حسين معوض يكتب: حسبة الرئيس

مقالات الرأي



قال الرئيس عبدالفتاح السيسى أثناء مشاركته فى مؤتمر الشباب بشرم الشيخ: إن عدد العاملين فى المشروعات القومية 4 ملايين عامل ويتقاضى الواحد منهم من 75 إلى 100 جنيه يوميا..

كانت حسابات الرئيس تنصرف فى لحظة إطلاق هذا التصريح على إقناع وإطلاع الشباب بصعوبة اتخاذ القرارات القومية، قد يكون لديك هدف عظيم مثل تطوير التعليم لكن فاتورة التنفيذ لا ترضى الجماهير.

التصريح أطلق لدينا حسبة أخرى.. كشف لنا عن فاتورة الأجور فى المشروعات القومية، وفيها يصل أجر العامل الواحد من 2250 إلى 3000 جنيه شهريا، بإجمالى من 9 مليارات إلى 12 مليار جنيه شهريا.

نفترض مثلا أن الجميع يتقاضون 75 جنيها يوميا.. بذلك تصبح فاتورة أجور العاملين فى المشروعات القومية سنويا 108 مليارات جنيه.

قد تكون بعض فرص العمل فى المشروعات القومية مؤقتة، مثل عمال البناء الذين يعملون من خلال شركات المقاولات، أو سائقى المعدات الثقيلة، أو الفنيين.

وقد تشمل الحسبة كل العاملين فى شركات المقاولات العملاقة وشركات الباطن والجهات الحكومية التى تساهم فى المشروعات.. المهم أن كل العاملين فى الشركات القومية يكلفوننا 108 مليارات جنيه.. هؤلاء يهدمون الجبال ويحفرون أسفل البحار ليبنوا الجسور والطرق والموانئ والمطارات والمدن الجديدة ومحطات الكهرباء ويحفرون الأنفاق وآبار المياه والغاز والبترول ويزرعون الأرض.

معظم المشروعات القومية يتم تنفيذها من خلال برنامج قاسٍ قصير المدى، عام تقريبا، والقليل منها عامان، ومشروعات أقل على 3 سنوات.. وبالتالى تنخفض تكلفة أجور العاملين فى تلك المشروعات بحدة من عام لآخر.. بالطبع نتمنى أن نفتح لهم مشروعات جديدة لتستمر فرص عملهم ولكننا الآن نتحدث عن فاتورة يحاول كثيرون أن يثبتوا أنها ليست ضرورية وهى فاتورة المشروعات القومية ويقولون إننا ندفع ثمنها من حصة بيوتنا من الزيت والسكر والشيكولاته.

الأجور مجرد بند فى فاتورة المشروعات القومية، والتكلفة الإجمالية لتلك المشروعات ليست معلنة.. هذا البند يكشف العلاقة المباشرة بين البسطاء والمشروعات القومية.. هؤلاء الذين يصعب إقناعهم بالحسابات القومية الكبرى وبأهمية المستقبل وتمهيد الأرض قبل محاولة الانطلاق وقد لا تستهويهم الخطط بعيدة المدى مهما كانت الوعود فيها مغرية..

الذى يملك تلك المعلومات «قيمة أجور العاملين فى المشروعات القومية» قد لا يستوعب بسهولة الدعاوى النظرية التى تقول إن تلك المشروعات تستنزف السيولة من السوق ونالت من قيمة الجنيه أمام الدولار ورفعت الأسعار وقلصت فرص العمل.. فهو يرى الصياغة الصحيحة للنظرية كالتالى: أجور العاملين فى المشروعات القومية تستنزف السيولة وترفع الأسعار وتخفض قيمة العملة وتقضى على فرص العمل.. وهنا يصبح لديه مبرر للتعجب من أصحاب تلك النظرية والتشكيك فى نواياهم، فهكذا أصبحت النظرية لا يحكمها منطق.

بالطبع لا نلوم الذين لا يملكون المعلومات ولا نلوم متخذ القرار.. فبعض الحسابات يمكن أن تدخل فى نظرية «حسبة برما» وهى حسبة ليس لها حل «البسطاء يطالبون بفرصة عمل وأجر عادل، وعندما يحصلون على الفرصة والأجر يخرج من يدعى أن المشروعات التى يعملون بها تهدر الأموال التى يمكن توجيهها للبسطاء، فيقوم صاحب القرار بتوجيه مزيد من الأموال للبسطاء ولا يجد سبيلا للوصول إليهم سوى باقامة مشروعات يعملون فيها ليحصلوا على أجور جيدة، يخرج من يهاجم المشروعات ويدعى أنها استمرار لسياسة العناد والإصرار على سحب السيولة من السوق».

الخطورة هنا أن يصبح لدى المنظرين الذين لا يملكون المعلومة أن يصبح لديهم القدرة على التأثير فى صاحب القرار.. امنحوهم المعلومات أو تجاهلوهم.. وللعلم الخيار الثانى نتائجه قاسية اختبرناها كثيرا خلال سنوات الغضب والكثير منا وقع ضحية لنظريات تنافى المنطق.