من الصادق المهدى إلى البشير.. علاقات سرية متداخلة بين الخرطوم وتل أبيب

بوابة الفجر
Advertisements
اتفاقية سلام حديثة وتاريخ قديم فى الخفاء

كان البشير يأمل فى أن يتمكن نتنياهو والمنظمات اليهودية من تطهيره من جرائمه

وصفت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية اللقاء الذى جمع بين رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو وعبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالى فى السودان فى شهر فبراير الماضى بأوغندا، بأنه مجرد فصل آخر فى التاريخ المعقد للبلدين.

1- البداية

حسب الصحيفة الإسرائيلية تمت كتابة الفصل الافتتاحى فى ذلك التاريخ فى النصف الأول من الخمسينيات، وقتها كان السودان يتفاوض بشأن استقلاله عن الحكومة البريطانية والمصرية المشتركة التى حكمت منذ عام 1899.

وكان حزب الأمة المعارض فى السودان يخشى من أن الرئيس المصرى الراحل جمال عبد الناصر فى ظل أيديولوجيته العروبية وطموحاته لقيادة إفريقيا والعالم العربى سوف يحاول عرقلة استقلال السودان بالتنسيق مع القوميين السودانيين الذين فضلوا الوحدة مع مصر.

وأضافت هاآرتس أن ممثلى الأمة بقيادة الصادق المهدى - الذى أصبح بعد 30 عاما رئيس وزراء السودان - التقوا سراً فى لندن مع دبلوماسيين إسرائيليين من بينهم مردخاى جازيت، السكرتير الأول لسفارة لندن، وسعى المبعوثون السودانيون للحصول على مساعدة دبلوماسية، وإذا أمكن اقتصادية من إسرائيل، العدو اللدود لمصر.

وفى يناير 1956 حصل السودان على استقلاله واعترفت به كل من المملكة المتحدة ومصر، وتم نقل مهمة الحفاظ على العلاقات السرية بين السودان وإسرائيل والتى استمرت لبضع سنوات من وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى الموساد.

منذ البداية، لعب نسيم جاون، وهو رجل أعمال إسرائيلى سويسرى مولود فى السودان، دورا مهما فى تسهيل العلاقات بين إسرائيل والسودان، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية. واستفادت إسرائيل على مر السنين من استثمارات جاون وخبرته فى مجال السياحة والفندقة.

2- عدو عدوى

انقطع شهر العسل فى العلاقات بين البلدين فى نهاية الخمسينيات بالانقلاب العسكرى - واحد من عدة انقلابات قادمة - حول السودان إلى خصم لإسرائيل، حتى إن السودان أرسل وحدة عسكرية صغيرة لمساعدة مصر فى حرب الأيام الستة فى يونيو 1967، ولم تكن هناك تعاملات ثنائية ولا حتى سرية خلال العقد التالى.

مع وضع هذا الواقع فى الاعتبار، طبقت إسرائيل القول المأثور القديم بأن عدو عدوى صديقى، وبدأت العمل على بناء علاقات سرية مع القوى المعارضة للحكومة السودانية، وتسلل عملاء الموساد بقيادة دافيد بن أوزييل، المعروف باسم «طرزان» إلى السودان فى عام 1969، وكانت مهمتهم مساعدة قبائل جنوب السودان التى تقاتل ضد الحكومة المركزية فى الخرطوم.

3- عملية الأخوة

انتهت الحرب الأهلية فى السودان فى منتصف السبعينيات، لكنها لم تكن نهاية دور إسرائيل فى السودان، وبتعليمات من رئيس الوزراء مناحيم بيجن قام الموساد وأفراد البحرية الإسرائيلية بتهريب اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل، وتم ابتكار خطة جريئة من مرحلتين لعب فيها السودان دورا رئيسيا.

المرحلة الأولى بين عامى 1977 و 1980 وتحمل الاسم الرمزى «عملية الأخوة» واستخدمت فيها القوارب الإسرائيلية لتهريب اليهود الإثيوبيين الذين تم انتشالهم من ساحل البحر الأحمر فى السودان لتعزيز العملية، وقام الموساد بتسجيل شركة واجهة فى أوروبا أعادت بناء منتجع غوص لم يعد له وجود، مع تنكر عملاء الموساد كمدربين للغوص، وكان المنتجع بمثابة مركز قيادة وتحكم، وبهذه الطريقة تم إحضار 17500 يهودى إلى إسرائيل- ومع ذلك تم تنفيذ هذه الخطة على نحو بطيء.

