وثائق سرية تكشف محاولة أمريكية لإبقاء تركيا خارج قبرص

عربي ودولي

إبقاء تركيا خارج
إبقاء تركيا خارج قبرص - أرشيفية


كشفت وثائق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي أيه) أن الولايات المتحدة عملت على إبقاء تركيا خارج قبرص غداة الانقلاب العسكري على رئيس الجزيرة، قبيل عملية السلام - التدخل العسكري - التي أطلقتها أنقرة عام 1974.

                              

الوثائق، التي رُفعت عنها السرية بموجب قانون حرية المعلومات، أظهرت أولويات واشنطن خلال التطورات التي شهدتها الجزيرة، عقب الانقلاب العسكري، الذي نفذه زعيم منظمة "إيوكا" الإرهابية، نيكوس سامبسون، على الرئيس القبرصي، مكاريوس الثالث، في 15 يوليو 1974، بهدف إلحاق الجزيرة باليونان.

 

ومن أبرز تلك الوثائق، البالغ عدد صفحاتها نحو 12 مليون صفحة، وثيقة تحمل ختم "سري للغاية"، بتاريخ 16 يوليو 1974، جاء فيها أن "مجموعة العمل الخاصة بواشنطن عقدت اجتماعا في اليوم التالي من انقلاب سامبسون في قبرص، بمشاركة مدير سي آي أيه، وليام كولبي، ومسؤولين بوزارة الدفاع الأمريكية ومؤسسات أخرى، برئاسة وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر".

 

جلسة للبرلمان التركي

وفق الوثائق الأمريكية، عمل كيسنجر على تحديد السياسات التي ستتبعها واشنطن فيما يخص قبرص، بعد الإطلاع على آراء المشاركين في الاجتماع.

 

وآنذاك، وبناء على سؤال طرحه كيسنجر بشأن ما تعنيه جلسة خاصة سيعقدها البرلمان التركي، في 18 يوليو/ تموز 1974، أجاب مدير "سي آي أيه" بأن "تركيا تنوي إرسال قواتها إلى قبرص".

 

فرد كيسنجر قائلا: "لا يمكنني تصديق ذلك، لا يمكنني تصديق أنهم يرغبون برؤية مكاريوس في الحكم ثانية".

 

عندها، طلب جوزيف سيسكو، مساعد كسينجر، الحديث فقال إن "التدخل العسكري التركي سيحمل غايتين اثنتين، هما حماية المجتمع التركي في الجزيرة، ومنع السياسة (...) الرامية إلى إلحاق الجزيرة باليونان".

 

وهنا قاطع كيسنجر مساعده بقوله: "لا يمكن لعقل أو منطق استيعاب أنهم (الأتراك) سيدعمون مكاريوس".

 

 

 

** هدفان لواشنطن

في ختام الاجتماع، قال وزير الخارجية الأمريكي آنذاك إن "واشنطن لديها هدفين، هما الحيلولة دون تدويل الوضع في قبرص، والاستعداد ضد (احتمال) اكتساب الشيوعيين الشجاعة لاستغلال الوضع في حال نشوب حرب في الجزيرة".

 

ولتحقيق هذين الهدفين، وفق كسينجر، فإن "أول ما ينبغي علينا فعله هو فصل اليونان (عن قبرص).. ينبغي علينا القيام بذلك اليوم، بالإضافة إلى ذلك، يجب إبقاء الأتراك خارج هذا الأمر".

 

كما شدد على أن واشنطن لن تعترف بشرعية "الانقلابي سامبسون"، الذي وصفه بـ"الدمية"، قبل أن يسأل "ما هو الوضع الميداني في الجزيرة، يجب أن نعرف ذلك على وجه الخصوص، ثم نقرر من ندعم".

 

بعدها، توجه إلى المجتمعين مطالباً بالتركيز على أنقرة وأثينا، ومشدداً على ضرورة معرفة ما تريده تركيا.

