منال لاشين تكتب : السمسار

مقالات الرأي



■ أرباح شركة موبينيل تجاوزت الـ23 مليار جنيه وكانت حقا لأصحاب المعاشات
 ■ ليس من قبيل المصادفة أن الثلاثى نجيب وجمال مبارك وعز ظهروا فى المؤتمر الاقتصادى الذى أدخل المحمول لمصر
■ الجنزورى أجبر التأمنيات وبنكى الأهلى ومصر على بيع 80% من أسهم الشركة بالأمر المباشر لنجيب وبنفس سعر الشراء

كلنا نعرف مهنة السمسار، ذلك الرجل (الحرك) الذى يتوسط لبيع وشراء أى شىء، وكل شىء، كله مقابل العمولة والأرباح، والسمسار وظيفة قانونية ومحترمة، ولكن بعد الانفتاح الاقتصادى أصبح الشعار (معاك قرش تساوى)، وتحولت السمسرة من مهنة إلى صفة، تجد زوجا يبيع شقته دون علم زوجته لمجرد أنه سيكسب فى بيعها (كام) ألف جنيه، لا أهمية للذكريات والجيران الذين أصبحوا كالأهل، وتجد آخر يترك وظيفته المريحة لوظيفة أخرى لأن راتبه سيزيد (كام) جنيه، ويصعب أن تجد رجل أعمال يحتفظ بأول شركة اسسها وربح منها لمجرد أنها وش السعد عليه، فى الغالب سيبيع الشركة حتى لو كانت رابحة، وذلك إذا كان بيعها سيفتح له مشروعا جديدا أكثر ربحية، فالربح أصبح الهدف الأسمى، ليس مهما قيمة ما تبيع ولا أثر البيع على بلدك واهلك وناسك وصورتك أمامهم، ليس مهما أن ترجع عن وعودك بعدم البيع، لاشىء يهم إلا أرباح البيع.

وبصراحة لم أستطع أن أبعد عن ذهنى هذه الصور وأنا أستقبل خبر بيع نجيب ساويرس للحصة الأخيرة من موبينيل لشركة أورانج الفرنسية، وبالطبع من حق ساويرس أن يبيع والبيع قانونى مثلما كانت مهنة السمسرة قانونية، بيع موبينيل قانونى، ولكن هل كان حصوله على موبينيل قانونياً ولماذا يبيع ملياردير الاتصالات حصته الآن فى موبينيل ويخلف وعود قطعها على نفسه بعدم بيع الشركة أو بالأحرى الصفقة التى أدخلته نادى المليارديرات وسوق الاتصالات العالمية فى أربع قارات، ولماذا يبيع ساويرس مشروعه الأهم فى مصر وهو الذى وعد باستثمار مليار دولار بعد إقرار دستور 30 يونيو، هذا البيع ينهى قصة فساد حكومى بدأت فى عهد مبارك، هذا البيع يطوى صفحة خسائر أصحاب المعاشات والبنوك العامة، وهى خسائر تقدر بنحو 23 مليار جنيه.

1

بيع سرى

الصفقة الأخيرة بين شركة نجيب «أوراسكوم للاتصالات» وشركة أورانج يبلغ قيمتها نحو 204 ملايين يوور، وقد تمت هذه الصفقة بهدوء، هذا الهدوء لا يليق بالصخب الذى يصاحب فى العادة الملياردير نجيب ساويرس، ولكن الأهم أنه لا يقارن بالضجة والغضب الذى صاحب شراءه لـ80% من أسهم شركة المحمول الأولى، بعد أكثر من 17 عاما أظن أن الناس نسيت الطريقة المريبة التى حصل بها ساويرس على أسهم الشركة، فآفة بلدنا النسيان.

أطلقت وزارة الاتصالات أول شبكة للمحمول من أموال الدولة وأموالنا، وذلك بمناسبة أول مؤتمر اقتصادى عالمى لتقديم مصر جمال مبارك، مصر الاقتصاد الحر، وليس من قبيل المصادفة أن هذا المؤتمر شهد أول حضور جماعى للثلاثى جمال مبارك ونجيب ساويرس وأحمد عز، وذلك فى جلسة واحدة من جلسات المؤتمر وعلى منضدة واحدة، فالثلاثة أصبحوا رموزا للاقتصاد الحر، فى الحزب الحاكم ومجلس الشعب وسوق البيزنس.

كان المؤتمر يروج إلى التوجه الجديد للاقتصاد المصرى، وهو توجه يمكن أن نلخصه بجملة واحدة (الحكومة ستخرج تاركة الاقتصاد للقطاع الخاص)

وكان يجب إقناع المشاركين الأجانب بأن مصر تسير على خطى الدول المتقدمة، ولذلك أطلقت شبكة المحمول الأولى على عجل، وكانت تغطى محافظة القاهرة الكبرى فى البداية.

