عادل حمودة يكتب: انقلاب في البيت الأبيض

مقالات الرأي



مستشارو ترامب يسرقون مسودة قراراته قبل توقيعها حماية للأمن القومى

تصور بسذاجة أن طبع النقود يعالج العجز فى الموازنة 

لا يطيق قراءة التقارير ويقضى ساعات طويلة فى مشاهدة التليفزيون ويتصور نفسه ملهما من السماء

فى موسكو أصر على أن تبول العاهرات على السرير الذى نام عليه أوباما وزوجته!

ما فعله بالولايات المتحدة حرّض سيناتور ديمقراطى على إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية مبكرا

مغرور مثل ديك رومى.. يتصور أن التاريخ يقف على بابه ينتظر توقيعه.. يجهل أصول الحكم.. لا يفرق بين السياسة والصرافة.. يعجز عن اتخاذ قرار.. رأيه من رأسه.. يتصور نفسه ملهما من السماء.. يكره الخبرة.. يستمد ثقافته من التليفزيون.. لا يفرق بين المستشار والسمسار.. لم يتخلص من عقلية المقاول بعد أن كسب الجائزة الكبرى فى بنك الحظ وأصبح رئيسا للدولة العظمى فى العالم.

أكثر من كتاب تخصص فى كشف فضائح ترامب الجنسية.. شغلت الناس بعاهراته.. وعشيقاته.. وتسجيلاته البذيئة.. دون أن تحذر ــ مثل أفلام البورنو ــ أنها للبالغين فقط.

لم توضع علامة حمراء على قصة وجود ترامب فى فندق ريتز كارلتون موسكو عام 2013 مع عاهرات طلب من بعضهن ما يوصف بـ الاستحمام الذهبى وهو التبول على السرير الذى نام عليه مرة الرئيس أوباما وزوجته ميشيل وصورت المخابرات الروسية المشهد غير مصدقة ما ترى.

وفى المناظرة الأولى بينه وبين هيلارى كلينتون فى فندق فورسيزونز سانت لويس قرر ترامب أن يجلس على مائدته أربع نساء ادعين أن بيل كلينتون تحرش بهن جنسيا قائلا: أنا تلفظت بكلمات ولكن كلينتون قام بأفعال جعلت تاريخ أمتنا السياسى لم يعرف سفيها ومخلا بالآداب مثله.

وفى حمى نشر فضائح المومسات مع الرؤساء خرجت صحيفة محافظة مثل واشنطن بوست عن وقارها ونشرت تسجيلا سوقيا لترامب جعل الرأى العام ينسى قضية تدخل الروس فى الانتخابات الرئاسية لبعض الوقت.

لكن.. فى نوبة استيقاظ ــ صاحبت إعلان السيناتور الديمقراطى كورى بوكر ترشحه فى الانتخابات الرئاسية القادمة ــ سعت مجموعة أكاديمية ــ جمعت باحثيها من عشر دول أوروبية تتأثر بالتصرفات الأمريكية ــ إلى رسم صورة دقيقة لعقلية ترامب السياسية ــ العبثية العشوائية ــ حتى تحذر حكومات العالم من تكرار نموذجها بكل ما فيه من أخطاء وخطايا.

إن أفضل من يعلمنا الأداب شخص قليل الأدب بأن نتصرف عكس ما يتصرف.

افتقر ترامب أبسط مفاهيم الاقتصاد.. عندما عرف أن لجوء الحكومة الفيدرالية إلى الاقتراض سيزيد العجز فى ميزانية البلاد قال لمستشاره المالى جارى كوهين: أدر المطابع فحسب أطبع النقود دون أن يفهم أن كمية النقود تحددها متانة الاقتصاد وإلا فقدت قيمتها وأشعلت نار التضخم.

وعندما عرف أن سعر الفائدة على الدولار سيزيد قال ترامب: يجب علينا أن نقترض الكثير من المال فى الوقت الراهن نحتفظ به ثم نبيعه ونجنى ربحا دون أن يدرك أن لجوء الحكومة الفيدرالية إلى الاقتراض من خلال إصدار السندات يؤدى إلى زيادة فى عجز الولايات المتحدة.

وتصور ترامب أن زيادة الضرائب تزيد من إيرادات الدولة فتحمس إلى رفعها على الشركات (من 35 إلى 40 فى المائة) دون أن يدرك أن الضرائب المرتفعة تجعل الشركات تنتقل إلى دول أخرى تنخفض فيها الضرائب.