 

أما آخر جملة قالها كسينجر، خلال الاجتماع، فكانت "يجب أن نبقي الأتراك والسوفييت خارج الأمر، وعلينا أن نشاهد كيف تطور الوضع الداخلي لقبرص".

 

فيما أظهرت وثائق أخرى للمخابرات الأمريكية، محاولة كيسنجر وكولبي "منع أو تأخير" التدخل العسكري التركي المحتمل في قبراص.

 

وخلال اجتماع آخر، استفسر كيسنجر عن المدة التي قد يستغرقها إرسال فوج الإنزال الجوي الأمريكي إن اقتضت الحاجة.

 

** سياسة اليونان

في عام 1950 أعلنت اليونان عن "حق" الروم في تقرير مصير الجزيرة، تمهيداً لضمها إليها، ونقلت الملف القبرصي إلى الأمم المتحدة، لتبدأ بعدها أعمال عنف ضد القبارصة الأتراك من أبناء الجزيرة.

 

واتخذت أعمال العنف شكلا منظماً بعد تأسيس الجنرال اليوناني، جورجيوس غريفاس، منظمة إرهابية عام 1955، عُرفت باسم "تنظيم النضال الوطني القبرصي (إيوكا).

وفي منتصف يوليو 1974، نفذ نيكولاس سامبسون انقلابا عسكريا على الرئيس مكاريوس الثالث، بهدف ضم الجزيرة إلى اليونان.

 

وعقب الانقلاب العسكري، ارتفعت وتيرة أعمال العنف ضد أتراك قبرص، ما دفع تركيا إلى الطلب من بريطانيا - البلد المستعمر للجزيرة - التدخل لوقف العنف؛ استنادا إلى "اتفاقية غارانتي" (الضمان)؛ التي أبرمت بين تركيا وبريطانيا في مدينة زيورخ السويسرية عام 1959، لكن لندن تنصلت من الالتزام بواجباتها ومسؤولياتها تجاه قبرص.

 

وفي 20 يوليو 1974، أعلنت تركيا شن عملية باسم "عملية السلام العسكرية"، لتأمين أرواح ومملتكات القبارصة الأتراك؛ التي باتت على المحك، وانتهت تلك العملية، بعد يومين، بإعلان وقف إطلاق النار.

 

لكن في 14 أغسطس من العام نفسه، أطلق الجيش التركي عملية عسكرية ثانية في قبرص، نجحت في تحقيق أهدافها، حيث جرى إبرام اتفاقية لتبادل الأسرى بين الجانبين، وتأسيس "دولة قبرص التركية الاتحادية"، في الشطر الشمالي من الجزيرة، قبل أن يتحول اسمها في 1983 إلى "جمهورية شمال قبرص التركية".

 

ومنذ عام 1974، تعاني قبرص من الانقسام بين شطرين، تركي في الشمال، ورومي في الجنوب، وفي استفتاء 2004، وافق القبارصة الأتراك على خطة للأمم المتحدة لتوحيد الجزيرة، لكن القبارصة الروم رفضوها.

 

وعقب لقائه زعيم قبرص الرومية، نيكوس أناستاسياديس، الخميس الماضي، أعلن رئيس جمهورية شمال قبرص التركية، مصطفى أقينجي، أن مفاوضات السلام القبرصية أصبحت في مرحلة "مصيرية وقريبة من الحل"، مضيفا أنه سيلتقي أناستاسياديس، بداية فبراير المقبل، لرسم خريطة المرحلة المقبلة.

 

وفي 19 يناير الجاري، اختتمت في سويسرا أعمال المؤتمر الدولي الخماسي، الخاص ببحث الأزمة القبرصية ومناقشة مسألتي الأمن والضمانات في الجزيرة، بمشاركة خبراء من جمهورية شمال قبرص التركية والشطر الرومي من الجزيرة، إضافة إلى خبراء من الدول الضامنة، وهي تركيا واليونان وبريطانيا.