عادل حمودة يكتب: ملفات نائب رئيس الجمهورية فى مصر

مقالات الرأي



حاول عبد الناصر التخلص من سيطرة عامر على الجيش بتشكيل مجلس رئاسة يعين وزيرا شابا للحربية فقدم عامر استقالته وانهارت تجربة القيادة الجماعية

رفض مبارك تعيين نائب للرئيس بدعوى أنه لم يجد من يصلح لتولى المنصب

عبد الناصر طلب من السادات أن يأتى بمصحف لحلف اليمين نائبا للرئيس خشية اغتياله فى المغرب

السادات فاجأ مبارك بتعيينه نائبا بعد أن كان منتهى حلمه اختياره سفيرا فى لندن

محمود مكى استفاد من منصب النائب بتسديد الرئاسة فواتير طعامه فى الفنادق


على متن الطائرة الرئاسية التى حملت جثمان الرئيس جون كينيدى إلى واشنطن حلف نائبه ليندون جونسون اليمين الدستورية ليصبح رئيسا فى نصف دقيقة.

لم تمنع صدمة اغتيال كينيدى فى مدينة دالاس (تكساس) يوم 22 نوفمبر 1963 من الإسراع فى نقل السلطة ولو فى الجو تجنبا لفراغ فى إدارة البلاد يهدد استقرارها ويفكك أوصالها بجانب مخاوف من أن يكون وراء الحادث مؤامرة أسوأ بدت مجهولة ولم تكن قد كشفت عن أبعادها بعد.

ومنذ ذلك التاريخ الدامى تقرر أن يصطحب نائب الرئيس الأمريكى فى كل مكان يسافر إليه على ظهر الكرة الأرضية قاضيا من المحكمة العليا يحمل نسخة من الكتاب المقدس ليحلف أمامه اليمين الدستورية إذا ما توفى الرئيس أو استقال أو أقيل أو عجز عن ممارسة وظيفته على أن يوافق عليه أغلبية أعضاء مجلسى الشيوخ والنواب فى الكونجرس فيما بعد وهو ما حدث عندما استقال الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1973 بسبب فضيحة ووترجيت وعين جيرالد فورد فى منصبه.

حسب النظام الأمريكى أيضا ينتخب نائب الرئيس بشكل مباشر جنبا إلى جنب مع الرئيس ليتمتع بالشرعية الدستورية إذا ما دعت الضرورة لتوليه السلطة.

لكن فى النظام المصرى لا يتمتع منصب نائب الرئيس بالاستقرار.. أحيانا يسمح الدستور بوجوده.. وأحيانا ينكر وجوده.

فإذا سمح الدستور بوجوده فإنه لا يلزم الرئيس بتعيين نائب (أو أكثر) له وترك للرئيس الحرية المطلقة فى اختياره وتحديد مهامه وإقالته والحكم بدونه لو شاء.

بهذه السلطة الدستورية عين عبد الناصر نوابه من زملائه فى مجلس قيادة الثورة مثل كمال الدين حسين وزكريا محيى الدين وعبد الحكيم عامر وحسين الشافعى وحسن إبراهيم ولكن بعضهم لم يستمر فى المنصب وتركه بإرادته غاضبا محتجا مطالبا عبد الناصر أن يتقى الله كما كتب كمال الدين حسين فى رسالة إليه.

كان عبد الناصر يكلف من يشاء من نوابه بمهام محددة بالتنسيق مع رئيس الحكومة حتى لا يحدث تضارب بينهما.

وفى سنوات الوحدة بين مصر وسوريا (22 فبراير 1958 28 سبتمبر 1961) اختار عبدالناصر نوابا له من الشخصيات السورية البارزة مثل أكرم حورانى وصبرى العسكرى ونور الدين كحالة وعبد الحميد السراج الذى حافظ وحده على المنصب بعد انفصال البلدين بانقلاب عسكرى نفذه العقيد حيدر الكزبرى فى دمشق.

ولكن الوحيد الذى لم يستطع عبد الناصر إقالته من منصب نائب الرئيس كان عبد الحكيم عامر بحكم سيطرته على القوات المسلحة رغم محاولة عبد الناصر إبعاده عنها.

فى 27 سبتمبر 1962 صدر إعلان دستورى بشأن التنظيم السياسى لسلطات الدولة العليا تشكل بمقتضاه مجلس الرئاسة ليضم نواب الرئيس و يقر جميع المسائل والموضوعات التى ينص عليها الدستور المؤقت والقوانين والقرارات على اختصاص رئيس الجمهورية.