ولذلك فى عام 1981 وفى محاولة لتقوية العلاقات مع السودان، دخل وزير الدفاع آرييل شارون سراً إلى كينيا لكى يلتقى مع الزعيم السودانى الجنرال جعفر النميرى، وقام شارون بمساعدة رجل الأعمال الإسرائيلى يعقوب نمرودى، والعميل السابق فى الموساد ديف كيمتشى، والملياردير السعودى عدنان خاشقجى (الذى يتصرف بشكل شبه مستقل عن السلطات السعودية)، بالتخطيط لتحويل السودان إلى مستودع للأسلحة المخصصة للإطاحة بآية الله الخمينى فى إيران.

واعتمدت الخطة على قيام إسرائيل بإرسال أسلحة إلى السودان بتمويل من خاشقجى (حصل كل من خاشقجى ونمرودى على عمولات جيدة) وحصل النميرى على مكافأة سخية، وكان الهدف إعادة حكم الشاه فى إيران حيث سيتم تنصيب ابن الشاه المخلوع حاكما جديدا لإيران، وكان الهدف الآخر هو تحويل بعض الأسلحة لإثارة تمرد فى تشاد يسفر عن حكومة صديقة لإسرائيل، لكن شارون والمتآمرين معه كانوا يتحركون من وراء الموساد، وعندما علم رئيسا الموساد إسحاق هوفى وناحوم أدمونى بالخطة اشتكوا أولاً إلى بيجن ثم أوقفوا العملية.

4- عملية موسى

بعد ثلاث سنوات فى عام 1984 أثبت الموساد قوته مرة أخرى، وقرر أن يتكيف مرة أخرى مع طريقة العمل لتنظيم هجرة يهود إثيوبيا، وبفضل الرشاوى التى تم تقديمها لكل من الزعيم السودانى الجنرال جعفر النميرى ورئيس جهازه الأمنى عمر أبو طيب اتفقا على غض الطرف. وساهمت الثلاثين مليون دولار التى تبرعت بها لجنة التوزيع المشتركة الأمريكية، أكبر منظمة رعاية يهودية عالمية فى إنشاء مرحلة جديدة فى عملية تهريب يهود إثيوبيا ليلاً إلى مطار الخرطوم، ونقلتهم شركة «ترانس أوروبا ايرويز» إلى إسرائيل عبر بروكسل، وكانت الشركة مملوكة لجورج جوتلمان، وهو يهودى بلجيكى كان أكثر من سعيد لمساعدة الموساد، وكان إفرايم هليفى، الذى أصبح فيما بعد رئيس الموساد هو المسئول عن هذه العملية التى حملت اسم «عملية موسى».

5- مغازلة البشير

وسرعان ما حدث انقلاب عسكرى آخر فى الخرطوم وأتى بالچنرال عمر البشير إلى السلطة فى عام 1989، وبتأثير عميق من حسن الترابى سيطر الثنائى على السودان وحوله إلى حكومة دينية عسكرية، ووجد أسامة بن لادن ملاذاً له فى السودان من عام 1990 إلى عام 1996، وأقام السودان علاقات قوية مع إيران، وكانت النتيجة أن السودان سمح باستخدام أراضيه كنقطة عبور ومنشأة تخزين للأسلحة التى يهربها فيلق القدس الإيرانى إلى حماس فى غزة.

لكن فى النهاية تضاءل انجذاب البشير لإيران، وهو الأمر الذى انبثقت معه بذور علاقة متجددة مع إسرائيل، بعد أن أعلنت المحكمة الجنائية الدولية الجنرال البشير مجرم حرب لدوره فى ارتكاب إبادة جماعية فى إقليم دارفور وجنوب السودان، وبدأ البشير فى مغازلة إسرائيل، وكانت لديه أسباب مناسبة للغاية: كان يأمل أن يتمكن نتنياهو والموساد من الاستفادة من النفوذ السياسى لـ AIPAC والمنظمات اليهودية الأمريكية لتطهيره من جرائمه، وإعادة تأهيل سمعته، مقابل إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.