Advertisements
Advertisements
Advertisements
عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب من نيويورك: الجوكر يحذر من عنف الفقراء إذا واصلت المجتمعات سحقهم والسخرية منهم

Advertisements
Advertisements
لا تسألوا القاتل.. اسألوا القتيل

الشرطة الأمريكية تحرس قاعات عرض الفيلم والحرس الوطنى التابع للجيش يرفع درجة الاستعداد

إن شركة "وارنر برازر" التى أدمنت إنتاج أفلام الأحلام الوردية الوهمية فوجئت بدهشة النقاد لإنتاجها الفيلم الذى يفضح مجتمعًا مسكوتًا عن عيوبه السياسية وجرائمه الإنسانية

تسبب فيلم "باتمان" قبل 7 سنوات فى مقتل 12 وجرح 70


اسمعنى جيدًا

البشر الذين يقولون: إن الحب أهم من النقود عليهم أن يحاولوا دفع إيجار البيت بالقبلات.. الذى قال: إن الفقر «ليس عيبا» -كان يريد أن يكمل «بل جريمة»- ولكن الأغنياء قاطعوه بالتصفيق الحار.. لا تحاول إقناعى بأن المال لا يشترى السعادة أعطنى المال وسأكتشف الحقيقة بنفسى.. لا يجوز تهديدى بالجحيم الجحيم منتجع سياحى بالنسبة لى.

اسمعنى جيدا.

الكل يهتم بشكلك ومالك وجاهك أما الروح فالوحيد المهتم بها هو عزرائيل.. نحن لا نرى الكوابيس فى أحلامنا ولكننا نراها حين نستيقظ.. ستدور الدوائر سترانى مبتسما وأراك منكسرا.. الله وحده يسامح عدوى ولكن على ترتيب لقاء بينهما.. لا تجعل الخوف من الخسارة يثنيك عن اللعب.. نتوقف عن البحث عن الوحوش تحت السرير حين نكتشف أنها فى أنفسنا.

اسمعنى جيدا.

ظل البعض أكبر من حجمه.. عندما يقف الجميع ضدى استدير للخلف فأصبح أنا القائد.. لا تثق كثيرا فى طيبتى فأنا سأقتل من يستغفلنى.. حلمت بأن أعدائى يحترقون فلم أتردد فى إطفائهم بالبنزين.. هم يكرهونك لمميزاتك لا لعيوبك.. النصائح نوع من الحسد أحيانا.. أشد حروب الإنسان حربه مع نفسه.. انتبه جيدا لمن لا يصفقون لك عندما تفوز.. أسوأ التناقضات مع نفسك عقل رافض وقلب يريد.. ويبقى السؤال: متى نعيش الحياة التى نريدها؟.

ولا تتوقف الحكمة التى ينطق بها جوكر أو بلياتشو أو مهرج.. حكمة جريئة.. مكثفة.. صريحة.. واقعية.. ولكنها مريرة أيضًا.

فى أشد القصور المتشددة المتزمتة منح الملوك حرية لمضحك البلاط وحده.. بشرط أن يخفى وجهه بالمساحيق الفاقعة ليختلف عن باقى الحاشية.. ويتقبل دون اعتراض السخرية منه.. والاستهزاء به.. بجانب إذا عجز عن إضحاك الحاكم أعدمه.. فقد صلاحيته قبل أن يفقد حياته.

وإلهمت تلك الشخصية مئات الأعمال الفنية والأدبية والتشكيلية والمسرحية والسينمائية بكل لغات العالم من العربية إلى الصينية.. تنوعت فى عرضها.. والتقطت صورتها من زوايا مختلفة.. ولكن.. يبقى لهوليود النصيب الأكبر فى إنتاج أفلاما عنها جسدها أشهر نجومه مثل جاك نيكلسون وهيث ليدجز وجاريد ليتو.