وسمع ترامب من جارى كوهين الذى كان رئيسا لمؤسسة جولدمان ساكس (الإمبراطورية المالية التى تحكم العالم): إن مؤسسته نقلت المراكز الرئيسية لمئات من الشركات الأمريكية (خاصة شركات الأدوية والتأمين) إلى بلاد متدنية الضرائب مثل أيرلندا وبرمودا لتحقق أرباحاً إضافية تزيد على (20 %) بمجرد تغيير مقرها.

واستطرد: إن زيادة الضرائب تخفض من مستوى معيشة الناس.. كمية النقود تقل فى أيديهم فلا يستطيعون شراء المزيد من السلع والخدمات.. كما أنهم يقترضون ولا يدخرون.. ونقص الادخار يؤدى إلى العجز فى الاستثمار.. بجانب أن نقص الطلب على السلع والخدمات ينتهى بإفلاس كثير من الشركات والمؤسسات فلا تجد مفرا من تسريح عمالها وموظفيها لتلقى بهم فى بالوعة البطالة.. وتجبر الدولة على زيادة الإعانات الاجتماعية التى تقدم إليهم.. ليزيد عجز الموازنة الذى يضاعف من الخلل فى الاقتصاد القومى.

إن تحديد أسعار الضرائب يحتاج إلى ميزان الذهب لوضع الجرعة الدقيقة من السم الشافى فى الدواء وإلا انتحرت الأمة انتحارا جماعيا.

ورغم أن ترامب لم يفهم ما شرحه كوهين فإنه عينه رئيسا للمجلس الاقتصادى القومى قائلا: على الأقل ستستفيد الشركات والفنادق وملاعب الجولف وكازينوهات القمار التى أمتلكها من تخفيض الضرائب التى يقترحها كوهين رغم أنه ينتمى إلى الحزب الديمقراطى الذى أكرهه ولا أطيق سماع اسمه.

حسب وصف كثير من رجال ترامب فإنه لا يحب من يتحدث إليه بلغة متخصصة.. ويكره الأساتذة والمثقفين.. ولم يلتزم منهجا دراسيا.. ولم يدون ملاحظة.. ولم يحضر محاضرة.. وفى الليلة التى تسبق الامتحانات النهائية يعود بعد منتصف الليل ويصنع قدرا من القهوة ويقلب فى الكتب ويحفظ منها ما يستطيع ليحصل فى النهاية على درجة مقبول.. وهو أمر جيد بما يكفى لمقاول لم يكن فى نيته أن يصبح رئيسا.

وحسب بوب وود ورد فى كتاب الخوف فإن ترامب اختلف مع كل علماء الاقتصاد تقريبا.. فى يونيو 2016 كان فى مهرجان انتخابى عقده فى مخزن بنسلفانيا للخردة المعدنية.. تحدث عن خسارة الوظائف فى الصناعة ووصفها بكارثة تسبب فيها السياسيون.. العولمة التى طبقوها أغلقت المصانع فى الولايات المتحدة وفتحوها فى المكسيك والصين.

فشل جارى كوهين فى إقناع ترامب بأن ما يزيد عن 84 % من الناتج المحلى الأمريكى يأتى من قطاع الخدمات.. قبل 30 سنة فى نيويورك ــ مثلا ــ كانت محلات بيع الملابس والأدوات المنزلية والأجهزة المنزلية تسيطر على الشوارع الرئيسية.. الآن ستجد مكانها مقاهى ستاربكس وصالونات التجميل ومراكز التنظيف الجاف والمطاعم.. وكلها أعمال خدماتية.

وسأل كوهين: من هو أهم المستأجرين فى برجك؟ أجاب ترامب: بنك صينى وستاربكس وثلاثة مطاعم.

قال كوهين: بالضبط فالمساحة الأكبر هذه الأيام للخدمات وليست للناس الذين يبيعون الأحذية والأقمشة.. هذه أمريكا الآن.. فإذا كان اقتصادنا يتألف مما يزيد على 80 % من الخدمات ومنتجات التكنولوجيا العالية وأنفقنا أموالا أقل على السلع الرخيصة المستوردة فسوف يكون تحت تصرفنا دخلا أكبر يمكننا إنفاقه على الخدمات بما يزيد من ازدهار الاقتصاد.

ولكن ترامب لم يستوعب هذه الرؤية الواقعية المتطورة فاستدرجه كوهين إلى الدبابة مع فريقه الأساسى للأمن القومى لمناقشة العلاقات الاستراتيجية فى العالم.

