"العلاقات مع إسرائيل".. التناقض التركي بين المتاجرة والواقع

بوابة الفجر
Advertisements

في الوقت الذي يهاجم فيه النظام التركي معاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل والتي حققت انفراجة في القضية الفلسطينية، تناسى رجب طيب أردوغان أن بلاده كانت من أوائل الدول التي تعترف بدولة الاحتلال وبدأت علاقات رسمية معها عام 1949 حيث رفرف العلم فوق مبنى سفارتها في تل أبيب.

 

تناقضات أنقرة الحليف القوي لتل أبيب وصاحبة العلاقات التجارية والاقتصادية معها، تظهر دوما متاجرة تركيا بالقضية الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية، لا سيما على صعيد الرأي العام العربي والإسلامي، سعيا وراء اكتساب مكانة زائفة، لم تقدم في الواقع ما يبرهن على ذلك.

 

ومع كشف إسرائيل خطتها لضم أراض من الضفة الغربية، انكشفت عورات تركيا أمام المجتمع الدولي فلم تقدم ما يضمن حق الفلسطينيين في أراضيهم أو يمنع فعليا قرارات الضم كما أنجز الاتفاق الإماراتي.

 

ومع الإعلان عن معاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل، جن جنون أردوغان حد الهذيان وتمتم بكلمات لا يصدقها عقل حول تعليق العلاقات مع الإمارات، فيما على الصعيد الآخر يمتن علاقاته السياسية والاقتصادية وحتى الصحية مع إسرائيل.

 

7 عقود من العلاقات 


وانطلقت العلاقات التركية الإسرائيلية عام 1949، ولم تتأثر بتولي حكومة العدالة والتنمية الإخوانية مقاليد الحكم في تركيا عام 2002.

 

ليعمل الحزب بقيادة أردوغان على تعزيز الاتفاقات السابقة مع إسرائيل، غير آبه بتناقض خطابه الذي يظهر حماسه للقضية الفلسطينية، ويبطن تعزيزا للتجارة والعلاقات العسكرية مع تل أبيب.

 

ولم يقتصر تعاون أردوغان مع إسرائيل على الاتفاقيات السابقة لينقل العلاقة إلى مرحلة "الاستراتيجية"، فحتى مسرحيته بالانسحاب من قمة دافوس في 2009، لم تؤثر على الاتفاقيات العسكرية بين البلدين، والتي تجعل من إسرائيل المورد الأول للأسلحة بالنسبة لتركيا.

 

تعاون عسكري  


تركيا التي تُعد ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تحتضن أكبر مصانع أسلحة للجيش الإسرائيلي، زادت التعاون العسكري مع تل أبيب منذ الاحتلال التركي لشمال جزيرة قبرص عام 1978، والذي أدى إلى عقوبات أمريكية أوروبية على قطاعها العسكري واعتمدت أنقرة آنذاك على الجانب الإسرائيلي في تحديث الجيش.

 

وظلت الاتفاقيات العسكرية التي بدأت بـتحديث (F - 4) فانتوم تركيا وطائرات (F - 5) بتكلفة 900 مليون دولار، مرورا بترقية إسرائيل لـ170 من دبابات M60A1 لتركيا مقابل 500 مليون دولار، قائمة، وصولاً للاتفاق الذي يقضي بتبادل الطيارين العسكريين بين البلدين 8 مرات في السنة.

 

هذا الاتفاق الذي يعمل على تدريب وصقل قدرات الطيارين الإسرائيليين ليصوبوا على رؤوس الفلسطينيين بدقة، في تناقض مربك لموقف الرئيس التركي وحزبه تجاه القضية الفلسطينية.

 

ثاني ناقل جوي في إسرائيل 


وفي مايو الماضي، ضمن أحدث مؤشر على التقارب بين تركيا وإسرائيل، حطت طائرة تابعة للخطوط الجوية الإسرائيلية في مطار إسطنبول، لأول مرة منذ عشر سنوات إبان اقتحام سفينة "مافي مرمرة" ومقتل أتراك.

 

لكن ما لا يعرفه كثيرون هو أن الرحلات الجوية لم تنقطع بين البلدين، لأن الخطوط التركية تسير ما يقارب عشر رحلات يومية بين إسطنبول وتل أبيب، إضافة إلى رحلات الشحن.

 

وتشير بيانات الملاحة إلى أن شركة الخطوط التركية هي ثاني ناقل جوي في إسرائيل بعد شركة "إل عال" الإسرائيلية، وحتى عندما توترت العلاقات "ظاهريا" بين البلدين لم تنقطع هذه الصلة الوثيقة.

 

تبادل تجاري  

 

حيث تعتبر إسرائيل واحدة من أهم 5 أسواق تسوّق فيها تركيا بضائعها التي تقوم بتصديرها إليها.

 

فوفق صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، وصل حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى 6 مليارات دولار في 2019، علما بأنه كان أكثر بقليل من مليار دولار فقط عندما قدم أردوغان إلى الحكم.