وبعد انتهاء المؤتمر قررت الحكومة أن تتخلى عن متابعة تنمية شركة المحمول، وتقرر طرح 20% من أسهم الشركة فى البورصة، وحصلت صناديق التأمينات والمعاشات وبنكيا الأهلى ومصر على 80% من أسهم الشركة، وقدرت الحكومة سعر السهم بنحو 10 جنيهات، وفى ذلك الوقت لم يتوقف الخبراء والسياسيون كثيرا عن تحديد سعر السهم ولم يفكر أحد فى الإجابة عن سؤال هل سعر السهم عادل أم لا؟،

فقد كان البيع يتم بين مؤسسات الدولة وصناديق المعاشات والبنوك العامة، وقامت صناديق المعاشات وبنكا الأهلى ومصر بتسديد نسبة الـ25% من قيمة الأسهم على أن تستكمل بقية الثمن مع توقيع العقد النهائى، ولكن فجأة وبدون سابق إنذار وتحت ستار هائل من الظلام والسرية حدثت المفاجأة، ففى عهد مبارك ورئيس حكومته الدكتور كمال الجنزورى أجبرت المؤسسات العامة على بيع حصتها لنجيب ساويرس، بيعا بالأمر المباشر، فلم تجر مزايدة شفافة، ولو تم إجراء مزايدة لارتفع سعر السهم، ولكن البيع تم بنفس سعر الشراء، وزيادة فى التدليل تم البيع بعد أن حصلت هذه المؤسسات على الأموال التى دفعتها فقط، واستكمل ساويرس دفع بقية ثمن الصفقة للحكومة.

ولم يكن البيع نتيجة (زنقة) مالية لهذه المؤسسات، فقد كان ولا يزال بنكا الأهلى ومصر من أكبر المؤسسات المالية فى الشرق الأوسط وليس مصرفقط ملاءة مالية، وفى ذلك الوقت لم تكن التأمينات قد وصلت للحالة المالية المزرية، بل إن أحد أسباب الترحيب المجتمعى بالبيع للتأمينات هو مساعدة الصناديق على تحقيق أرباح بالمليارات، وهذه الأرباح كانت ستنعكس على قدرة الصناديق على زيادة معاشات 19 مليون مواطن، بالإضافة إلى أرباح للخزانة العامة بالمليارات لأن الدولة تملك بنكى الأهلى ومصر، وأرباح البنوك العامة تذهب لخزانة الدولة.

2

السر فى بير الجنزورى

ومنذ فوجئ المجتمع بهذه الصفقة وإلى الآن وسر الصفقة فى بير الجنزورى، ليس لأن المجتمع تقاعس عن كشف المستور، فهذه القضية ظلت تشغل أهم استجوابات مجلسين كاملين فى مجلس الشعب قبل ثورة 25 يناير، تصوروا عشر سنوات كاملة ولم تجرؤ لا حكومة الجنزورى ولا أى حكومة للحزب الوطنى بعدها على كشف السر، بل إن حكومات مبارك لم تجرؤ على اظهار عقد التعاقد بين شركة موبينيل والحكومة المصرية، وقد دفع هذا الموقف المشين النائب المخضرم البدرى فرغلى فى أحد استجواباته للسخرية، وقال البدرى موجها كلامه للحكومة : (مش عايزينا نشوف العقد ليه هو رائحته وحشة لامؤاخذة) فقد كان التجاهل هو سياسة الحكومة تجاه هذه القضية أو الصفقة، ولكن فى إحدى المرات كشفت الحكومة بنفسها عن حجم الخطيئة التى وقعت فيها، لأنها كشفت عن حجم الأرباح المهولة التى تحققها الشركة، وهى الأرباح التى ضاعت على الدولة وأصحاب المعاشات،

كان الدكتور أحمد نظيف لا يزال وزيرا للاتصالات قبل توليه رئاسة الحكومة، وتولى نظيف الرد على أحد الاستجوابات الخاصة ببيع أسهم الشركة لساويرس بدون مزايدة، وأراد نظيف أن يؤكد لأعضاء مجلس الشعب وللمجتمع أن الدولة استفادت من الصفقة، فقال فى رده على الاستجواب إن الشركة دفعت ضرائب للدولة مليار جنيه، وفى ذلك الوقت كانت الضرائب 40%، وبسرعة قامت المعارضة بحساب أرباح الشركة فى عام واحد فكانت النتيجة 5.2مليار جنيه، دفعت منها مليار جنيه ضرائب وتبقى لها 5.1مليار جنيه، وفيما بعد زاد نمو قطاع الاتصالات وتضاعفت أرباح شركات المحمول، وبحسبة مبدئية فإن أرباح الشركة طوال السنوات السابقة لا تقل عن 23 مليار جنيه، وذلك بافتراض أن الشركة حققت فى المتوسط 5.1مليار جنيه أرباحا كل عام، وربما من قبيل عشقى للأرقام والمقارنات فإن هذا الرقم يقترب من ثروة الملياردير نجيب ساويرس، وهى ثروة تبلغ بحسب مجلة فوربس 2.6 مليار دولار.

