عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب: وداعًا الجامعات الخاصة أهلاً بالجامعات الذكية

Advertisements
الجامعات الذكية دورها تجهيز كوادر مؤهلة ومدربة توافق سوق العمل المحلى والإقليمى والدولى وستظل مسئولة عن طلابها للحصول على وظيفة تناسب ما درسه

المسافة الشاسعة بين الدراسة الجامعية والوظائف المتاحة تهدر 65 مليار جنيه تنفق على التعليم الجامعى

بطالة الحاصلين على الماجستير والدكتوراه تفضح تخلف الجامعات عن تغيرات سوق العمل

كانت المائدة عامرة بشخصيات شهيرة لها تاريخ متميز فى الجامعة والوزارة والسياحة والصناعة والصحافة والحياة العامة.

شكلت هذه المجموعة أول مجلس أمناء لجامعة الملك سلمان التى شيدت مبانى كلياتها فى شرم الشيخ والطور ورأس سدر وشرفت باختيارى عضوا فيه.

سجلت الجامعة لنفسها السبق فى دخول عصر الجامعات الذكية لتلحق بها جامعة الجلالة وجامعة المنصورة الجديدة وجامعة العلمين.

نفذت كل الشروط الصعبة التى تضمن وصول الجامعة إلى المرتبة الذكية لتتنافس بين مثيلاتها فى الخارج على ترتيب عالمى متقدم.

كان على الجامعة وهى تضع برامجها وتختار أساتذتها وتستقبل طلابها أن توازن بين التعلم والتعليم.. بين المعرفة والمهارة.. بين الدراسة والوظيفة.

أكثر من ذلك سيكون على الجامعة إعداد وتجهيز كوادر مؤهلة ومدربة ومتوافقة مع سوق العمل المحلى والإقليمى والدولى.

والمقصود أن الجامعة لن تنسى الطالب بعد تخرجه.. بل ستظل مسئولة عنه حتى يحصل على وظيفة مناسبة لا تخاصم الدراسة التى أتمها وإنما تتوافق معها وتدعمها.. والمؤكد أنه تحدٍ صعب اجتيازه.. إلا إذا ساهمت البيئة المحيطة بالجامعة فى وضع المناهج الدراسية.. وهو ما حدث فى جامعة الملك سلمان.

لن تقبل الجامعة بأن يكون مصير خريجيها مثل مصير خريجى الجامعات الأخرى.. خريج زراعة يعين موظفا فى الأوقاف.. خريج حقوق يراجع حسابات مصنع أحذية.. خريج آداب يعمل فى محطة وقود.. خريج علوم يقود سيارة أجرة.

وتكشف هذه الظاهرة المؤلمة عن المسافة الشاسعة بين الدراسة الجامعية والوظائف المتاحة مما يهدر المليارات التى تنفق على التعليم الجامعى (65 مليار جنيه) وغالبا ما ينسى الخريجون ما تعلموه إلى جانب زيادة المنضمين سنويا إلى ما يسمى البطالة المتعلمة.

ولو كانت البطالة الجاهلة تقنع بأساليب متواضعة للحصول على لقمة العيش بيع مناديل الورق أو عقود الفل لراكبى السيارات مثلا فإن البطالة المتعلمة لن تقبل إلا بوظيفة لائقة ولو لم تكن مناسبة لتخصصها وإذا لم تحصل عليها انضمت إلى رصيد الغضب.

ولعل رصد حجم البطالة بين الحاصلين على الماجستير والدكتوراه يزيد من قسوة الظاهرة ولكنه يكشف عن ظاهرة أخطر: تخلف الجامعة عن التغيرات التى تحدث فى سوق العمل.

والجامعة الأهلية لا تهدف إلى الربح وتضخ ما تحقق من عوائد فى رأسمالها لتطوير المناهج وخدمة المجتمع ورعاية الطلاب وزيادة منح المتفوقين منهم.

ليست الجامعة الأهلية جامعة خاصة.. الجامعة الخاصة لا تهدف إلا للربح.. وتحصل عليه من جيوب الطلاب بوسائل مبتكرة لم يفطن إليها شيطان بعد.

