محمد مسعود يكتب: عاطف سالم الضحية "2"

مقالات الرأي

محمد مسعود
محمد مسعود

«المجذوب» الذى أكلته السينما «لحما» ورمته «عظاما»

وافق على إخراج «أم العروسة» رغم اعتذار العملاقين صلاح أبوسيف وفطين عبدالوهاب.. وشهادة سميرة أحمد بعد ٥٩ سنة على عرض الفيلم

رفض تقديم جزء ثان من فيلم «جعلونى مجرمًا».. وأطاح بتحية كاريوكا وعماد حمدى من «الحفيد»

حسين فهمى رفض المشاركة فى «أين عقلى» فانطلق مصطفى فهمى إلى عالم النجومية من بوابة مكتشف النجوم

أحمد زكى فى مسلسل «الأيام» قدم له بطولة «النمر الأسود» على طبق من ذهب.. وبشير الديك يروى تفاصيل الفيلم بعد ٣٨ سنة من عرضه

 

كانت الأحداث التى كتبها عبدالحميد جودة السحار أشبه بحياة يومية لأسرة مصرية فى بداية الستينيات من القرن الماضى، كانت الدراما وليدة الموقف، وكان من الصعب أن تمسك بها عقدة درامية يقوم الفيلم على أساسها، لكن عاطف سالم، لم يعلن عن رفضه لذات السبب، بينما أبدى موافقة مبدئية، وبدأ ومعه عبدالحى أديب وهو واحد من أفضل كتاب السيناريو بالسينما المصرية، التفكير فى عُقدة درامية يقوم على أساسها البناء الدرامى للفيلم.

 

كان السيناريست الكبير عبدالحى أديب، بصحبة المخرج الكبير الراحل نيازى مصطفى بالإسكندرية، وكانا مدعوين لفرح فى منطقة شعبية، وذهبا بالفعل، قبل أن يعلما أن صاحب الفرح هو أحد تجار المخدرات الذى يقوم بعمل فرح كل فترة زمنية لتسليم واستلام شحنات المخدرات وسط الزحام الشديد وبعيدا عن أعين الشرطة.

لكن معرفتهما لم تجعلهما يتراجعان عن الذهاب على الأقل من باب الفرجة، وأثناء الفرح، فوجئا بقوة من الشرطة، تدخل الفرح، ظن الجميع أن القوة جاءت لضبط تاجر المخدرات أثناء تسليم بضاعته لكن الصاعقة التى نزلت على الجميع أن الشرطة لم تعلم بوجود المخدرات من الأساس بينما جاءوا لتحرير محضر سرقة التيار الكهربائى.

وهنا وجد عبدالحى أديب «العُقدة» الدرامية، أن يظن «حسين» أن الشرطة جاءت للقبض عليه لتبديد عهدته المالية، بينما يكتشف أنها جاءت لتحرير محضر سرقة التيار الكهربائى، وبدأ عبدالحى أديب بالفعل فى كتابة السيناريو وكتب عبدالحميد جودة السحار الحوار، بينما تولى مهمة الإخراج عاطف سالم لحساب المنتج نجيب خورى.

بدأ عاطف سالم مهمة ترشيح الممثلين، ولم يجد أى صعوبة فى إقناع عماد حمدى للعب دور «حسين»، بينما وجد صعوبة فى إقناع تحية كاريوكا للعب شخصية «زينب» وهى الأم التى يحمل الفيلم اسمها، كان الفيلم بمثابة تغيير جلد كامل للفنانة الكبيرة الراحلة تحية كاريوكا لكن لثقتها الكبيرة بالمخرج وافقت، وتم ترشيح الفنانة الكبيرة سميرة أحمد للعب دور «العروسة أحلام»، ويوسف شعبان، وحسن يوسف، ومديحة سالم، ورغم ثقل الفيلم على المستوى الفنى والذى أهله للمشاركة فى مهرجان «أوسكار» ووصوله لمرحلة متقدمة لكنه لم يستمر فى دور العرض سوى أربعة أسابيع فقط، وكتبت الصحف عن الفيلم أنه ليس فيلما واقعيا فحسب، بل إنه قمة الواقعية لفيلم يجسد حياة أسرة مصرية، تتصرف على طبيعتها طوال أحداث الفيلم.

 

عندما سألت الفنانة الكبيرة سميرة أحمد عن المخرج عاطف سالم قالت فى حماس وصدق: «كان عظيمًا عظيمًا عظيمًا، وعلامة من علامات السينما، ولا أنسى أننى قدمت معه ثلاثة أفلام رائعة «أم العروسة، خان الخليلى، والسيرك» وكانت أجواء فيلم «أم العروسة» رائعة جدا، الجميع كانوا فى علاقات جميلة، نأكل معا ونشرب معا، وتحية كاريوكا لم تكن غريبة علىّ فى دور الأم لأنها المرة الثانية التى أقدم فيها دور ابنة لها، فقبلها بعامين رشحنى المخرج بركات للمشاركة فى بطولة فيلم «شاطئ الحب» ولعب بطولته فريد الأطرش، وكانت تحية كاريوكا أمى فى الفيلم.

