الاقتصاد الفلسطيني يمر بأسوأ أزمة في ثلاثة عقود بسبب كورونا

بوابة الفجر
Advertisements
مطلع العام 2020، كانت فلسطين خارجة للتو من أزمة مالية سببها الاقتطاعات الإسرائيلية من عائدات الضرائب الفلسطينية (المقاصة) أدت إلى توقف تحويل هذه العائدات إلى الخزينة الفلسطينية لسبعة أشهر بين آذار وتشرين الأول 2019، لتواجه بعد ذلك تداعيات جائحة كورونا وتوقفاً جديداً لتحويل تلك العائدات، وحصاراً مالياً أميركياً - إسرائيلياً - إقليمياً وضعت الحكومة الفلسطينية أمام أسوأ أزمة مالية منذ قيام السلطة الوطنية عام 1994، امتدت هذه المرة شظاياها لتطال كل مفاصل الاقتصاد، بحسب وكالة الأنباء الأردنية "بتراء".

وكانت توقعات الجهاز المركزي للاحصاء في بداية العام، أن الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني سيتجاوز 16 مليار دولار في 2020، لكن مع دخول الجائحة، خفض "الإحصاء" توقعاته إلى 6ر13 مليار دولار، بانكماش 5ر13 بالمئة عن العام 2019.
وفقاً ليبانات الاحصاء، أيضاً، فإن نحو نصف مليون فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة فقدوا وظائفهم بسبب تداعيات الجائحة على الأنشطة الاقتصادية.
في آذار الماضي، ومع تسجيل أولى الإصابات بفيروس كورونا في فلسطين، بادر الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وفرضت الحكومة قيوداً صارمة على الحركة، وإغلاقاً شاملاً للأنشطة الاقتصادية لمدة شهرين، وأدى الإغلاق إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة من الجباية المحلية بمقدار النصف تقريباً، واستمر الانخفاض رغم تخفيف القيود تدريجياً اعتبارا من منتصف أيار.
فمن حوالي 150 مليون دولار معدل الجباية المحلية شهرياً في الأوضاع العادية، تراجع الاستهلاك بنحو 30 بالمئة بدءاً من آذار، لما بين 40 و80 مليون دولار شهريا في الأشهر التالية بسبب الجائحة.
وتعمقت الأزمة المالية بتوقف الحكومة الفلسطينية عن تسلم إيرادات المقاصة من إسرائيل اعتبارا من شهر أيار، إثر قرار الرئيس عباس في 19 من الشهر نفسه وقف كافة أشكال التنسيق مع إسرائيل رداً على خطط الأخيرة ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية في إطار الخطة الأميركية للحل المعروفة بـ"صفقة القرن"، لتجنب لقاءات بين لجان فنية من الجانبين.
ووفقاً لبيانات وزارة المالية، فقد أدت أزمتا المقاصة وجائحة كورونا إلى تراجع إجمالي الإيرادات بأكثر من 70 بالمئة، ورافق ذلك تراجع حاد في المساعدات الخارجية بمقدار النصف.
في الأشهر السبعة الأولى من العام 2020، تلقت الحكومة الفلسطينية دعماً خارجياً مباشراً للخزينة بحوالي 255 مليون دولار، منخفضة من نحو 500 مليون دولار في الفترة المقابلة من عام 2019.
ومن حوالي 267 مليون دولار إجمالي المساعدات العربية للحكومة الفلسطينية في الأشهر السبعة الأولى من عام 2019، تراجعت إلى 38 مليون دولار فقط في الأشهر السبعة الأولى من عام 2020، بانخفاض 85 بالمئة.
ومنذ شهر آذار، لم تتلق الحكومة الفلسطينية أي مساعدات من أي دولة عربية، حسبما تظهر بيانات وزارة المالية.
دفعت الأزمة المالية وشح المساعدات الخارجية، خصوصا العربية، الحكومة الفلسطينية إلى زيادة وتيرة الاقتراض المحلي، والبحث عن مصادر خارجية.
وفي نيسان، توصلت حكومة رئيس الوزراء محمد اشتية إلى اتفاق مع سلطة النقد الفلسطينية والبنوك على قرض مجمع من مصارف محلية بمقدار 400 مليون دولار، لترتفع مديونيتها للجهاز المصرفي لنحو ملياري دولار حتى نهاية تموز 2020.
وبوصول الحكومة إلى هذا السقف من الاقتراض من البنوك المحلية، بات من الصعب الحصول على المزيد من القروض المصرفية.
وقال مدير عام أحد البنوك في تصريح صحفي، "لم يعد بإمكان البنوك تقديم المزيد من القروض للحكومة في ظل حالة الغموض، سواء فيما يتعلق بعائدات المقاصة أو بتداعيات كورونا".
وأضاف مدير البنك، "تحملت البنوك الجزء الأكبر من عبء أزمتي المقاصة وكورونا، فإضافة إلى القروض المباشرة للحكومة، قامت البنوك بتأجيل أقساط المقترضين منذ شهر آذار حتى نهاية عام 2020"، وزاد "لم يعد بمقدور البنوك تحمل المزيد".
... وبالاضافة إلى ارتفاع الدين المحلي، فقد زاد الدين الخارجي الفلسطيني أيضاً من 2ر1 مليار دولار نهاية عام 2019 إلى أكثر من 4ر1 مليار دولار نهاية حزيران 2020، بسحب الحكومة الفلسطينية كامل قرض قطري بقيمة 250 مليون دولار وضعته الدوحة بتصرف فلسطين منتصف 2019.
تضاف القروض الخارجية ومن البنوك المحلية إلى تراكم المستحقات على الحكومة الفلسطينية لموردي السلع والخدمات من القطاع الخاص، وصندوق تقاعد موظفي القطاع العام.
