عادل حمودة يكتب: عملاء تحت عمائم 2

مقالات الرأي



محمد عبده إمام المجددين فى خدمة اليهودى الغامض والمندوب السامى البريطانى

■ الأمن يصف المحفل الماسونى الذى كونه بأنه جمعية من قطّاع الطرق
■ أعلن كراهيته للثورة العرابية وطبع مقالاته على حساب السلطات الفرنسية
■ رجل دين يبحث عن جهاز مخابرات يخدمه فلا يتردد فى ترك بريطانيا إلى روسيا ومنها إلى تركيا وإيران
■ نشر مع الأفغانى نظرية «حاربوا الإسلام بالإسلام» التى تسببت اليوم فى صراعات الشيعة والسنة


شغل السندباد طفولتى.. تمنيت أن أسافر مثله إلى بلاد تركب الأفيال.. أو تعيش فى ناطحات السحاب.. أو تصنع للحب مقاما.. أو تصر على الحياة البرية فى غابة.

سعيت إلى التحرر من الحدود الضيقة للمكان والزمان بحثا عن المتعة والخبرة والحكمة معا.

لكن.. عندما كبرت ــ وسافرت وتعلمت وجربت ــ اكتشفت أن السندباد حالة فكرية قبل أن يكون خريطة جغرافية.. حالة تخلص من قيود ضيقة خانقة وموروثة بلا مراجعة.. بحثا عن اقتحام ووثوب وإبحار نحو التغيير.

السندباد هو التمرد على المعلوم والمحدد والمستهلك حسب تفسير نزار قبانى.. هو السفر نحو المستقبل لا البقاء فى موانئ الماضى.

لكن.. السندباد الذى عرفناه هاجر من بلادنا بعد أن هددته أحزاب الجمود بالقتل.. رحل عنا بعد أن باعوا سفينته خردة فى مزاد علنى وفاء لضريبة الخروج عن المألوف وترميم بيته دون ترخيص من السلطات المعنية.

بل.. أكثر من ذلك.. جرى القضاء على أنصاره.. إما بالرصاص مثل فرج فودة.. أو بالتفريق بينه وبين زوجته مثل نصر حامد أبو زيد.. او بالسجن متهما بازدراء الأديان مثل إسلام بحيرى.

ولفت نظرى ونحن نواجه الضحية الأخيرة أن الذين دافعوا عنه فقدوا بحسن نية الذاكرة.. فقد اعتبروه امتدادا لجيل سابق من التنوير يصل فى عمقه إلى الشيخ محمد عبده.. ومعلمه جمال الدين الأفغانى.

ولا أنكر أننى كنت واحدا منهم حتى قرأت كتاب لعبة الشيطان للباحث الأمريكى روبرت دريفوس عن استخدام الشخصيات الإسلامية المؤثرة فى تنفيذ المخططات الاستعمارية التى ترسمها وتنفذها أجهزة مخابرات أوروبية وأمريكية وإسرائيلية.. وكان أقدم من تعاملت معهم فى التاريخ الحديث هما رائدا التجديد.. الأفغانى وعبده.

لقد فتح الكتاب شهيتى إلى مزيد من البحث فى رغبة ملحة لتشكيل ذاكرة جديدة تعيننا على مواجهة ما يدبر لنا الآن بنفس السلاح.. استخدام الدين فى تفجير الصراعات المختلفة.. وإعادة رسم خريطة المنطقة بأسرها.

يجب ألا نمشى عميانا وراء كل إمام دون مراجعة.. فكثير منهم ينتمون لما يوصف بالنبى الكذاب.

لقد أنشأ الأفغانى وعبده مجموعات مختلفة من الأتباع ضما بعدها ــ من باب الخداع ــ مسيحيين من سوريا مارسوا طقوسا سرية وجذبتهم رسائلهما المنادية باستعادة الماضى.. منها جمعية الشبيبة السورية.