 

ويقول المسؤولون الإسرائيليون والأتراك إنهم يطمحون لرفعه إلى 10 مليارات دولار في غضون السنوات الخمس المقبلة. 

 

دعم إسرائيل ضد كورونا وفي أبريل/نيسان الماضي، كشف وكالة بلومبرج الأمريكية عن شحنة مساعدات طبية من أنقرة إلى إسرائيل.

 

ونقلت الوكالة عن مسؤول تركي، لم تسمه، أن الحكومة صدّقت على شحنة معدات طبية تشمل أقنعة الوجه، وبدلات واقية، وقفازات معقمة لإسرائيل.

 

وأضاف أنه من المتوقع أن تحط ثلاث طائرات من إسرائيل بقاعدة إنجرليك الجوية لتسلم الشحنة.

 

بالأرقام.. تركيا لا تدعم الفلسطينيين

 

ورغم كل الأموال التي ينفقها النظام التركي على الترويج الإعلامي لخلق فكرة وهمية أنه يدعم القضية الفلسطينية والفلسطينيين أكثر من غيره، يأتي تقرير صادر عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التابعة لمنظمة الأمم المتحدة ليسقط كل الأقنعة، ويفضح المتاجرين بالفلسطينيين وقضيتهم.

 

ويرصد التقرير الذي صدر قبل عامين أهم المتبرعين والداعمين للفلسطينيين واللاجئين منهم على مستوى العالم، ومن بين أهم 20 داعما ومتبرعا لا يظهر اسم تركيا ولا قطر ولا إيران على الإطلاق.

 

ولكن يمكن بوضوح رؤية اسم المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة.

 

وحتى في قائمة أكبر 20 داعما "غير حكومي" للاجئين الفلسطينيين عالميا، اختفت أسماء قطر وتركيا وإيران، بينما يمكننا رؤية اسم بنك التنمية الإسلامي في جدة بالمركز الثاني على مستوى العالم، وجاء بعده الهلال الأحمر الإماراتي.

 

نشاطات تركية في تل أبيب 


وعلى الرغم من التصريحات التي يصدرها مسؤولون أتراك، على رأسهم أردوغان ضد إسرائيل، إلا أن سفارة أنقرة في تل أبيب لا تتوقف عن تنظيم الفعاليات التركية هناك.

 

فمن معرض للأثاث تنظمه وزارة الاقتصاد التركية في تل أبيب، إلى احتفال السفارة بـ"اليوم التركي" في القدس الغربية، وصولا إلى الاحتفال بعيد "الحانوكاه" اليهودي، يظهر التناقض الكبير بين الأقوال التي يطلقها الأتراك وعلى رأسهم أردوغان، وبين الأفعال على الأرض.

 

نوايا خبيثة 


أردوغان الذي لطالما اكتفى بالصياح في دعم الفلسطينيين لا يتوانى كذلك عن تعميق هوة الانقسام في صفوفهم عبر الدعم المستمر لحركة "حماس"، وتجاهل التعامل مع السلطة الفلسطينية، إلى جانب تعزيز التبادل التجاري والعسكري مع عدوهم الذي يحتل أرضهم.

 

ولا تنفصل لعب أردوغان بالقضية الفلسطينية والتي وصفها وزير الاستخبارات والمواصلات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في حديثه لصحيفة "معاريف" العبرية في سبتمبر الماضي بـ"فريمني" أي الصديق العدو، عن طموحه بالسيطرة على المنطقة العربية على أجنحة تنظيمات الإسلام السياسي المنبوذة.

 

فالوزير الإسرائيلي يشير إلى أنهم لا يأبهون لعنتريات أردوغان ضدهم خلال وسائل الإعلام، طالما أنها لا تمنعه من جعل حجم التجارة عبر حيفا نحو 25% من تجارة تركيا مع دول الخليج العربي.

 

ويشير إلى أن إسرائيل تتعايش مع أردوغان، بالرغم من مسرحياته، وهي تعي أنه يعتبر نفسه قائد الإخوان المسلمين بالعالم ويحاول أن يقود العالم الإسلامي.

 

كما أن خطابات أردوغان الشعبوية بخصوص القضية الفلسطينية لا تختلف كثيرا بحسب محللين عن هتافات جماعة الإخوان الإرهابية التي يرعاها أردوغان ممنيا نفسه بخلافة ووهم عودة الماضي.

 

وكذلك اقتصار الدعم التركي في عهد أردوغان على حركة "حماس"، واستضافة أنقرة لتجمعات الإرهابيين المطلوبين وإنشائها لإذاعات ومحطات بث تلفزيونية للتبشير بمشروع الإخوان القائم على هدم الدولة الوطنية الحديثة، يماثل في هتافيته مواقف أردوغان الارتجالية بخصوص العلاقة مع إسرائيل، في أي من هذه النقاط يحتشد بآلاف التناقضات.

 

دعم إماراتي لفلسطين متعدد الاتجاهات على النقيض، لا تدخر الإمارات جهدا في الارتقاء بمعيشة الفلسطينيين بشتى الوسائل والطرق وفي جميع الاتجاهات سواء كانت دبلوماسية أو سياسية أو اجتماعية.