تنازل عبد الناصر عن سلطته المطلقة للمجلس المكون من 12 عضوا بجانب مكتب تنفيذى يرأسه على صبرى وعضوية ثلاثين خبيرا فى كافة المجالات.

وكان على نواب الرئيس والوزراء والقائد العام للقوات المسلحة تقديم استقالاتهم قبل المشاركة فى أعمال المجلس.

وما أن نوقش طلب تعيين وزير جديد للحربية من جيل شاب يمتلك معلومات وخبرات عسكرية متطورة حتى رفض عبد الحكيم عامر وقدم استقالته من كافة المناصب واختفى فانهارت تجربة القيادة الجماعية التى اقتبست من تجربة الرئيس جوزيف تيتو فى يوغسلافيا.

واستسلم عبد الناصر إلى عامر وأعاده قائدا عاما للقوات المسلحة واستمر فى منصبه حتى هزيمة يونيو وكان ما كان.

ظلت الدساتير فى مصر تعتبر منصب النائب شأنا يخص الرئيس وحده.. يعينه أو لا يعينه هو صاحب القرار دون إلزام.. ولكن التعديلات الدستورية التى أقرت فى 30 مارس 2011 (بعد ثورة يناير) نصت على أن تعيين نائب الرئيس وجوبيا.

على أن الدستور الأخير الذى استفتى عليه فى 18 يناير 2014 تجاهل منصب نائب الرئيس تماما.

ولكن فى التعديلات الدستورية الأخيرة التى حضرت بعض المناقشات حولها تحت قبة مجلس النواب عاد النص من جديد فى انتظار إقراره بعد استفتاء الشعب عليه بجانب مواد أخرى أهمها زيادة مدة الرئيس من أربع إلى ست سنوات وإعادة مجلس الشورى باسم مجلس الشيوخ وتخصيص ما لا يقل عن ربع مقاعد مجلس النواب للمرأة.

والحقيقة يمثل وجود نائب للرئيس نوعا من الاستقرار السياسى فى دولة تتعرض لمؤامرات لا تتوقف منذ حادث المنشية ولكن يبدو أن رصاصات التنظيم السرى المسلح لجماعة الإخوان التى أخطأت عبد الناصر فى 26 أكتوبر 1954 أصابت السادات فى 6 أكتوبر 1981.

لكن السادات لم يقتل بمؤامرة فقط وإنما اختير نائبا للرئيس بسبب مؤامرة أيضا.

فى ديسمبر 1969 كان على عبد الناصر حضور مؤتمر القمة العربية فى الرباط عندما عرف بأن وزير داخلية المغرب الجنرال محمد أوفقير يدبر بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية (الأمريكية) محاولة لاغتياله وفى الظروف الحرجة التى كانت مصر تعيشها استعدادا لتحرير سيناء لم يغامر عبد الناصر بوجود فراغ فى السلطة إذا ما نجحت المؤامرة وطلب من السادات أن يأتى بمصحف ليقسم اليمين نائبا للرئيس ولم يصدق السادات نفسه وطوال الطريق إلى المطار مصطحبا عبد الناصر فى سيارته ظل صامتا من شدة المفاجأة التى لم يتوقعها.

وحسب رواية هيكل فى خريف الغضب فإن عبد الناصر اعتبر دور السادات سيكون شكليا وأضاف: إن الآخرين جميعا واتتهم الفرصة ليكونوا نوابا لرئيس الجمهورية إلا أنور ولعل دوره الآن وعلى أى حال فهى فترة أسبوع على أرجح الأحوال.

وتكشف هذه الرواية لو صحت عن مدى الاستهتار بمنصب النائب فى تلك الفترة.. منصب شكلى.. يمنح لشخص مجاملة له.. ويمكن ألا يستمر فيه أكثر من أسبوع على الأرجح.

ولكن السادات بقى فى المنصب حتى توفى عبد الناصر ليصبح رئيسا من بعده وربما لذلك السبب وصف بأنه رئيس بالصدفة.

ولكن الصدفة تكررت بعدما اغتيل السادات فقد أصبح نائبه المختار حسنى مبارك رئيسا بعد أن كان منتهى حلمه تعيينه سفيرا فى البلاط الملكى البريطانى.