فى ذلك الوقت ارتبط الرجلان بشخصية سياسية مثيرة للحيرة.. مصطفى رياض باشا.. رئيس وزراء مصر ثلاث مرات أولها فى عام 1879 وآخرها فى عام 1893.. وقد اختلف المؤرخون عليه.. البعض يرى أنه كان يهوديا من منطقة فى تركيا وينتمى إلى اسرة من المرابين ووازنى الذهب تعرف باسم الوزان وأن اسمه الحقيقى يعقوب بينما يرى آخرون أنه تركى مسلم.. نجل مسئول عن سك العملة.. أو الضرب خانة.

بواسطة رياض باشا عين محمد عبده مدرسا للتاريخ فى مدرسة دار العلوم (المتخصصة فى الدراسات الشرعية) واستاذا للغة والآداب فى منشأة تعليمية أخرى.. وبخروج رياض باشا من السلطة غادر الأفغانى وعبده مصر فى وقت وصلت فيه الحركة الوطنية إلى شدتها بانفجار ثورة القائمقام (عقيد) أحمد عرابى.. لكن.. تلك الثورة سحقت.. وأكمل الإنجليز احتلالهم لمصر ونفى زعيمها إلى سيلان.

ما يثير الدهشة أن محمد عبده كان يعارض المقاومة المسلحة للإنجليز وأدان استخدام القوة وسعى إلى حل وسط بين القوى الوطنية وخطط الإمبريالية البريطانية.. ويلخص مساعده وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا ذلك بقوله: إنه (محمد عبده) كان معارضا للثورة (العسكرية) ويكرهها ويعارض قادتها بالرغم من أنه كان القوة الروحية الموحية لها.

كان نموذجا إسلاميا محببا لواضعى الاستراتيجية الاستعمارية فى بريطانيا.. كانت معارضته هو والأفغانى للحركة الوطنية المصرية ودعمهما للمفهوم الضبابى للدولة الإسلامية يصب فى مصلحة الاحتلال الأجنبى والحكم الديكتاتورى.

لم يحصر الشيخان نفسيهما فى التنظير الدينى فقط وإنما اتهما بتنظيم جمعية إسلامية من الشباب وقطاع الطرق وهو تعبير أمنى قصد به مجموعة من أعضاء المحفل الماسونى الذين يصعب السيطرة عليهم.

وعند مغادرته مصر عمد الأفغانى الشيخ محمد عبده ليكون خليفته قائلا: إننى أتركه فيكم وكفى بعدى عالما لمصر.

نفى محمد عبده مؤقتا إلى قريته لكنه سرعان ما التحق به فى باريس ليعود منها ظافرا بالمساندة الكاملة من جانب ممثلى صاحبة الجلالة مسئولى الإمبراطورية المحتلة مصر.

فى باريس نشر الرجلان مجلة أسبوعية أطلقا عليها العروة الوثقى وبالرغم من أنه لم يصدر منها سوى 18 عددا فإن تأثيرها كان واضحا لكن غير الواضح بعد كيف كان تمويلها؟.

يقول إيلى قدورى (المستشرق البريطانى كاتب سيرة الأفغانى) إنها كانت تدعم سرا من الحكومة الفرنسية.

ولم تكن العروة الوثقى مجرد صحيفة فقط ولكنها كانت ايضا أداة لتنظيم سرى بنفس الاسم أسسه الأفغانى من مسلمين فى الهند وشمال إفريقيا وسوريا يهدف إلى وحدة المسلمين وإيقاظهم وتعريفهم بالأخطار التى تواجههم.. لكن.. كان هناك هدف خفى.. إبعادهم ايضا عن الحركة الوطنية المضادة للاستعمار المحتل لبلادهم.

وينسب للأفغانى أنه اسس جمعية إسلامية شمولية فى مكة تهدف الوصول إلى خليفة واحد يقود العالم الإسلامى كله.. لكن.. من غير الواضح هل كان ذلك بمبادرة شخصية أم بالتعاون مع لندن أو باريس وبتحريض منهما؟

وفى أثناء وجوده فى لندن اشتعلت فى السودان عام 1885 ثورة الشيخ محمد أحمد الذى حمل لقب المهدى.. واستطاعت قواته التى أطلق عليها انصار النبى أن تلحق الهزيمة بالجنرال البريطانى الشهير شارلس جوردن وأن تقتله وتحتل الخرطوم.