والدبابة كناية عن غرفة آمنة فى البنتاجون خالية من النوافذ يجتمع فيها رؤساء الأركان المشتركة تساعد المجتمعين فيها على التركيز بعيدا عن الميديا.

وتعرف الدبابة أيضا بالغرفة الذهبية بسبب لون ستائرها وسجادها وهى شديدة الحراسة وتختزن عقودا من التاريخ.

ملأت الخرائط التى تصور الالتزامات الأمريكية فى مختلف أنحاء العالم ــ من انتشار عسكرى وجنود وأسلحة نووية ومراكز دبلوماسية وموانئ وقواعد استخبارية ومعاهدات واتفاقات تجارية ــ شاشتى عرض كبيرتين.. وعرف ترامب لأول مرة كيف تسيطر الولايات المتحدة على الدنيا مما سمح لها ببيع أسلحة قيمتها 76 مليار دولار فى عام 2017 فقط.

ولكن ترامب لم يستوعب ذلك وأصر على أن فرض رسوم حماية على السلع المستوردة من الدول التى يسجل ميزانها التجارى فائضا مع الولايات المتحدة ولو كان المقابل تعريض الأمن القومى الأمريكى للخطر.

فى خمسينيات القرن الماضى وقعت الولايات المتحدة اتفاقية كوربوس مع كوريا الجنوبية نشرت بمقتضاها الولايات المتحدة قوات عسكرية تعدادها 28500 جندى يعملون على برامج سرية عالية التكنولوجيا وبالغة الحساسية تتيح فك تشفير معلومات استخبارية معقدة كما تتيح قدرات عسكرية متطورة تحمى الولايات المتحدة من صواريخ كوريا الشمالية الباليستية التى يمكنها حمل رؤوس نووية قد تصل إلى كاليفورنيا فى 28 دقيقة لتدمرها.

نجحت البرامج العسكرية الأمريكية فى كوريا الجنوبية فى رصد إطلاق صاروخ باليستى عابر للقارات من كوريا الشمالية خلال سبع ثوان وأبلغت قاعدة الألسكا به لتستعد لملاقاته وتدميره دون خسائر بشرية أو معمارية.

إن هذا البرنامج هو الأكثر أهمية وسرية للحكومة الأمريكية ولا يمكن حماية الأمن القومى الأمريكى بدونه.. ولكن ترامب لم يشغله ذلك.. وكان كل همه توفير 3.5 مليار دولار تنفقها القوات الأمريكية فى كوريا الجنوبية سنويا.

بل أكثر من ذلك لم يستوعب الأهمية الاستراتيجية لكوريا الجنوبية فى حماية الأمن القومى الأمريكى وقرر إلغاء اتفاقية التجارة الحرة (كوربوس) بدعوى أنها لا تحقق مصلحة تجارية للولايات المتحدة.

وكتبت مذكرة الإلغاء فى 5 سبتمبر 2017 لترسل إلى رئيس كوريا الجنوبية مون جى إن ولكن جارى كوهين ــ بمساعدة بوب بورتر منظم أعمال الرئيس المكتبية ــ سرقها وأخفاها فلم ترسل ولم توقع وسرعان ما نسيها ترامب منشغلا بكتابة تغريدات ضد الصحفيين ومقدمى البرامج التليفزيونية الذين ينتقدونه.

حسب بوب وود ورد: لم يكن ذلك أقل من انقلاب إدارى وتقويض لصلاحيات الرئيس الأمريكى وسلطته الدستورية.

ولكن كوهين برر ذلك قائلا: لم يكن إخفاء الوثيقة أحد الأعمال التى قمنا بها من أجل بلادنا بل كان أحد الأعمال التى منعنا ترامب من القيام بها.

وقال بورتر: كان ثلث عملى يتلخص فى محاولة التصدى لأفكار ترامب الخطرة حقا وتوفير الأسباب التى تجعله يصدق أنها ليست أفكارا جيدة.

ويضيف: عمدنا إلى إبطاء سير الأشياء أو عدم إيصالها إليه بدعوى أنها تحتاج تدقيقًا أو بدعوى أن ليس لدينا التخويل القانونى وكنا فى كل الأحوال نمشى على حافة الهاوية.

إن ترامب لم يستوعب أن مهمة الرئيس الأولى الحفاظ على أمن بلاده ولكن عقلية المقاول ــ الانفعالية الزئبقية المتقلبة ــ التى تسيطر على ترامب جعلته يهتم بتوفير النفقات ولو أدى ذلك إلى تدمير الأرض من تحته.