إن التعليم بالنسبة إليها يحقق عائدا ربما لا تحققه تجارة المخدرات بينما التعليم بالنسبة للجامعات الأهلية مهمته تفجير الطاقات وتطوير المواهب وامتلاك مهنة ومواصلة البحث العلمى فى معاملها ومدرجاتها لتحسين الحياة.

صممت جامعة الملك سلمان تصميمًا يتوافق مع المبادئ الحاكمة للجامعات: التمييز.. الابتكار.. التكامل.. الجودة.. الشفافية.. التنمية الذاتية.. احترام القيم والتنوع.. المسئولية الاجتماعية والأخلاقية والمدنية.. النزاهة.. واستمرار التعليم مدى الحياة.

إن الثورة الهائلة فى المعرفة تأتى كل يوم بمعلومات جديدة تفرض استيعابها وإلا كان التخلف مصيرا محتوما.. والشهادة الجامعية مهما كان مستوى حاملها سرعان ما تفقد قيمتها إذا لم يلاحق الجديد فى تخصصه.

فى بريطانيا مثلا يفقد الطبيب رخصة مزاولة المهنة إذا رسب فى الامتحانات التى عليه اجتيازها كل خمس سنوات للتأكد من أنه يتابع الجديد فى وسائل العلاج مما يعنى أن للشهادة الجامعية صلاحية يمكن أن تفقد إذ بقيت على حالها.

ولا تتوقف وظيفة الموارد البشرية فى الشركات العامة والخاصة عند اختيار أعضاء جدد ينضمون إليها وإنما عليها التأكد من أنهم يستوعبون الجديد فى تخصصاتهم يوما بعد يوم وإلا وجدوا رسالة شكر مرفقًا بقرار الاستغناء عنه.

ستوفر جامعة الملك سلمان المصادر الإلكترونية فى المعرفة للطلاب والخريجين ولضمان قصر الخدمة عليهم خضعوا لنظام التعرف على الوجوه ونظام التعرف على الأصوات ليوقنوا بأن الجامعة لم تعد سبورة وكتاب وحفظ مقررات صماء سرعان ما تتبخر من العقول تاركة وراءها مساحة شاسعة خالية من المعرفة الضرورية للتطور.

أكثر من ذلك صممت مبانى الجامعة لتمكين الطلاب من استخدام تكنولوجيا المعلومات وربطت نفسها بشبكات المعلومات المحلية والأكاديمية والعالمية ليسهل على الطلاب تلقيها على أجهزة الهواتف الشخصية الذكية التى يحملونها.

وعند اختيار التخصصات فى الجامعة وضع المجتمع الملاصق لها فى الاعتبار.. ضمت الجامعة كليات تفيد البيئة المحيطة مثل كلية الزراعة الصحراوية وكلية علوم البحار وكلية السياحة والضيافة إلى جانب كليات تقليدية مثل العمارة والصناعات التكنولوجية والإعلام والاتصال والألسن والطب والصيدلة.

وتختلف كليات الجامعة فى برامجها الدراسية ولكن هناك مواد إجبارية سيدرسها الطالب مهما كان تخصصه مثل مهارات اللغة العربية والتذوق الأدبى والتفكير النقدى والبحث والتحليل وحقوق الإنسان إلى جانب تدريبه على اكتساب المهارات الثقافية ومتابعة القضايا المعاصرة.

لن يكتفى طالب الطب بالتشريح ولن يكتفى طالب الألسن بالقواميس ولن يكتفى طالب الزراعة بالنباتات ولن يكتفى طالب التكنولوجيا بالكمبيوتر بل سيكون عليهم استيعاب العلوم الإنسانية المختلفة التى تكمل بناء شخصية الطلاب ليتقبل الآخر ويعرف كيف يعبر عن نفسه وليجيد التعامل مع فئات وطبقات المجتمع بلا تعصب وبلا تشدد وبلا غطرسة.

إن آفة قيادات التطرف فى تنظيمات الإخوان والجماعات المسلحة أنهم تخرجوا فى كليات عملية مثل الطب والهندسة والصيدلة والطب البيطرى.. تصوروا أن الحياة معادلات حادة صماء.. وأنهم يملكون الحقيقة المطلقة.. ولو درسوا علوما إنسانية لنجو بأنفسهم من الجمود ولتقبلوا الآخرين وسعوا للتفاهم معهم بالحوار لا بالنار.

