فضائل شهر رمضان

إسلاميات

فضائل شهر رمضان
فضائل شهر رمضان


من نعم الله سبحانه وتعالى على عباده وفضله عليهم، أن جعل لهم مواسم ليغتنموها في العبادة والطّاعة، ليزدادوا قربا منه عز وجل، راجين بذلك رضوانه عنهم ورحمته لهم، فقد جعل لهم موسم الحج ليذكروه، فقال عزّ من قائل: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج:27-28]، فشرّع لهم سبحانه وتعالى ذكر اسمه، و التّقرب إليه بالعبادة من طواف ووقوف بعرفة ورجم للشيطان، فيفوزوا بخير الدنيا والآخرة، قال ابن كثير رحمه الله: قال ابن عباس: (ليشهدوا منافع لهم) قال: منافع الدّنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدّنيا فما يصيبون من منافع البُدن والرّبح والتّجارات1، وجعل لهم الله سبحانه موسم عيد الفطر والأضحى ليتقربوا إليه بالصلاة والنحر، قال جل شأنه: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) [الحج:37]، فجعل الله عز وجل عيد الأضحى لذكره سبحانه والتّقرب إليه بالتكبير والذّبح عبادة له وحده، وهي من أعظم العبادات التي لا تكون إلا له جل شأنه، قال الإمام السعدي رحمه الله: أي ليس المقصود منها ذبحها فقط. ولا ينال الله لحومها ولا دمائها شيء، لكونه الغني الحميد، وإنما يناله الإخلاص فيها، والإحتساب، والنّيّة الصالحة2.
قال عز وجل: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185]، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]، فشهر رمضان ككل المواسم شرعه الله سبحانه لعباده كي يكبروه كما قال (لتكبروا الله)، وشرعه لعلّهم يتّقوه ويطيعوه بترك المعاصي من الشهوات المهلكات كما جاء في تفسير الجلالين. إن شهر رمضان من أعظم هذه المواسم وأجلّها، لما له من فضائل كثيرة ومختلفة، قال عليه الصلاة والسلام: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت)3، فصوم رمضان من أركان الإسلام، فكفاه جلالا من شهر جُعل من أركان الإسلام التي بني عليها هذا الدّين العظيم، وهذه الشريعة المحمدية الطاهرة التي أتت بالكمال والجمال، قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المائدة: 3]، ومن فضائل رمضان أنه شهر تُغلق فيه أبواب جهنّم، وتفتح أبواب السماء وتسلسل الشياطين، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنّم، وسلسلت الشياطين)4، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا كان أول ليلة ممن رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار في كل ليلة)5، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات6، فتقل الخطايا بذلك وتتنزّل رحمة الله على عباده، ويستجيب سبحانه دعاء الداعين، وطلبات الطالبين، و في كل هذا  يتنافس المتنافسون، قال الرّسول صلى الله عليه وسلم: (أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه، فينزل الرّحمة، ويحطّ الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم الملائكة، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشّقي من حرم فيه رحمة الله)7 ، فلا يحرم من هذا الفضل العظيم إلا الشقي اللئيم، كيف لا وهو شهر من صامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)8، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، من صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)9.
لقد جعل الله أجر الصائم لرمضان أجرا كبيرا، ومن ذلك أنه سبحانه جعل للصائمين بابا في الجنة لا يدخل فيه إلا الصائمون، وجعل لهم ثوابا ما أكبره وما أحسنه، ومن شدة عظمه أنه نسبه المولى إليه وجعله من غير تقدير، ليزدادوا شوقا إلى هذا الأجر، فيكونوا من الصائمنين المحسنين الذين يكمل صومهم فلا يرفثون ولا يجهلون. قال عليه الصلاة والسلام: (إن في الجنة بابا يقال له الرّيان. يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخله معهم أحد غيرهم، يقال أين الصّائمون؟ فيدخلون منه. فإذا دخل آخرهم. أغلق فلم يدخل منه أحد)10، قال ابن حجر: مشتق من الريّ وهو مناسب لحال الصائمين، وسيأتي أن من دخله لم يظمأ أبدا. قال القرطبي اكتفى بذكر الريّ عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، قلت أو لكونه أشقّ على الصّائم من الجوع11، قال عليه الصلاة والسلام: (الصّيام جنّة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل، إني صائم -مرّتين- والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها)12، قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصّيام يثيب عليه بغير تقدير13، وقال الإمام النووي: (وأنا أجزي به) بيان لعظم فضله وكثر ثوابه، لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولّى بنفسه الجزاء اقتضى عظم قدر الجزاء وسعة العطاء14.
ومن فضائل هذا الشهر الكريم أنّه جُعلت فيه ليلة مباركة هي أفضل ليلة عند الله سبحانه وتعالى، وهي خير من ألف شهر، فيها أُنزل كتاب الله سبحانه، من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، قال الله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) [الدخان:3-5]، وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر]، قال الإمام السّعدي: وسُميت ليلة القدر لعظم قدرها وفضلها عند الله.......... فإنّ شأنها جليل وخطرها عظيم، (ليلة القدر خير من ألف شهر) أي: تعادل من فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها خير من العمل في ألف شهر خالية منها15، قال ابن كثير: (تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) أي: يكثر تنزُّل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزّلون مع تنزُّل البركة والرّحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيما له16، قال النّبي صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه17، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كلّه ولا يحرم خيرها إلا محروم)18.
لما كان شهر رمضان موسم طيب مبارك، وجب على كل مؤمن صادق أن يعمل بإخلاص وجد من أجل نيل الأجر العظيم والثواب الجزيل لهذا الموسم الفضيل، فيستحب للناس أن يكثروا من الجود والإفضال في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالسّلف الصالح من بعده، ولأنه شهر شريف قد اشتغل الناس فيه بصومهم عن طلب مكاسبهم، ويستحب للرّجل أن يتوسّع فيه على عياله ويحسن إلى ذوي أرحامه وجيرانه، ولا سيما في العشر الأواخر منه، ويستحب لمن أمكنه إفطار صائم أن يفطره، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أفطر صائما كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئا. وروت أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس من صائم أكل عنده مفطرون إلا صلّت عليه الملائكة ما دام القوم يأكلون)، ويختار له أن يقول (الصائم) إذا أفطر ما رواه عبد الله بن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: ذهب الظمأ وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، ويسأل الله لما قرّب إليه بمنّه وكرمه19. 
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه الطاهرين.


كتبه الشيخ أبو ذر القصراوي.