موقعة الجسر.. الهزيمة الوحيدة للمسلمين في فتح "بلاد فارس".. اليكم قصتها !

إسلاميات

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


بعد أن انتصر القائد المسلم أبو عبيد الثقفي بجيشه الصغير على جيش الفرس في ثلاث معارك هي (النمارق-  السقاطية – باقسياثا) عقد رستم قائد الفرس اجتماعًا موسعا في المدائن العاصمة واختار واحدا من أمهر القادة لقتال المسلمين وهو “بهمن جاذويه”، وكان من أشد القادة حقدًا على المسلمين والعرب، ثم اختار رستم بنفسه أمراء الجند وأبطال الفرسان وزودوه ولأول مرة بسلاح المدرعات الفارسي وهو الأفيال، وليضفي رستم أهمية خاصة على هذا اللقاء أعطى لهذا الجيش راية الفرس العظمى واسمها “دارفن كابيان”.

 وعلى الجانب الآخر نقلت استخبارات القائد أبي عبيد تفاصيل ما دار في المدائن وأخبار الجيش الفارسي فسارع أبو عبيد وعبر بجيشه نهر الفرات نحو الغرب حتى وصل بابل جنوب المدائن، وكانت تلك المنطقة صالحة للقتال، ولكن أبا عبيد رأى أن يعبر الفرات مرة أخرى ناحية الحيرة، وعسكر على مقربة من نهر الفرات على أطراف الصحراء.

وبقيادة بهمن جاذويه نزل الفرس على الشاطئ الشرقي لنهر الفرات المقابل، ثم أرسل بهمن رسالة ماكرة كان فحواها: “إما أن تعبروا إلينا وندعكم تعبرون، وإما أن تدعونا ونعبر إليكم”. فتشاور أبو عبيد مع قادة جيشه فأجمع قادة الجيش على ترك الفرس يعبرون لهم؛ لأن أرض المعركة ستكون أوسع للمسلمين، وسيسهل قدوم الإمدادات للمسلمين لأن عبور المسلمين للفرس سيحشرهم في مكان ضيق ومن ورائهم نهر الفرات.

ولكن أبا عبيد القائد العام يفاجئ الجميع بالإصرار على العبور إلى الفرس، وقال: “لا يكونون أجرأ منا على الموت”، وهذا رأي مبني على الشجاعة وليس الاستراتيجية.

ثم أمر أبو عبيد بعقد جسر يمر عليه المسلمون للطرف الشرقي من النهر، وكلف أبو عبيد رجلًا معاهدًا في ذمة المسلمين اسمه “ابن صولبا”، وبالفعل أقام “ابن صولبا” الجسر ولكن بصورة سيئة يجعل من السهل قطعه على مجموعة صغيرة من الرجال؛ ولعله فعل ذلك عمدًا ليقع المسلمون في الكماشة القاتلة، وبدأ المسلمون في العبور إلى الفرس، فوجد أبو عبيد جي

شه محصورًا في مكان ضيق يكون فيه نهر الفرات وفروعه تحيط بالمسلمين من الخلف واليمين واليسار.

وهجم الفرس بكل قواتهم خاصة سلاح الأفيال على المسلمين، ولم تكن خيل المسلمين قد رأت الأفيال من قبل فهربت في كل مكان، وبذلك تعطل أقوى أسلحة المسلمين وهو سلاح الفرسان وأوقعت الأفيال خسائر بالغة بهم.

وعندها قرر القائد العام أبو عبيد الثقفي القيام بعمل فدائي وسأل عن مقتل الفيل، فقالوا له: “خرطومه”، فأمر من المسلمين في حال قتله أن يتولى قيادة الجيش أخوه الحكم فإن قتل فولده وهب ثم عد سبعة من القادة آخرهم المثنى بن حارثة.

ولم يستطع أبو عبيد قتل الفيل الأبيض واستشهد تحت أقدامه وقاتل المسلمون على جثته حتى لا يأخذها الفرس، وقتل بعده أخوه الحكم ثم ولده حتى استشهد السبعة الذين عينهم أبو عبيد، وتسلم الراية أسد العراق المثنى بن حارثة الذي حاول تصحيح الوضع.

وبينما المثنى ينظم صفوف جيشه ويدعو الفارين للثبات إذ سارع رجل متهور من بني ثقيف واسمه “عبد الله بن مرثد الثقفي” إلى الجسر فقطعه وتعصب مجموعة من بني ثقيف لفعلته ونادوا في المسلمين “موتوا على ما مات عليه أمراؤكم”، وفرح الفرس بهذه الفعلة وركزوا هجومهم على المسلمين وعلى ناحية الجسر المقطوع حتى لا يصلحه أحد.

أسرع المثنى لما رأى هذه الكارثة المروعة بالمسلمين واختار كتيبة من الأبطال بقيادته لإصلاح الجسر المنهار وكان المتهور عبد الله بن مرثد الثقفي قد وقف عند الجسر ليمنع المسلمين من  الفرار فألقى المثنى عليه القبض وضربه وربطه على فعلته فاعتذر له ابن مرثد فإنه أراد أن يثير حمية المسلمين للقتال، وفي شبه معجزة استطاع المثنى ومن معه إصلاح الجسر.

وبالفعل استطاع ستة آلاف أن يعبروا الجسر للضفة الأخرى، وبعد أن كمل الانسحاب ولم يبق مسلم في مكان المعركة كان آخر من انسحب القائد المثنى بن حارثة فانسحب ووجهه نحو الفرس يقتلهم وظهره للمسلمين وقد أصيب إصابة بالغة أدت لوفاته بعد ذلك بشهرين.

ولم يتعقب قائد الفرس بهمن جاذويه المسلمين؛ لأن أخبارًا وصلت إليه عن نشوب ثورة ضد رستم أمير الجيوش، فآثر العودة إلى المدائن العاصمة حتى يكون قريبًا من الأحداث.

وقد جرت معركة الجسر في “23 شعبان 13هـ/ 22 أكتوبر 634م”، وكان انتصار الفرس واضحًا، على الرغم من تكبدهم ستة آلاف قتيل، وانتهت هذه المعركة باستشهاد أربعة آلاف شهيد، منهم الأمراء السبعة وثلاثمائة رجل من قبيلة ثقيف وحدها، لذلك فإن وقعها كان شديدًا على نفوس المسلمين.