الفنانة الكبيرة سميرة أحمد قالت أيضا إن عاطف سالم كان عاشقا للأطفال، وكان لديه نظرة فاحصة تكشف الموهبة عند الطفل، مثلا شخصية أخى الصغير فى الفيلم «عاطف»، هو ابن شقيق المخرج فى الحقيقة، كما أنه كان من المخرجين الذين يطلبون الأداء البسيط والتلقائى، يشرح المشهد جيدا جدا ويطلب طلباته، وكان حريصًا جدا على خروج الأداء بشكل طبيعى، لذلك تجد المصداقية فى أعماله، وعندما قدمت معه فيلم السيرك، كان حريصًا على التصوير فى سيرك حقيقى، علاوة على تدريبنا جيدا على بعض الحركات، ورغم وجود دوبلير للقفزات الصعبة علينا، لكنه كان يريد خروج الصورة بشكل يؤكد مصداقية العمل، الحقيقة هو مخرج عظيم ومن القلائل الذى أكدت أعماله على عظمته.

 

بعد نحو ١١ عاما من تجربة «أم العروسة»، كتب عبدالحميد جودة السحار قصة وحوار فيلم «الحفيد» ويعد هو الجزء الثانى من «أم العروسة»، لكن هذه المرة لم يتول الكاتب الكبير عبدالحى أديب مهمة كتابة السيناريو بينما قام بالمهمة السيناريست أحمد عبدالوهاب، بالمشاركة مع المخرج عاطف سالم الذى فاجأ الجميع باختيار الفنان الكبير عبدالمنعم مدبولى لأداء شخصية «حسين»، بدلا من عماد حمدى، الذى كان يصور معه فى نفس الوقت فيلم «أين عقلى»، واختيار الفنانة الكبيرة الراحلة كريمة مختار لدور «زينب» بدلا من الفنانة العظيمة الراحلة تحية كاريوكا.

لم يفهم الكثيرون فلسفة عاطف سالم، التى وصفها عبدالحميد جودة السحار بـ«العناد»، لكنهم احترموها، وأخبر المنتج إسماعيل الكردى صاحب شركة «دولار فيلم» الجميع بأنها إرادة المخرج -أيام ما كان للمخرج إرادة تحترم- ولم يكشف عاطف سالم عن فلسفته إلا بعد سنوات طويلة من عرض الفيلم، فقال فى برنامج تليفزيونى مسجل: «كان من الطبيعى أن استعين بعماد حمدى وتحية كاريوكا، لكننى قررت عمل ما هو غير طبيعى، أردت أن أؤكد على أن المخرج هو الأساس فى التجربة، وهو الذى بإمكانه عمل أى شىء، وفى أيام التصوير الأولى فوجئت بعبد المنعم مدبولى يقول لى إن كريمة مختار تشعر برهبة وخوف منك، وكانت فى ذلك الوقت تقدم دراما تليفزيونية متميزة، فتحدثت معها، عن سبب خوفها فقالت «أنا خايفة أكون بتعبك»، فقلت لها على العكس أنت ممثلة عظيمة واستمتع بتمثيلك».

ويبدو أن رفض عاطف سالم لتكرار النجوم فى أجزاء مختلفة، أو تقديم أكثر من جزء لعمل واحد كان قرارا مرفوضا بشكل قاطع، لدرجة أنه رفض الفكرة التى اقترحها الفنان الكبير الراحل فريد شوقى سنة ١٩٨٣، لتقديم جزء ثان من فيلم «جعلونى مجرما»، فماتت الفكرة برفض المخرج الكبير.

فيلم الحفيد شارك فى بطولته النجوم: «ميرفت أمين، نور الشريف، محمود عبدالعزيز، منى جبر، ودينا عبدالله»، وتم عرضه فى سينما كايرو بالاس لمدة خمسة أسابيع حقق خلالها نحو ١٤ ألف جنيه.

 

قبل عام واحد من فيلم «الحفيد» قدم عاطف سالم المخرج الأكثر تنوعا على الإطلاق فيلم «سايكو دراما» بعنوان «أين عقلى»، عن قصة للأديب الكبير الراحل إحسان عبدالقدوس كتب لها السيناريو والحوار المخرج والسيناريست الكبير الراحل رأفت الميهى، وتم ترشيح سعاد حسنى، ورشدى أباظة ومحمود ياسين وحسين فهمى لبطولة الفيلم الذى أنتجه عباس حلمى.

