الفلسطيني سليم عاصي لـ"الفجر الفني": فيلم "أبوعدنان" ساهم في زيادة تعاطف الدنماركيين مع اللاجئين (حوار)

الفجر الفني

سليم عاصي
سليم عاصي



في الثامن عشر من ديسمبر الجاري، وتزامنًا مع اليوم العالمي للمهاجرين، أقامت وكالة الأمم المتحدة للهجرة، بالشراكة مع مركز الأمم المتحدة للإعلام، الحفل الختامي لمهرجان أفلام الهجرة الدولي، والذي انطلق منذ عام ٢٠١٦، وأقيمت دورته الأولى في العاصمة السويسرية جينف، وشهدت نيويورك فاعليات الدورة الثانية، فيما كان من نصيب مصر استضافة فاعليات الدورة الثالثة في القاهرة والإسكندرية.

وشهد الحفل الذي أُقيم بقصر الأمير محمد علي بالمنيل، حضور لفيف من الفنانين والشخصيات العامة والدبلوماسية على رأسهم يسرا، وآسر ياسين، ونيللي كريم، وأبو، وزاب ثروت، وأحمد مالك، ومنحت الجوائز لخمس أفلام، اثنين منها روائيين طويلين، وثلاثة أفلام قصيرة، وحصد المركز الأول في قائمة الأفلام القصيرة الفيلم الدنماركي "أبو عدنان"، وتسلم الجائزة بطل الفيلم الفنان الفلسطيني سليم عاصي.

سليم عاصي هو فنان تشكيلي، وُلد في مخيم الجليل في بعلبك بلبنان، وبعدها انتقل للعيش بالدنمارك منذ أكثر من عقدين ونصف، ويحرص من خلال أعماله على التوعية بالقضية الفلسطينية، وقضايا الهجرة، وتدور أحداث الفيلم، الذي يلعب بطولته هو وابنه جهاد، حول تأقلم لاجئين من فلسطيني سوريا مع المجتمع الدنماركي بعدما حطا الرحال إليه.

"الفجر الفني" حاورت سليم عاصي للحديث عن الجائزة، وقضايا الهجرة والمهاجرين، وتأثير الفن على السياسية، والأزمة السورية، والقضية الفلسطينية، وإلى نص الحوار.

في البداية، كيف عُرض عليك الدور؟
حثتني "أماني ترك" وهي ممثلة مصرية مقيمة في الدنمارك على قبول الدور، وهي زميلة مخرجة الفيلم سيلفيا، وتقوم بتجارب الأداء للممثلين، ونصحتني بإشراك ابني جهاد في الفيلم حيث لعب دور "عدنان"، وذلك نظرًا لمعرفتها المسبقة بنا، وكانت هذه المرة الأولى التي أمثل فيها أمام الكاميرا بشكل رسمي، لكني اعتمد التمثيل التلقائي العفوي في حياتي اليومية من خلال المقالب والمزحات مع أصدقائي.

بما أنها المرة الأولى لك في التمثيل، كيف تهيأت للدور؟
يتناول الفيلم حياة عدنان ووالده بعد قدومهما للدنمارك، دون الإشارة إذا كانا سوريين، أم أنهما من فلسطيني سوريا، فاعتبرت أنهما من فلسطيني سوريا، خاصة وأنهم كثر في مخيم اليرموك في سوريا ومنهم الكثير ممن هاجروا للدنمارك، لذلك لم يكن هناك الكثير للتحضير له من خلال اللهجة أو سواها.

ماذا عن مشاركة ابنك جهاد في الفيلم، هل تخوفت من الأمر؟
صديقتي أماني هي من دفعتني لذلك، في البداية كنت متخوفًا من الأمر، ليس من الأداء ولكن من محتوى الفيلم نفسه، فلم أكن أعرفه، فسألت إذا ما كان مسيئًا لديني أو ثقافتي، وقرأت السيناريو لأطمئن، فوجدت يتعلق بحياة لاجئ وابنه، ووافقت على الدور سيما أنه يحمل همًا إنسانيًا، وشرحت لابني فحوى القصة وحثيته على مشاركتي إياه، وهو من مواليد الدنمارك ٢٠٠٣.

ما الصعوبات التي واجهتها في الفيلم؟
كان فريق الفيلم لطيف ومتعاون ويقدم جميع الخدمات، لكن الصعوبات تمثلت في تكرار تصوير المشاهد أكثر من مرة من الصباح وحتى المساء على مدار أسبوع كامل، فكنت أشعر بالضغط والتعب أنا وابني، اعتقدت أن التصوير سهل، لكن العكس كان صحيحًا.