ويفسر ذلك أن شخصية الجوكر أصبحت شخصية شعبية منذ أربعينيات القرن العشرين عندما ظهرت فى المجلات المصورة (أو الكوميكس مثل ميكى) لتلعب دور الشرير المثير للفوضى فى مواجهة باتمان المنقذ الذى أدى نجاحه فى السينما إلى اختراع شخصيات خارقة أخرى مثل أير مان ووندر وومن وقبلهما سوبر مان.

على أن لا أحد حاول التغلغل فى شخصية الجوكر وكشف سر جنوحه إلى الشر وجنونه بالعنف إلى حد الهوس رغم خفة ظله ورشاقة جسده وجرأة لسانه حتى جاء تود فيليبس ليكتب ويخرج فيلما غير متوقع عنه أطلق عليه جوكر .. وصف بأنه نقطة تحول حادة فى مسيرة السينما الأمريكية.. ستكون الأفلام بعده ليست كالأفلام قبله.. ولا أتصور أنها مبالغة أبدا.

إن شركة وارنر برازر التى أدمنت إنتاج أفلام الأحلام الوردية الوهمية فوجئت بدهشة النقاد لإنتاجها الفيلم الذى يفضح مجتمعًا مسكوتًا عن عيوبه السياسية وجرائمه الإنسانية.. مجتمعًا يسحق الفقراء.. ويحرمهم من العلاج.. ويسخر من رغبتهم فى تحقيق ذواتهم.. بل.. ويحولهم إلى قتلة أحيانا.. لا يشعرون بأنفسهم إلا عندما يشربون من دماء من أساءوا إليهم.

والمفاجأة أن الفيلم رغم سوداويته حقق إيرادات غير مسبوقة ونال جوائز دولية (منها جائزة مهرجان فنيسيا) قبل عرضه تجاريا.

هنا سنكتشف أننا أمام تود فيليبس آخر غير الذى عرفناه هنا ليس تود فيليبس الذى عرفناه فى أفلام كوميدية خفيفة أشهرها هانجأوف (صداع ما بعد الثمالة) الذى حقق إيرادات عالمية.

هو فى جوكر مبدع مثقف بل فيلسوف يعرف كيف يصنع أبطاله من واقع مؤلم استوعبه جيدا ونجح فى إيصاله إلى كل من شاهد الفيلم حتى ولو لم يكن أمريكيا.

صنف جوكر تحت أفلام دراسة الشخصية (أو الكارتكتر ستدى) مما يعنى أن حالة البطل تسيطر على الأحداث خطوة خطوة.. نمشها معه.. ونتعذب بها.. والأخطر نتعاطف معه عندما يقتل الشخصيات التى تسببت فى مأساته ولم ترحمه.

البطل أرثر فيلك.. يعيش فى مدينة جوثام الخرافية التى تشبه غالبية المدن الأمريكية.. يسكن حيًا متواضعًا.. تنتشر أكياس القمامة من حوله.. يكسب عيشه من مهنة البلياتشو.. يرتدى ثيابها ويضع مكياجها ويقوم بالدعاية لمحلات تجارية.. أو الترفيه عن الأطفال المرضى فى المستشفيات العامة.. يعيل أمه المريضة.. ويعانى من مرض نفسى يبدو لنا أنه الفصام.. ولكنه.. لا يجد العلاج المناسب لحالته بعد أن خفضت الحكومة ميزانية الصحة.. ولا يجد أمامه سوى العمل بنصيحة طبيبته (قبل أن تفارقه) بأن يكتب فى دفتر مذكراته ما يمر به ربما يساعده ذلك على الشفاء.

يحلم أرثر بأن يصبح نجما من نجوم الكوميديا الذين يقدمون عروضهم على المسرح (ستاند كوميدى) أو فى برامج تليفزيونية ليلية (نايت شو) ولكنه يستيقظ من حلمه على طرده من العمل بعد اكتشاف أنه يحمل مسدسا أعطاه أحد أصحابه له كما أن مثله الأعلى من نجوم الكوميديا يسخر منه علنا ويكاد يجهز على ما تبقى من سلامته العقلية (مثل الدور رغم صغره روبرت دى نيرو).