هذه المليارات كانت من حق أصحاب المعاشات ومن حق خزينة الدولة، أى من حق ملايين المواطنين المصريين، هؤلاء المصريون لم يحصدوا من أرباح الشركة سوى الفتات من خلال حصة قليلة فى البورصة المصرية، فيما ذهبت الأرباح الأكبر لنجيب ساويرس وشركة أورانج الفرنسية.

وشركة أورانج هى شركة محترمة ومن كبار شركات مشغلى المحمول فى العالم، وهذه الجملة ليست من قبيل مدح الشركة، ولكنها من قبيل التذكير بأن ساويرس لا يقوم بعمل فنى فى الشركة، فالشركة الفرنسية هى المشغل، وكانت التأمينات أو البنوك قادرة على إبرام اتفاق مع شركة أورانج لتشغيل شبكة المحمول.

3

لن أبيع

فى الغالب تتم صفقات آل ساويرس عن طريق الصدمة، يستيقظ المجتمع على صباح أسود انتقلت فيه ملكية مشروعات مصرية إلى الأجانب، حدث ذلك عندما باع ناصف ساويرس حصته فى سوق الأسمنت المصرية إلى شركة لارفاج الفرنسية، وكانت صدمة كبرى للمجتمع، وكان من البديهى أن تمتد التوابع إلى سؤال آخر ماذا لو قلد نجيب شقيقه ناصف وباع حصته لشركة أورانج الفرنسية؟، وفى ذلك الوقت كانت حصة شركة موبينيل فى سوق المحمول كبيرة، ولذلك انزعج الكثيرون عن حق لاحتمال انتقال الشركة للاجانب، فالاتصالات تدخل فى دائرة الأمن القومى وهناك دول يتعامل معها ساويرس مثل إسرائيل ترفض احتكار سوق الاتصالات، ولذلك كان القلق واسعا، ولكن نجيب ساويرس خرج على الناس جميعا ليؤكد أنه لن ولم يبع حصته فى الشركة، وتحدث نجيب ساويرس بعاطفة عن الشركة وعلاقته بها، وسرعان ما صدقه البعض، وقالوا لا يجب أن نكذب الرجل، فهو فى النهاية غير مسئول عن تصرفات شقيقه، وظهر مذيع شهير للدفاع عن نجيب ولتأكيد أنه لن يبيع، وقال المذيع مثلا شعبيا من الصعب نسيانه، (كل واحد بيتعلق من عرقوبه)، الآن لم يتحدث المذيع الشهير عن بيع نجيب لحصته فى شركة موبينيل فى صفقه أخيرة، ربما لان (عرقوب ساويرس) هو اللى باع حصته الأخيرة، وأذكر فى ذلك الوقت أننى تراهنت مع أصدقاء لساويرس أنه سيبيع معظم أسهمه فى موبينيل ويتخارج من الشركة، وأن البيع سيتم على مراحل، وأن ساويرس لم يجد حرجا فى بيع حصته لشركة أورانج، لأن علاقة نجيب بالشركة هى علاقة مالية بحتة، إنها مجرد سلم أوصله إلى سوق الاتصالات العالمية ونادى أصحاب المليارات، ولكن بالنسبة لأصحاب المعاشات فإن أرباح الشركة تعنى حياة بدون قلق من ارتفاع الأسعار وهجوم الأمراض وغلاء الأدوية، هذه الشركة تبيض ذهبا كان الأحق به كل المصريين، وليس عائلة أو شركة واحدة.

4

وعود عكسية

ومن باب الذكريات، أريد أن أذكر نجيب ساويرس بأنه وعد بعد ثورة 30 يونيو باستثمار مليار دولار فى مصر، وربط ساويرس هذا الاستثمار باقرار الدستور، واحنا أقرنا الدستور والحمد الله، ولكن الأخ نجيب بدلا من أن يستثمر يبيع استثماراته فى مصر، ومن باب الموضوعية والأمانة المهنية الملياردير نجيب ساويرس يستثمر الآن بمصر فى السياسة والإعلام، وعيب هذا النوع من الاستثمار انه لا يقلل من حجم البطالة لانه لا يضيف عمالة جديدة ولا يزيد من العملة الصعبة لا الدولار ولا الجنيه لمصر، وأنه استثمار للسيطرة على البرلمان وبعد ذلك الحكومة، وهذا استثمار سياسى يختلف تماما عن الاستثمار الذى وعد به ساويرس.

وياريتك يا نجيب ما كنت وعدت لأن وعودك عكسية، والدليل أنك تبيع آخر قلاعك فى موبينيل فى الربع ساعة الأخيرة قبل انطلاق المؤتمر الاقتصادى، تفتكروا دى رسالة دعم للمؤتمر، مجرد أسئلة لم أجد إجابة عليها مثلما لم نجد إجابة على سؤال ليه الجنزورى يرعى بيعا بالأمر المباشر لشركة الاتصالات، وليه حرم أصحاب المعاشات وقد أصبح منهم من هذه الأرباح؟!.