وقف الأفغانى ضد الثورة المهدية وتحدث إلى حلفائه الإنجليز قائلا: إننى أخشى مثلى مثل سائر العقلاء ــ أن يؤدى انتشار هذه النظرية (المهدية) وزيادة عدد مؤيديها إلى الإضرار بمصالح بريطانيا ومصر.. واقترح إقامة حلف إسلامى شامل مع بريطانيا لمواجهة مثل هذه الانتفاضات الإسلامية.

إن بريطانيا لم تكن فى ذلك الوقت فى حاجة إلى دعم حلف إسلامى ما، فقد كانت تقتسم المنطقة مع فرنسا.. لكنها.. وضعت الفكرة فى أرشيفها حتى عادت إليها بعد الحرب العالمية الثانية لتواجه الشيوعية والقومية.

وليست الأحلاف التى دعا إليها الأفغانى أحلافا دينية وإنما أحلاف عسكرية وسياسية امتدت من المغرب إلى باكستان ليدخل منها الاستعمار من الشباك بعد أن خرج من الباب.

إن الأفغانى يمتلك الحقوق الكاملة للفكرة وقد كررها أكثر من مرة.. كان آخرها فى اعقاب الثورة المهدية.. وسعى جاهدا لتدعيمها بكل وسائله العلنية والخفية.

فى مقال كتبه بعنوان إنجلترا على شواطئ البحر الأحمر وصف مؤيدى المهدية بأنهم ذوو عقول بسيطة.

واقترح فى مقال آخر أن أكثر ما يكشف دعوة إسلامية ما دعوة إسلامية أخرى.. بتعبير آخر لا يحارب النار إلا النار.. ولا يواجه الإسلام إلا الإسلام.

إن مواجهة الإسلام بالإسلام جملة استراتيجية بقيت حلقا فى أذن أجهزة التآمر الغربية فنجحت فى زرع الفتنة بين أنصار المذاهب الإسلامية إلى الحد الذى وصلنا إليه اليوم.. تكتلات شيعية فى مواجهة تحالفات سنية.. مؤسسات إسلامية معتدلة فى مواجهة تنظيمات إسلامية متشددة.. تستخدم العنف.. ولا تخلو تصرفاتها من التوحش.. وآخرها تنظيم الدولة المعروف باسم داعش.. إن بذور الشيطان أنجبت غابات من الشياطين.

لم تأخذ بريطانيا باقتراح الأفغانى فانفجر غاضبا.. وشق طريقه إلى روسيا.. ليترك محمد عبده يكمل ما فشل فيه.

فى نهاية القرن التاسع عشر القى محمد عبده بثقله ــ علنا ــ إلى جانب اللورد كرومر ممثل الإدارة البريطانية فى مصر.. وبمساعدته تولى محمد عبده رئاسة لجنة إعادة تنظيم الأزهر واصبح رئيسا لتحرير الجريدة الرسمية وأصبح عضوا فى البرلمان ومسئولا عن إحدى لجانه.

وبعد عامين من وفاة الأفغانى عين محمد عبده مفتيا لمصر عام 1889 ليصبح بصفته الأخيرة المفسر الأعظم للشريعة ومنحه ذلك سلطة الإشراف على الأوقاف الدينية السمينة.. الغنية.

وبينما كان نفوذ محمد عبده يزداد قوة استقر الأفغانى فى روسيا غاضبا من رفض بريطانيا اقتراحه ببناء تحالف إسلامى شامل.. ذهب من الضد إلى الضد.. وطبقا لكتاب سيرته فإنه وصل تلك البلاد الباردة سائحا وانتهى به الحال عميلا.