فحتى نهاية شهر تموز، ارتفعت مستحقات القطاع الخاص على الحكومة إلى نحو ملياري دولار، من حوالي 2ر1 مليار دولار نهاية عام 2019، بحسب بيانات وزارة المالية الفلسطينية.
وبالإجمال، فقد ارتفعت المديونية العامة للحكومة الفلسطينية، النظامية وغير النظامية، من حوالي 5ر5 مليار دولار نهاية عام 2019، لتتجاوز 7 مليارات دولار نهاية حزيران 2020.
وإحدى الأدوات التي لجأت إليها الحكومة للتعامل مع الأزمة لأطول فترة ممكنة، خفض حاسم في الإنفاق، ومنذ أيار، خفضت رواتب الموظفين إلى النصف، إضافة إلى خفض النفقات التشغيلية بنحو 20 بالمئة وأوقفت التوظيف، والعلاوات، والترقيات، وأي قرارات ذات أثر مالي، فيما خفضت الإنفاق في بعض البنود إلى الصفر تقريبا كمهمات السفر وبعض الامتيازات الاخرى.
وكان لجائحة كورونا وأزمة المقاصة، تداعيات خطرة على القطاع الخاص الذي شهد تسريحاً لعشرات آلاف الموظفين، وارتفاعاً في معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، كما اضطرت بعض الشركات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، إلى إغلاق أبوابها والخروج من السوق لعدم توفر سيولة كافية لدفع رواتب مستخدميها، وتسيير أعمالها، سواء بسبب الارتباك الذي أحدثته الجائحة في أسواقها، أو لتراكم مستحقاتها على وزارة المالية.
بالإجمال، فإن نشاط الشركات انخفض بنسبة 78 بالمئة بسبب الإغلاق في أول شهرين من الجائحة (من اوائل آذار حتى منتصف أيار) وتراجع الاستهلاك بنحو 30 بالمئ، بحسب وزارة الاقتصاد، ومع الدخول في أزمة المقاصة ووقف التنسيق، انخفضت الواردات بنحو 10 بالمئة لحاجة بعض السلع إلى تنسيق مع الجانب الإسرائيلي لإدخالها.
وكانت بورصة فلسطين إحدى مفاصل الاقتصاد التي تأثرت بشكل واضح بأزمتي كورونا والمقاصة، ووفقا للرئيس التنفيذي للبورصة أحمد عويضة، فقد تراجع حجم التداولات بأكثر من 70 بالمئة هذا العام مقارنة مع العام 2019، وأنه خلال إفصاحات النصف الأول للشركات المساهمة الفلسطينية، وفقد مؤشر "القدس" الرئيسي أكثر من 15بالمئة من قيمته منذ بداية العام الجاري.
كما تراجعت أرباح الشركات المدرجة بنسبة 53 بالمئة إلى 77 مليون دولار فقط في النصف الأول من العام الحالي، من حوالى 163.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من العام الماضي.
وكان قطاع الاستثمار الأكثر تضرراً بتراجع أرباحه بنسبة 79 بالمئة مقارنة مع النصف الأول من العام 2019، تلاه قطاع البنوك بتراجع أرباحه بنسبة 56 بالمئة، ثم قطاع الخدمات بنسبة 50 بالمئة، وقطاع الصناعة بانخفاض بلغت نسبته حوالي 26 بالمئة، وقطاع التأمين بانخفاض طفيف بنسبة 5 بالمئة.
وألقى ضعف الإمكانيات لدى الحكومة وعجزها عن طرح حزم تحفيز للحفاظ على قدر من السيولة بالعبء كاملًا على الجهاز المصرفي، إذ قامت البنوك بتأجيل أقساط كافة المقترضين، الأفراد والشركات، لفترة 4 أشهر وتم تمديد الفترة لستة أشهر لقطاع السياحة الأكثر تضرراً من الجائحة، ومع انتهاء المدة مع استمرار تفشي الوباء، استحدثت المصارف أداة "جاري مدين مؤقت" مكنتها من تمديد فترة تأجيل أقساط القروض حتى نهاية العام، ومنعت هذه الخطوة سحب سيولة بمئات ملايين الدولارات من الأسواق.
يضاف هذا إلى رفع سقف اقراض الحكومة من نحو 6ر1 مليار دولار بداية 2020 إلى ملياري دولار.
وضمن إجراءات توفير السيولة للأنشطة الاقتصادية، خصوصا المنشآت الصغيرة والمتوسطة، أطلقت سلطة النقد الفلسطينية صندوقاً لتوفير قروض ميسرة لهذه الشركات؛ لتمكينها من توفير جزء من روتب موظفيها، والحفاظ على مستوى من النشاط التشغيلي الى حين مرور الجائحة، قابله صندوق آخر موّل بتبرعات من القطاع الخاص ورجال الأعمال، جمع نحو 30 مليون دولار، أنفقت على شكل مساعدات نقدية مباشرة لعشرات الآلاف ممن فقدوا وظائفهم وللأسر الأكثر تضرراً من الجائحة.
ومنذ إعلان الحكومة الفلسطينية وقف العمل بالموازنة العادية وتحولها للعمل بخطة نقدية/موازنة طوارئ، في نيسان الماضي، قالت وزارة المالية إن التدفقات النقدية بمستواها في ظل أزمتي الجائحة والمقاصة، تمكنها من صرف الرواتب بنسبة 50 بالمئة حتى نهاية العام 2020، ومع تضاؤل قدراتها يوما بعد يوم، وغياب أي أفق لانتهاء الجائحة أو أزمة المقاصة في المدى المنظور، فإن وضعا ماليا غامضا بانتظار الحكومة الفلسطينية مطلع العام المقبل 2021.