باريس العاصمة المفضلة لـ"الموساد"

ماكرون ونتنياهو
ماكرون ونتنياهو
مراكز إدارة عمليات اغتيال قادة الفلسطينيين فى فندق بقلب "عاصمة النور"


كشفت صحيفة لوموند الفرنسية، أن وكالة التجسس الإسرائيلية أنشأت غرفة عمليات خاصة فى باريس لإدارة عملية اغتيال محمود المبحوح المسئول عن حركة حماس فى إمارة دبى، وذلك ضمن عمليات استخباراتية أخرى، ويشكو مسئول المخابرات الفرنسية من أن أيديهم مقيدة فى مواجهة الموساد. ضمن سلسلة من المقالات حول عالم التجسس الدولى، نشرت لوموند، تحقيقاً هذا الأسبوع حول، تحول باريس إلى مركز لعمليات الموساد، ويستشهد المقال الذى يحمل عنوان «ظل الموساد يحوم فوق باريس»، بمسئولين كبار فى الاستخبارات الفرنسية، حيث قال أحدهم إن العاصمة الفرنسية أصبحت ملعباً لعملاء الموساد، بينما قدرة الضباط الفرنسيين على مواجهة هذه الأنشطة الإسرائيلية السرية، محدودة، لأن عملاء الموساد يسارعون إلى إعلان أنهم دبلوماسيون ويشكون إلى رئيس الوزراء الفرنسى ومكتب الرئيس. وقال: «إن أيدى فرنسا مقيدة لأنها تعتمد على إسرائيل فى العديد من القضايا الحساسة»، كما أن قدرات الفرنسيين محدودة فى منع بعض العناصر فى المجتمع اليهودى فى فرنسا من مساعدة الموساد سواء بالتخطيط أو اللوجستيات.


1- إدارة اغتيال المبحوح من غرفة بفندق بالعاصمة

إحدى العمليات التى قال مسئولو الاستخبارات الفرنسية، إن الموساد أدارها من باريس كانت اغتيال محمود المبحوح، المسئول الكبير فى حركة حماس فى دبى، وهى الجريمة التى لم تنفها أو تؤكدها إسرائيل، ووفقا لصحيفة لوموند، أنشأ الموساد غرفة عمليات مؤقتة مجهزة بأجهزة كمبيوتر وهواتف آمنة فى غرفة فندق فى حى بيرسى فى باريس قرب وزارة المالية الفرنسية ومبان حكومية أخرى.

وكانت وسائل الإعلام الأجنبية تعتقد أن العملية تمت إدارتها من النمسا أو موقع أوروبى آخر، لكن جريدة لوموند تؤكد أن مركز السيطرة والقيادة الإسرائيلى كان فى قلب باريس. تسببت عملية اغتيال المبحوح 2010 فى غضب دولى وأزمة دبلوماسية مع بريطانيا حول استخدام عملاء الموساد جوازات سفر مزيفة من خمس دول أوروبية على الأقل، بالإضافة لـ4 جوازات سفر فرنسية مزورة و13 جواز سفر بريطانى. وكان رد فعل الدول الغربية كبيراً وعنيفاً، على سبيل المثال، فى مارس 2010، طرد وزير الخارجية البريطانى الأسبق ديفيد ميليباند دبلوماسى إسرائيلى من لندن، وطردت أستراليا عميلاً للموساد كان يعمل فى السفارة الإسرائيلية فى مايو 2010.

على عكس من الدول الأخرى، لم تدن فرنسا بشكل علنى مناورة السلطات الإسرائيلية، وفضلت إرسال اثنين من مديرى الاستخبارات على الفور للقاء مدير الموساد حينها مائير داغان، حول استخدام جوازات السفر الفرنسية المزورة، حيث سافر إلى تل أبيب كل من باتريك كالفار الذى كان يشغل منصب مدير الاستخبارات فى الإدارة العامة للأمن الخارجى، وفريدريك فيو، الرجل الثانى فى الإدارة المركزية للمخابرات الداخلية. وبحسب لوموند، فإن الفرنسيين كانوا قلقين من أن حماس ستشك فى أن فرنسا شاركت فى عملية الاغتيال، وقال داغان للمسئولين الإسرائيليين: «سنبقى أصدقاء، ولكن سيكون هناك ثمن مقابل ذلك». ويعتقد أن الثمن كان وقفًا لتبادل المعلومات بين الاستخبارات الإسرائيلية والفرنسية.