حسب تقارير رسمية: حاول الأفغانى أن يبيع لروسيا فكرة أنه قادر على مساعدتها فى إشعال الثورة فى الهند.. قلب الإمبراطورية البريطانية.. وطبقا لوثيقة مخابراتية بريطانية كتبت عام 1888 استطاع الأفغانى أن يؤثر على بعض المسئولين الروس ويقنعهم بإمكان قيام هبة عامة فى الهند حالما يعطى الروس الإشارة.. ولكن يبدو أن الروس لم يشتروا ما حاول بيعه لهم.. وسرعان ما عاد إلى بريطانيا.

فى لندن انخرط الافغانى فى عالم خليط من المفكرين الأحرار والماسون السريين والشخصيات الغامضة واصحاب العقائد التجريبية واللاهوتية والمستشرقين المبهورين بسحر الشرق القادم منه.

واستأنف اتصالاته مع المستشرق البريطانى إدوارد جرانفيل براون.. الأستاذ فى جامعة كامبريدج.. والأب الروحى للاستشراق فى القرن العشرين.. والمؤثر فى دوائر السياسة.. وصديق أهم رجلى مخابرات فى ذلك الوقت.. هارى سان جون فيلبى الذى سيلعب دورا فى السعودية.. وت. أ. لورنس الذى سيلعب دورا أخطر فى الحجاز للإجهاز على الخلافة العثمانية.

تعلم براون كثيرا من مدرس الفارسية الميرزا محمد باقر وهو شخصية محيرة فقد كان حسب وصف براون شيعيا سنيا صوفيا مسيحيا ملحدا يهوديا وانتهى به الأمر لابتداع دين جديد سمى المسيحية الإسلامية.. لتنافس العقيدة البهائية.

فى لندن ايضا تعرف الأفغانى على سفير فارس ملكام خان وهو ابن مؤسس الجمعية الفارسية للماسون الأحرار وتحت تأثيره شكل الأفغانى الجمعية الماسونية العربية.. وبمساعدته تولى الأفغانى وزارة الحرب فى إيران وبعدها رئاسة الحكومة.. لكنه.. لم يتردد فى تأليب رجال الدين (الملالى) على الشاه مما جعل قوات الأمن تنتهك حرمة المسجد وتقبض عليه وتلقى به على الحدود التركية ليتوفى هناك بمرض السرطان.

بعد وفاته بأيام نشر مجده براون فى كتاب الثورة الفارسية مؤكدا أن شهرته ستظل مستمرة قرونا وإن اختلف الناس حوله.

ولم يتردد اللورد كرومر (مندوب الاحتلال البريطانى فى مصر) فى نعيه هو ومحمد عبده وربما جمع ما كتب بين البلاغة والواقعية:

إنهما لم يكونا مسلمين جيدين أو أوربيين مناسبين.. مثلهما مثل العلماء الذين يغلقون الكتب بمجرد فشل التجربة.

واستطرد: إن الإسلام الشمولى عندهما يحتاج إلى مراجعة جذرية.. ذلك أن التحديث الكونى على النمط الماسونى لا يتفق تماما مع المطالبة بالعودة إلى الإسلام النقى ولهذا فشلا فى كسب ثقة رجال الدين وفى ولاء المجددين.

لم تمت أفكار الأفغانى وعبده سريعا.. فقد حافظ عليها شيخا سوريا متشددا هو رشيد رضا.. مؤسس المنار.. الجريدة التى قدمت أفكار الشيخين إلى السلفية المصرية.. وتأثر بها حسن البنا واعجب بناشرها وتتلمذ على يديه.. وفى الوقت نفسه قرر تحويل الأفكار إلى تنظيم.. فكانت جمعية الإخوان المسلمين.. الرحم الخصب لكل ما جاءت به الأيام من تنظيمات وتفجيرات لا نزال نعانى منها حتى الآن.


الأسبوع القادم:

■ إخوان بريطانيا بتمويل من حكومة صاحبة الجلالة 
■ الشيخ حسن البنا اعتبر الوطنيين ملحدين وكفرة 
■ أتباع محمد عبده يؤسسون حزب الشعب الإسلامى فى مواجهة حزب مصطفى كامل 
■ الإخوان استخدموا ضد الوفد واليسار ونالوا المكافأة من القصر والمندوب السامى