أما بطولة جوكر فقام بها يواكين فينكس (ينطق أحيانا خواكين فينكس بسبب مولده فى بورتريكو) وساعده على تأدية الدور وجود فلج فى الشفة والفم بدا مناسبا مع مكياج الجوكر وتطلب وقوفه أمام الكاميرا إنقاص وزنه نحو عشرين كيلوجراما ليكتسب جسده المرونة اللازمة للتلوى والرقص والقفز ببراعة وحرية.

والحقيقة أن يواكين فينكس مثل فى الفيلم شخصيتين متناقضتين تماما.. شخصية أرثر فينك الضعيف المهزوز المريض نفسيا المصدوم فى كل من حوله والعاجز عن التكيف مع البشر.. وشخصية الجوكر الواثق من نفسه الذى ينفذ كل ما يريد دون تردد والقادر على تفسير أزمة مجتمعه بعبارات فلسفية صائبة وثاقبة.

ربما هذه هى المرة الأولى التى تأخذ السينما الأمريكية موقفا يساريا من مجتمعها فى وقت يكره النظام القائم دعم الفقراء ماديا ويوفر نفقات علاجهم نفسيا ويسعى جاهدا لطرد المهاجرين ويضع قيودا على دخول المسلمين ويحلم بسيادة جديدة للبيض وإعادة الملونين إلى زمن العبيد.

ولا شك أن نجاح الفيلم غير المتوقع (306 ملايين دولار فى أسبوعه الأول بينما لم تزد تكلفته عن 55 مليونا) سيدفع سيناريوهات كثيرة تحاكم المجتمع الأمريكى من أدراج المنتجين إلى بلاتوهات التصوير لنجد أنفسنا أمام موجة سياسية توجه سهامها إلى الواقع حتى تنجح فى تغييره.

ولكن هناك من يعتبر الفيلم محرضا على العنف حتى وقفت الشرطة أمام دور العرض مستنفرة ضد استخدام السلاح داخل الصالات ولم تتردد فى منع واضعى الأقنعة على وجوههم من مشاهدة الفيلم بل أكثر من ذلك رفع الحرس الوطنى (التابع للجيش الأمريكى) درجة الاستعداد مؤكدا وجود تهديدات ذات مصداقية.

كان فى خلفية تلك المخاوف ما حدث منذ سبعة أعوام عندما قتل 12 شخصا وجرح 70 غيرهم فى مدينة أورورا (ولاية كولورادو) بعد أن فتح رجل النار على الجمهور أثناء عرض فيلم باتمان (صحوة فارس الظلام).

إن الجوكر ينتقم من كل الذين أساءوا إليه أو سخروا منه أو ساهموا فى تحطيمه أو لم يحنوا عليه.. أمه التى اكتشف أنها ليست أمه وأنها كانت تأتى بعشاقها ليضربوه ويهينوه.. الشباب الثلاثة الذين تعاملوا معه بقسوة عندما حاول إنقاذ فتاة من تحرشهم بها.. ومثله الأعلى فى الكوميديا.

استخدمت تلك الجرائم للتدليل على أن الفيلم يحرض على العنف ولكنه فى الحقيقة يحذر من العنف الذى سيلجأ إليه كل من تتشابه حالته مع حالة أرثر فيلك.

كما أن مشهد أرثر فيلك والطبيبة النفسية فى الدقائق الأخيرة من الفيلم يوحى بأن جرائم القتل ارتكبت فقط فى خيال الجوكر تماما مثل مشاهد التعاطف بينه وبين جارته التى لم تتجاوز حدود عقله وتصوره بسبب معاناة الفصام التى تجاوزت فرص الشفاء.

لو كان عليك أن تأكل فطيرة بيتزا أو تشرب فنجان كابتشينو أو تدخل سينما لتشاهد الفيلم فأنصحك أن لا تأكل ولا تشرب ولا تدخن وشاهد الفيلم.
Advertisements