لن أنسى الدكتور مجدى يعقوب وهو يقول لى: إن هواية ترتيب الزهور جعلته يحترم الحياة واحترام الحياة جعله يقاتل فى غرف العمليات ليعيدها من جديد لمن حاولت الفرار منه.

وسيكون لمجموع الطالب فى شهادة الثانوية العامة اعتبارا يصعب تجاهله ولكن سيضاف إليه اختبار عام وضمان إجادة اللغة الإنجليزية حتى يوفى شروط القبول فى الجامعة.

أما الاختيار الأصعب فكان اختيار أعضاء هيئات التدريس فى الجامعات الذكية.. تقدم 65 ألف عضو هيئة تدريس من الداخل والخارج.. أختير منهم 450 فقط.

كانت معايير الاختيار شديدة الصعوبة أهمها المؤهلات الأكاديمية ومعرفة البيئة المحيطة والقدرة على تمثيل الجامعة والخبرات الدولية وموهبة القيادة وسرعة التواصل.. رصدت هذه المعايير فى استمارات صممت ببراعة أعقبها سماع المترشحين فى لجان خاصة.

والحقيقة أن ليس فى مصر جامعات أهلية بالمعنى الدقيق للكلمة سوى الجامعة الفرنسية وجامعة النيل وجامعة زويل لكن أعداد الطلاب فيها لا يذكرون بل إن أعداد الطلاب فى الجامعات الخاصة لا تزيد على ستة فى المائة من جملة طلاب الجامعات.

والمؤكد أن وجود جامعة أهلية ذكية سيحرج الجامعات الخاصة ويفرض عليها إما التغيير أو التدمير.

ولا شك أن فى كل جامعة خاصة مجلس أمناء يمنحه القانون سلطات الرقابة عليها ولكن بعض المجالس الخاصة باعت ضمائرها مقابل مكافآت مغرية لأعضائها.

تجنبت جامعة الملك سلمان ذلك العار واعتبرت عمل مجلس الأمناء عملا تطوعيا لا يتقاضى أعضاؤه مكافآت أو هدايا عينية ولا يشغلون مناصب فيها.

ورحب أعضاء المجلس بلا استثناء بذلك.. دون مبالغة أحسوا أنهم فى مهمة مقدسة ستعيد للتعليم الجامعى اعتباره عليهم القيام بها دون تردد لرد الجميل لوطن منح كلاً منهم مكانة متميزة.

فى المجلس خمسة وزراء سابقين: مشيرة خطاب السكان وحاتم الجبلى الصحة وعلى الدين هلال الشباب ومحمد العرابى الخارجية وأشرف العربى التخطيط إلى جانب محافظ جنوب سيناء بصفته خالد فودة ورئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة صالح الشيخ ومستشار رئيس الجمهورية هانى عازر ورئيس أكاديمية البحث العلمى محمود صقر وممثل الحكومة المصرية بصفته محمد عبد الحميد شعيرة ونائب رئيس جامعة الشارقة للشئون الأكاديمية شريف صلاح الدين صدقى ورئيس الهيئة الهندسية إيهاب الفار ورجال الأعمال محمد أبوالعينين والمعتز الألفى وكامل أبو على والكاتب الصحفى عادل حمودة.

أصدر القرار الدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالى والبحث العلمى وهو من أفضل من تولوا المنصب ونجح فى سنوات قليلة فى إضافة جامعات حكومية جديدة وزيادة أعداد الكليات فى جامعات قائمة وساهم فى وضع الاستراتيجيات القومية للتوظيف والذكاء الصناعى ويسعى جاهدا للانتهاء من المشروع القومى لرفع كفاءة البنية التحتية المعلوماتية للجامعات.

والمؤكد أن مجلس الأمناء هو السلطة العليا فى الجامعة: يعين رئيس الجامعة ومراجعى الحسابات وإدارة أموال الجامعة ووضع قواعد استخدام الفائض واعتماد الموازنة السنوية واعتماد نظم الدراسة ووضع قواعد منح الدرجات الفخرية وقبل ذلك وضع السياسة العامة للجامعة والإشراف على تنفيذها.

إنها مهمة رفيعة المستوى لركوب قطار المستقبل لتغيير الحياة فى مصر.