حدثنا عن أبرز التعليقات التي نالها الفيلم ولا تزال تذكرها؟
كانت التعليقات متمثلة في أن الفيلم به مقاطع مضحكة قليلًا لكنها مبكية كثيرًا، بجانب استخدامي مصطلحات مختلفة تدل على صعوبة العيش والتأقلم في المجتمع الجديد، ولابد أن أشير إلى أن الفيلم حقق صدى كبير على الساحة الشعبية الدنماركية لدرجة أدت إلى زيادة التعاطف مع حياة اللاجئين الجدد، حيث قدم الفيلم تصور عما يواجه اللاجئ في بداية قدومه إلى بلد جديد، ورسالة الفيلم وصلت في الصميم، خاصة وأن مخرجة الفيلم سيليفا هي الآخرى بريطانية جاءت إلى الدنمارك منذ طفولتها، وكانت تجد صعوبة في تعامل والدها بعد وصولهما للدنمارك.

كيف وجدت عرض الفيلم بمصر للمرة الأولى، وتجاوب الجمهور المصري معه؟
كانت تجربة رائعة وفريدة، أن أتواجد في مصر والتقي جمهورها، خاصةً وأن مصر معروفة بأفلامها ونجومها المشاهير.

كيف رأيت فوز الفيلم بالمركز الأول في مهرجان أفلام الهجرة الدولي؟
كان شيئا مبهرًا، علمًا بأن الفيلم نال أكثر من ١٥ جائزة، بعد مشاركته في أكثر من ٢٢ مهرجان مختلف، ولكن الجائزة في مصر كان لها وقع آخر، فكانت الأجمل، وخاصة أن مصر بلد الأفلام، والنجوم، كما أنها بلد عربي نظرًا لعروبتي، وأتوجه بالشكر للقائمين على المهرجان على تنظيمهم اللافت.

برأيك، كيف يلعب الفن دوره في التوعية بقضايا الهجرة والمهاجرين؟
الفن بكل أنواعه وعلى رأسها التمثيل، ليس في قضية الهجرة فقط، لابد أن يحمل رسالة، ويكون هادفًا، وإنسانيًا، واجتماعيًا، وتوعويًا، وتربيويًا، وبعيدًا عن الانزلاقات الأخلاقية، والعقائدية، والثقافية، وأنا شخصيًا أشجع أن يكون كل عمل فني هادف من أجل توعية الأخرين، وحثهم على التسامح، والمساواة، والتعاون، وتقبل الآخر، لذلك على كل مخرج أو ممثل أو عامل في بيئة الأفلام أن يكون على قدر المسئولية لإيصال الرسائل الإيجابية.

منذ أسبوعين، قام أحد الممثلين السوريين بالتمثيل عاريًا لمدة تجاوزت ٢٠ دقيقة في مهرجان "أيام قرطاج المسرحية" للتوعية بالأزمة السورية، ما تعقيبك على الأمر؟
لم أسمع بهذا الأمر لكنه أمر مؤسف ومخزي، وهذا الدور ساقط جدًا، وأزعجني الخبر للغاية، خاصة وأني من مؤيدي الفن الهادف، وهذا الفنان لا أعرفه ولا أتشرف بمعرفته، وكان يحق له أن يغير على شعبه، وأرضه، ويقوم بدور مشرف يعبر عن معاناة شعبه، وبالمناسبة، فقد سبق وعُرض علي المشاركة في فيلم، ولكني رفضته نظرًا لاحتواءه على أكثر من مشهد به حوار بذئ بين ممثل وممثلة يلعبان دور زوجين، لأني فنان ملتزم معروف بالفن المقاوم، وتبًا لمن يحمل أدوارًا ساقطة.

هل ترى نهاية قريبة لأزمة السورية؟ وكيف ترى الوضع حاليًا داخل سوريا وخارجها بالنسبة للمهاجرين؟
الأزمة السورية بتقديري وإن انتهت معركيًا، وميدانيًا، لكنها لم تنتهي نفسيًا، والمهاجرين لديهم تخوف كبير خصوصًا وأن الحكومة الدنماركية والتي تسيطر عليها الأحزاب اليمينية، تطرح على البرلمان في الوقت الحالي المصادقة على قرار ترحيل السوريين إلى بلدهم بعدما انتهت الحرب ولا لزوم لوجودهم، ولذلك يعيش المهاجرون حالة من التخبط والخوف من العودة، واتمنى أن تبقى الحالات التي تشعر بالخوف في الخارج، بينما تعود الحالات التي لا تستدعي عودتها خوفًا على حياتها، وبعد أكثر من ٧ سنوات على الحرب الطاحنة في سوريا، وبعيدًا عن الأطراف المتورطة في الأمر، إلا أن قلبي على الشعب السوري الذي عانى شتاتًا داخل وخارج سوريا، كما أن الحياة الاجتماعية السورية من الصعب أن تعود إلى سابق عهدها.