وافق الجميع على لعب دور البطولة، لكن تأخر الفنان الكبير حسين فهمى فى الرد على المخرج بخصوص موافقته على لعب شخصية «شريف»، لكنه تقابل مع عاطف سالم وأخبره بقرار اعتذاره عن الفيلم، وهو ما فسره عاطف سالم شخصيا بأن الدور كان أقل من حيث المساحة بأدوار محمود ياسين «توفيق»، ورشدى أباظة «د.زهدى»، وأثناء اللقاء بينهما كان مع حسين فهمى شقيقه مصطفى، فسأله عنه قال إنه شقيقه خريج معهد السينما بقسم التصوير.

وانتهى اللقاء بينهما ولم يفاتح عاطف سالم مصطفى فهمى بشأن اختياره للمشاركة بدلا من حسين فهمى، لكنه أرسل فى طلب الريجيسير جلال زهرة وقال له «هاتلى مصطفى شقيق حسين»، واتصل به بالفعل بعد فترة، كان خلالها الريجيسير جلال زهرة يبحث عن رقم منزله، لكن مصطفى فهمى اعتذر بلباقته المعهودة قائلا: «أنا مبعرفش أمثل يا أستاذ عاطف»، فقال له «ده شغلى أنا يا مصطفى مش شغلك أنت أنا هخليك تعرف تمثل» وبالفعل بدأ مشوار الفنان الكبير مصطفى فهمى كغيره من النجوم من محطة «عاطف سالم».

كان الراحل عاطف سالم من المخرجين الذين يعشقون التحدى، ففى الوقت الذى كان فيه الجمهور المصرى والعربى مستعدا لاستيعاب قصة لبطل وبطلة الفيلم، قرر أن يقدم ٣ قصص لـ٣ شباب فى فيلم واحد، وقدم بالفعل فى عام ١٩٥٩، واحدا من أعظم أفلامه بعنوان «إحنا التلامذة» وتقاسم بطولته عمر الشريف وشكرى سرحان ويوسف فخر الدين.

الفيلم كان قصة واقعية لثلاثة شباب ارتكبوا جريمة قتل منادى سيارات واقتحموا محل سيارات شهير، وكان الفنان سامى سرحان أحد المتهمين الحقيقيين بالحادث الشهير فى منتصف خمسينيات القرن الماضى، وقرر عاطف سالم زيارته بالسجن وعلم منه كافة التفاصيل، ورشح شقيقه شكرى لبطولته، ووافق شكرى سرحان بالفعل على بطولة الفيلم الذى أنتجه حلمى رفلة، وكتب القصة والسيناريو والحوار محمد أبوسيف وكامل يوسف، وتوفيق صالح، وشارك فى كتابة السيناريو أديب نوبل نجيب محفوظ.

كان فيلم «النمر الأسود»، عبارة عن حلقات مسلسلة يكتبها الكاتب أحمد أبوالفتح من لندن ويرسلها إلى جريدة الأهرام بعنوان «السويدى الأسود»، لفتت القصة نظر المخرج الكبير عاطف سالم، فقام بجمع عدد من الفصول وقدمها إلى السيناريست والكاتب الكبير بشير الديك، وأنتج الفيلم «عاطف سالم وعمر ذو الفقار» عن طريق شركة إنتاج أسساها «سينما إنترناشيونال» ولم تنتج سواه.

الكاتب الكبير بشير الديك قال لى إن أول ما لفت نظره فى القصة هو مسألة سفر ذلك الشاب وهو لا حول له ولا قوة، لا يعرف أى لغة، ولا يستطيع التعبير أو التواصل، لدرجة أنه طلب من أصدقائه كتابة كروت عليها بعض العبارات دائمة الاستخدام، لكننى أضفت على القصة شخصيات الأب ومهنته منجد، والأم والعلاقة بينهما.

بدأ بشير الديك فى كتابة السيناريو والحوار للفيلم، وكان ما يعنيه هو عمل بناء درامى ذى قيمة، وبعد الانتهاء من كتابة السيناريو تم ترشيح أحمد زكى، بعد نجاحه الساحق تليفزيونيًا بمسلسل «الأيام» للمخرج الكبير يحيى العلمى، ورشح المخرج عاطف سالم الوجه الجديد وفاء رحال لدور «هيلجا»، وأعطاها اسمه لتصبح «وفاء سالم».

كان عاطف سالم يود أن يقوم بتصوير أحداث الفيلم فى اليونان، لكنه غير رأيه فيما بعد وقرر أن يسافر إلى ألمانيا لتصويره، قبل أن يكلف الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى بكتابة الأغنيات والموسيقار جمال سلامة بوضع الموسيقى التصويرية والألحان، وقام الملحن باختيار المطرب الشاب آنذاك أحمد إبراهيم لغنائها.