مما جعل عملية انتقال السلطة فى الحالتين أشبه بالتوريث الذى يتحكم فيه القدر فلو اختار عبد الناصر نائبا غير السادات لحكم مصر رئيسا غيره ولو أقيل مبارك قبل اغتيال السادات لكنا أمام رئيس مختلف تماما.

بمعنى آخر كنا أمام نوعية من الرؤساء جاءوا إلى السلطة دون أن يتصوروا أنفسهم فيها وفى مصر حيث يتمتع الرئيس بكثير من السلطات والصلاحيات لعبت تلك الصدف الدور الأكثر تأثيرا فى التغييرات السياسية والاقتصادية الحادة التى عاشتها مصر.

ولكن من ناحية أخرى يعطى منصب النائب لمن يشغله فرصة للتدريب على أصول الحكم حتى يعبر الفترة الانتقالية التى يتولى فيها الرئاسة بخبرة تجنب البلاد الاضطرابات والمؤامرات التى تهدد استقرارها حتى ينتخب رئيس جديد.

تمتع السادات بتلك الخبرة فى مشواره السياسى قبل وبعد ثورة يوليو (1952) وما أن اختار مبارك نائبا له حتى خصص له الدكتور أسامة الباز لتدريبه سياسيا وعهد إليه بملفات المعلومات الأمنية ليتعرف على هياكل المؤسسات المؤثرة فى صنع القرار كما كلفه بمهام خارجية للتعرف على العالم من حوله وكشف له خلال المناقشات المطولة التى جرت بينهما عن كيفية التعامل مع الحياة المدنية.

طوال ثلاثين سنة من الحكم لم يعين مبارك نائبا للرئيس إلا مضطرا حين اختار عمر سليمان للمنصب بعد ثورة يناير وإن شاعت قبل ذلك روايات غير مثبتة أنه أصدر قرارا بتولى سليمان المنصب ثم تراجع عنه بضغط من السيدة زوجته حتى يتاح لابنهما جمال أن يرث الرئاسة.

وربما لذلك السبب أيضا أعلن مبارك فى فبراير 2005 عن مبادرة لتعديل المادة (76) من الدستور ليكون انتخاب الرئيس بالاقتراع السرى العلنى بدلا من اختيار الرئيس بالاستفتاء عليه بعد ترشيح مجلس الشعب لشخص واحد للرئاسة.

وبذلك التعديل خفت الضغوط على مبارك لتعيين نائب للرئيس فلم تعد أمام النائب فرصة من سبقوه فى الوثوب السهل على السلطة.

ولم يسلم منصب النائب من الخرافات فقد شاع أن عرافة حذرت مبارك من تعيين نائب له وإلا فقد الرئاسة ولكن مبارك كان يعلن دائما أنه لم يجد الشخص المناسب الذى يختاره نائبا له.

وبتولى محمد مرسى السلطة عين المستشار محمود مكى نائبا للرئيس ولكنه لم يستمر فى المنصب أكثر من أربعة شهور استقال بعدها ليعين سفيرا لمصر فى الفاتيكان.

وخلال وجوده فى قصر الاتحادية نشرت أخبار لم تكذب عن تصرفات شخصية غير لائقة مثل استخدام ما يشاء من السيارات الرسمية وسداد فواتير طعامه فى الفنادق من ميزانية الرئاسة.

ولم تكن تصرفات الدكتور محمد البرادعى أفضل كثيرا.

فى 9 يوليو 2013 اختاره الرئيس المؤقت المستشار عدلى منصور نائبا للرئيس للعلاقات الخارجية ولكن رغم صعوبة تلك الفترة بسبب عمليات العنف الإخوانية المعارضة لثورة يونيو فإن البرادعى انشغل بمطالب شخصية وأصر عليها منها زيادة راتبه الشهرى وتجهيز طائرة خاصة لسفرياته وتخصيص استراحة رئاسية بالقرب من القصر الجمهورى وزيادة عدد مساعديه.

ولكن الأهم أنه كان مضطربا فى مناقشة كثير من القضايا الحساسة وكان يرفض ما سبق أن وافق عليه وينكر ما سبق أن عرض عليه.

وبعد نحو الشهر فقط قدم استقالته وخرج من مصر مكتفيا بتغريداته السياسية على تويتر.

وفى التعديلات الدستورية الأخيرة استرد منصب نائب الرئيس أهميته ليحل محل الرئيس إذا قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس الجمهورية لسلطاته حسب ما أضيف للمادة (160) التى كانت تمنح تلك السلطة لرئيس الوزراء وحده.