 

الإمارات داعم دائم لحقوق الشعب الفلسطيني في استعادة حريته وإنهاء الاحتلال لأرضه، وهي كذلك تدعم صموده من خلال المساعدات المالية والإنسانية، كامتداد بديهي لمواقف خالدة أرسى لبنتها الوالد القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تزدان بها مجلدات التاريخ وتفتخر بها أجيال البلدين.

 

الدعم الإماراتي حاضر دائما في تفاصيل حياة الفلسطينيين ويومياتهم، كامن بين الأحياء والمنشآت السكنية والمساجد في غزة والقدس والضفة الغربية، تترجمه مواقف إماراتية أزلية تختزل قيم الأخوة والتضامن والعروبة.

 

فالإمارات دائما ثابتة على مواقفها لعودة الحق الفلسطيني لأصحابه ورفض أي حلول مجتزئة، فالقضية الفلسطينية هي قضية الإمارات الأولى، وستظل كذلك حتى حصولها على جميع حقوقها المشروعة، وعلى رأسها إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس.

 

أكبر 10 دول داعمة 


وتحتل الإمارات المرتبة الرابعة بين أكبر 10 دول داعمة ماليا لدولة فلسطين منذ قيام السلطة الفلسطينية عام 1994.

 

واستناداً إلى معطيات المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار "بكدار"، التي اطلعت عليها "العين الإخبارية"، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة قدمت مساعدات بقيمة 2 مليار و104 ملايين دولار أمريكي للشعب الفلسطيني منذ قيام السلطة الفلسطينية.

 

وتتفاوت هذه المساعدات ما بين دعم لميزانية السلطة الفلسطينية ومشاريع بنية تحتية دون أن تشمل هذه المعطيات مئات ملايين الدولارات التي قدمتها الإمارات العربية المتحدة للفلسطينيين من خلال وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

 

ووفق الأمم المتحدة فإن الإمارات إضافة إلى كونها واحدة من أكبر الجهات المانحة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فإنها ساهمت بأكثر من 828.2 مليون دولار من 2013 إلى أبريل/نيسان 2020 لتمويل مختلف القطاعات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

جائحة كورونا

 

وفي ظل أزمة فيروس كورونا الذي اجتاح العالم كله، لم تنس الإمارات الدولة الفلسطينية في محاولة لاحتواء وباء "كوفيد-19" على أراضيها والحد من انتشاره.

 

وأرسلت الإمارات دفعتين من المساعدات إلى فلسطين كانت الأولى في أبريل/نيسان الماضي والأخرى في مايو/أيار.

 

وفي 21 أبريل الماضي، وصلت قافلة من المساعدات والطرود الصحية، الممولة من دولة الإمارات، لمراكز الحجر الصحي في قطاع غزة؛ في إطار المساهمة في مكافحة فيروس كورونا.

 

وفي مايو، حلقت أجنحة الرحمة الإماراتية متخذة من فلسطين بوصلة وهدفا، مشحونة بقيم المحبة والإيثار وبـ14 طنا من المساعدات الطبية الطارئة، دعما لجهود فلسطين في معركتها مع فيروس كورونا.

 

إمدادات إماراتية تجسد وعودا لطالما قطعتها قيادات دولة الإمارات بدعم ومساندة والوقوف بجانب الشعب الفلسطيني ومطالبه المحقة.

 

مكاسب جمة 

إن معاهدة السلام بين الإمارات وإسرائيل، ورغم أنها تعد بداية لعلاقات ثنائية إلا أن المطلب الإماراتي الرئيسي لم يتمثل في مصلحة ذاتية لدولة الإمارات بل في وقف ضم الأراضي الفلسطينية، وإنعاش فرص حل الدولتين بعد أن وصلَ إلى مرحلة ميؤوس منها.

 

ووفق خبراء فإن العديد من المكاسب تحققت للفلسطينيين من وراء المعاهدة التي تكللت بإعلان إسرائيل وقف خطة ضم أراض فلسطينية كخطوة مهمة ومتقدِّمة لتعزيز “فرص السلام في منطقة الشرق الأوسط” وقطع الطريق على المتاجرين بالقضية.

 

من بين المكاسب إنقاذ 30% من الأراضي الفلسطينية وأكثر من 100 ألف فلسطيني كانوا معرضين للطرد وإنهاء 6 سنوات من الجمود، وبث الروح في المسار التفاوضي للوصول السلام العادل والشامل بعد نحو 3 عقود من المفاوضات غير ذات جدوى.

 

معاهدة السلام التي لاقت ترحيبا وإشادات عربية وعالمية مثلت خرقا دبلوماسيا دافعا باتجاه تحقيق السلام والاستقرار بالمنطقة، وضع نصب أعينه حقوق الفلسطينيين وطموحاتهم، التي ما انفكت دولة الإمارات في طليعة المدافعين عنها نضالا وعونا للشقيقة فلسطين.

شارك.. أسئلة التقييم الأولي لاحتمالية إصابتك بفيروس كورونا