الاتحاد السوفيتى.

والحقيقة أن البنك الدولى حقق نجاحا فى ٩٩٪ من قضايا الأنهار التى دعى لحلها ويأمل أن يحقق نجاحا إضافيا بحل مشكلة سد النهضة.

تقرر أن يشارك البنك الدولى فى ٤ اجتماعات عاجلة لوزراء الموارد المائية فى مصر والسودان وإثيوبيا تنتهى بالتوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل السد بحلول ١٥ يناير القادم.

وحسب ما فهمت من مسئولين فى البنك فإن الاتفاق لابد أن يأخذ صورة تعاقدية تحل ما سبقها من اتفاقات والتى جرى الخلاف حولها والطعن عليها أو على الأقل يجب الاتفاق على خطوط عريضة تنتهى إلى ٤ نقاط محددة:

(١) فترة ملء السد بما يحقق مصلحة الطرفين.

(٢) رصد توقعات المخاطر البيئية للسد (مثل الزلازل والفيضانات) وتحديد كيفية وسائل التعاون لعلاجها بما يخفف من أضرارها.

(٣) مشاركة دول حوض النيل فى الأزمة لتأثرها بها.

(٤) وضع فتوى خبراء القانون الدولى التى تعتبر الاتفاقيات التى وقعت أيام الاستعمار ملزمة فى الاعتبار وضمها إلى باقى الاتفاقات التى وقعت فيما بعد.

ولكن حتى نضمن تنفيذ هذه النقاط فى المدة القصيرة المحددة (٦٨ يوما) علينا توظيف شركة علاقات عامة توضح حقيقة الموقف المصرى فى مواجهة ما ينشر على مواقع إثيوبية تتبرأ منها أديس أبابا وتدعى وجود محاولات تنسبها إلينا لتخريب السد.

ولابد من الانتباه إلى أن الجالية الإثيوبية فى الولايات المتحدة جالية كبيرة (تزيد على ٣ ملايين شخص) ونجحت فى تمرير كثير من القرارات التى تفيد بلادها من خلال أعضاء مجلس النواب فى دوائرهم.

إن الوقت حرج لكن الفرصة جيدة ولكنها لا تقبل إلا بمن يسعى وراءها.
Advertisements