وبالإضافة إلى اغتيال المبحوح، يتناول المقال العديد من العمليات الأخرى للموساد وعناصر إسرائيلية أخرى على الأراضى الفرنسية، بما فى ذلك: محاولة إسرائيلية فرنسية مشتركة لتجنيد عميل سورى حاول شراء أسلحة كيميائية، ومحاولة إسرائيل للتنصت على المكالمات الهاتفية للاتحاد الأوروبى فى بروكسل، ومحاولة الموساد لتجنيد عملاء المخابرات الفرنسية كعملاء مزدوجين خلال عملية مشتركة فى عام 2010، ونتيجة لهذا الحادث اضطر رئيس جهاز الموساد فى باريس وموظف آخر فى سفارة إسرائيل لمغادرة فرنسا.


2- شركة استخبارات يديرها ضباط سابقون بالموساد

كما يلقى تحقيق جريدة لوموند، الضوء على عمليات شركة بلاك كيوب، والتى يوجد مكاتب لها فى ساحة فاندوم بباريس، حيث تأسست الشركة عام 2010 من قبل ضباط المخابرات الإسرائيلية السابقين دان زوريلا وآفى يانز، وتضم بين موظفيها أعضاء سابقين فى وحدات الاستخبارات الإسرائيلية، بما فى ذلك أمان والموساد والشين بيت، بالإضافة إلى خبراء قانونيين وماليين. وتقدم الشركة خدمات الاستخبارات وجمع الأدلة والاستشارات فى القضايا القانونية والجنائية، وأسفرت تكتيكات الشركة عن عدد من الخلافات الدولية، وفى إبريل 2016، تم القبض على اثنين من موظفيها فى بوخارست للاشتباه فى قيامهما بالتجسس، والتنصت الإلكترونى، والمضايقة الإلكترونية للمدعى العام فى مديرية مكافحة الفساد الوطنية الرومانية، لورا كودروفا كوفيسى ومقربين منها، وتمت إدانة الموظفين بتهمة القرصنة والمضايقة، وبعد الحكم، توصلت الشركة لتفاهم مع السلطات الرومانية وتم الإفراج عن الموظفين وعادوا إلى إسرائيل. الصحيفة الفرنسية أوضحت أن الموساد - مثل العديد من وكالات الاستخبارات الأجنبية الأخرى بما فيها وكالة المخابرات المركزية - حول باريس لمركز عملياته، لأن العاصمة الفرنسية تستضيف العديد من المؤتمرات الدولية كما يزورها بشكل متكرر قادة أفارقة، كما يعيش فى المدينة كثير من الأجانب، كما أن باريس تكرس معظم أنشطتها التجسسية لمحاربة الإرهاب، لذا ليس لديها ما يكفى من القوة البشرية لمكافحة التجسس.


3- تاريخ طويل من العمليات

يعود تمركز عمليات الموساد فى باريس إلى زمن بعيد، وكان أولها اغتيال محمود همشرى، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية، فى ديسمبر عام 1972، بباريس باستخدام عميل تظاهر بأنه صحفى إيطالى، حيث استدرج عملاء الموساد همشرى من شقته لزرع قنبلة تحت هاتفه، ثم اتصل العميل الذى تقمص شخصية الصحفى بشقة همشرى وسأل عما إذا كان يتحدث مع همشرى، وعندما أكد له الأخير أنه بالفعل همشرى، تم إرسال إشارة التفجير حيث أصيب همشرى بجروح قاتلة، لكنه استطاع رغم ذلك إخبار المحققين بما حدث، قبل أن يتوفى بعدة أسابيع.

تم اغتيال همشرى كجزء من «عملية غضب الله»، وهى عملية دولية طويلة الأمد لاغتيال الفلسطينيين الذين شاركوا فى عملية الأولمبياد فى ميونيخ عام 1972 والتى قتل فيها 11 عضوا فى الفريق الأوليمبى الإسرائيلى على يد المنظمة الفلسطينية «أيلول الأسود».

ومن أشهر العمليات الإسرائيلية فى باريس عملية أوبرا، كان الموساد يريد الحصول على معلومات حساسة للغاية حول مفاعل أوزيراك النووى العراقى بتجنيد عالم نووى عراقى فى فرنسا، وقصف العديد من الشركات الفرنسية التى يشتبه فى أنها تعمل فى المشروع - بما فى ذلك زرع جهاز حارق دمر المجموعة الأولى من الهياكل الأساسية للمفاعل التى كانت فى انتظار الشحن إلى العراق - وإرسال رسائل تهديد إلى كبار المسئولين والفنيين المشاركين فى المشروع.

ومن المعروف، أن العالم النووى المصرى يحيى المشد، الذى ترأس المشروع العراقى، تعرض للقتل فى غرفة فندق فى باريس، ولم يتم الكشف بعد، عن التفاصيل الدقيقة لمقتله، لكن من المعروف أن جمجمته كانت مكسورة وأن الغرفة تعرضت للتخريب.