بعد أمريكا، أعلنت أستراليا نقل سفارتها للقدس واعترفت بها عاصمة رسمية لإسرائيل، كيف وجدت الأمر، وكيف ترى تداعيات القضية الفلسطينية الآن؟
أنا فنان مقاوم، ومع النهج المقاوم، وليس لدي انتماء حزبي أو فصائلي، ولكني مع النهج المقاوم أي كان أصحابه، كفانا تنازلات، ومساومات، وتمييع للقضية الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو التي كادت أن تُفلت القضية من أيدينا، والتي اعتبرها أخطر على القضية الفلسطينية من وعد بلفور نفسه، وإذا اعترفت استراليا أو غيرها من المطبيعين من الدول العربية فالفلسطينيون منهم براء.

إلى جانب التمثيل، تُمارس عملك كفنان تشكيلي واتهمك البعض بمعادة السامية، ما ردّك على هذه الاتهامات؟
لم أُتهم بمعاداة السامية بشكل رسمي، ولكن كادوا أن يتهموني بالأمر، ولكني كنت يقظًا وعلى علم بالحد التعبيري الذي يمكن أن أصل له دون أن انزلق في هذا الاتهام، خاصةً وأن قوانين الدنمارك تعاقب على هذا الأمر، ولكنها كانت مرحلة صغيرة في فترة سابقة عن عمل عن الانتفاضة، والتي عارضته التيارات اليمينية المتعاونة مع اللوبي الصهيوني، وأنا لست نادمًا على ما حدث، ولدي ريشتي التي اعتبرها سلاح قوي، وشرعي، وقانوني، وأحارب من خلال فنيًّا.

نشأت في مخيم الجليل في لبنان ثم هاجرت في شبابك للدنمارك، كيف تصف هاتين التجربتين، وتأثيرهما على إبداعك الفني؟
كانت حياة المخيم صعبة ومليئة بالمشاق والمتاعب على كل المستويات، وهو ما ينطبق على كل من يعيش في المخيمات، ولكني استفدت منها في الانتماء للقضية، وحب الوطن، ولكن الأمر كان صعبًا علي كرسام لشراء أدواتي الفنية، أو أقامة معرض لأعمالي، في الوقت الذي أبحث فيه عن لقمة العيش، كانت حياة صعبة ولكنها كانت أسهل بكثير من غيري، وبعدها انتقلت للدنمارك مع أهلي، حاملًا رسالتي الفنية، ووجدت المجال مفتوحًا أكثر، والإمكانيات متوفرة، والحياة أهدأ، وحرية التعبير متوفرة إلى حد كبير، والظروف مهيأة، وهو ما دعمني وسهل لي نقل رسالتي تجاه مجتمعي وثقافتي.

ما أبرز القضايا التي تود مناقشتها في أعمالك، وماهي مشروعاتك المقبلة؟
أحب دومًا أن أناقش قضايا الانتماء، والمواقف والمبادئ، وعدم التفريط في الهوية أو الأرض أو الموقف، والتربية التي نشأنا عليها من أهالينا، ولابد من الثبات عليها بعض النظر عن المؤثرات الخارجية، دوري كفنان يُحتم عليا القيام بأعمال تربوية، وتحفيزية للأجيال الفلسطينية والعربية المقيمة في الساحة الدنماركية، ونقل الصورة والرسالة للمجتمع الدنماركي قدر الإمكان، والتعبير عن الاضطهاد الذي نتعرض له كفلسطينين، من خلال الندوات والمعارض الفنية التي أقيمها، وسبق وقدمت منذ العام الماضي جداريات في لبنان تحكي عن فلسطين منذ بدايتها إلى الآن، وقد لاقى العمل صدى وترحيب واسعين، والذي كان بمثابة رسالة واضحة من الفلسطينين المهاجرين للفلسطينيين المقيمين في المخيمات اللبنانية بأن همنا واحد، ومن المقرر أن تُقام معارض شاملة في بيروت عن المخيمات والبيئة الفلسطينية مرسومة من أهل المخيمات، وبعد الانتهاء من عرضها في لبنان ستُعرض في المدن الرئيسيّة في كل من الدنمارك والسويد كرسالة من أهل المخيمات للمجتمع الدولي حتى يتقربوا أكثر منهم ومن طموحاتهم وآمالهم، واتمنى أن يحقق المشروع، وهو شعبي ومستقل تمامًا، صدى واسع، وأن يدعمه المسئولون.