د. رشا سمير تكتب: غياب الحرفية أم غياب الضمائر؟

مقالات الرأي




إذا كنت تريد أن تعيش عمرا مديدا سعيدا فى مصر، ابتعد عن الصنايعية!

نصيحة ربما قالها مفكر غلبان مجهول الهوية يعيش على أرض مصر من المؤكد أنه قضى عمره فى محاولات بائسة للحصول على خدمة جيدة فى مقابل نصف ما يدفعه من نقود!.

هذه ليست نكتة ولا محاولة استظراف، ولكنها حقيقة قاسية يعيشها كل المصريين على حد سواء..

نحن أمام أزمة حقيقية حين يأتى الأمر إلى تصليح شىء ما، أو الذهاب إلى توكيل أى سلعة، أو بالأدق التعامل مع صنايعى.

أنت فى كل الأحوال أمام معركة خاسرة إذا أردت أن تحصل فى مقابل الأموال التى تدفعها على نتيجة أو قيمة.. تبدأ القصة المعتادة بأن يحدث عطل بأى جهاز فى بيتك أو سيارتك أو تحاول لا قدر الله أن تجد صنايعى شاطر لتشطيب منزلك!.

تسأل بسلامة نية، فيدلونك الأصدقاء أيضا بسلامة نية عن شخص ما أو مكان ما، ومنذ أول جملة مع الصنايعى تشعر أنك أمام آينشتاين الإصلاح!.

فإن كنت تصلح سيارتك فهو طبعا خبير معتمد من شركة رولز رويس، وإن كنت تصلح تكييف منزلك فهو الذى قام بتركيب تكييفات القطب الشمالى فى أغسطس، وإن كنت تبحث عن نقاش فهو من أعاد طلاء قصر باكنجهام بعد العاصفة، وإن كنت تريد إصلاح رجل كرسى الأنتريه فهو نجار الملكة فريدة حين كانت تبحث عمن يصمم غرفة نوم دُخلتها على الملك فاروق!!.

أنا عادة ما أبدأ كلامى مع أى صنايعى بجملة واحدة محددة وهى: «أنا مستعدة أدفع اللى أنت عايزه بس أجى لك مرة واحدة» ويكون الرد الواثق: «طبعا يافندم حضرتك لازم تكونى مطمنة»!.

وينتهى الأمر بالإقامة ستة أشهر على الأقل فى الورشة بجانبه! أو فشل المحاولات الإصلاحية متبوعا بمصطلحات فى الفضاء الخارجى مثل: (أصل الجهاز لسه بيطبع/ أصل الدنيا حر جربى التكييف بالليل أحسن/ بُصى للرف المعووج من بعيد هتشوفيه مظبوط/ أصلى شاكك فى إن الخرطوم فيه تنميل)!..تبريرات واهية تدل ببساطة على الفشل الذريع ليس أكثر ولا أقل..

هل الأزمة هى أزمة ضمير أم أزمة عدم حرفية؟!

الحقيقة أن الأزمة هى أزمة كل شىء..أزمة عدم فهم، واستغلال، وغياب الضمائر، وعدم وجود قانون لمُحاسبة المخطئ..

وهنا يجب أن أشيد بجهاز يعمل بكفاءة فى مصر وهو جهاز حماية المستهلك، الذى تعودت أن ألجأ إليه فى الماضى دون أن يكون هناك أى نتيجة للشكاوى، لكن وبكل إنصاف بعد تولى اللواء/ راضى عبد العال رئاسة جهاز حماية خدمة المستهلك، تحول الجهاز بالفعل إلى مؤسسة وطنية تعمل بكفاءة لخدمة المواطن ومتابعة شكواه حتى يحصل الشاكى على حقه، برجوع نقوده، أو بتغيير السلعة بأخرى..وقد كان لى أنا شخصيا وبعض من معارفى عدة تجارب مع هذا الجهاز وقد قام د. راضى ومجموعة العمل بمتابعة الشكوى بكل اهتمام وكفاءة..

لكن على الصعيد الآخر، هناك فئة لا تخضع للجهاز ولا للقانون ولا لأى شىء سوى لضمائرهم الغائبة، مثل السباك والنجار والمقاول والميكانيكى وغيرهم من الفئات التى تتعامل مع المواطن بصفة ورشة أو دكان..

الصنايعى الشاطر فى مصر أصبح مثل السراب تراه بعيدا وتسمع عنه ولكن أبدا لا تصل إليه!..

فى وقت ما من تاريخ مصر كانت صناعة الزجاج، الخزف، النحاس، التطعيم بالصدف، القشرة، الخيامية، الحلى التراثية وغيرها من الحرف اليدوية هى المذاق المختلف لمصر وعلامة خاصة بشعبها المُبدع الصبور..ولازالت صناعة السجاد اليدوى فى الخيامية والحرانية تجذب الزبائن من كل دول العالم..

فى 19 يوليو الماضى، أطلق صندوق التنمية الثقافية مبادرة باسم «صنايعية مصر» بهدف تدريب الشباب على الحرف التراثية بالمجان..تلك المبادرة وآلاف غيرها هى الوسيلة الوحيدة للحفاظ على تراثنا وإمداد الحياة الصناعية بذوى مهارات خاصة.. وأنا من هُنا أدعو الدولة إلى وضع خطة واقعية لتوجيه طاقة الشباب إلى الحرف اليدوية، وعودة التعليم الصناعى بشكل يوازى التعليم الثانوى، ليس كل التعليم شهادة، وليس كل من حصل على شهادة يجب عليه الجلوس على مكتب أو العمل فى مؤسسة..نحن كدولة فى حاجة ماسة إلى تنمية المهارات الفنية.

لماذا لا يتم إنشاء أكاديمية للتعليم الفنى نزج فيها بكل المتسكعين فى الشوارع من شباب ممن يوجهون طاقاتهم للتحرش والمخدرات؟..لماذا بدلا من عقوبة الحبس للحدث فى الجنح الصغيرة يتم تحويله إلى التعليم الفنى الإجبارى فى أكاديمية داخلية يخرج منها شاباً نافعاً لمجتمعه؟..

الأفكار كثيرة وإمكانية الاستفادة من طاقات مهدرة وخلق يد عاملة محترمة عديدة..وأعتقد أن فخامة الرئيس كان قد تطرق لهذا الموضوع منذ سنوات..

فى الدول المتقدمة يتعامل المجتمع مع السباك والميكانيكى والكهربائى وحتى جامع القمامة باحترام له ولما يقدمه للمجتمع، فلا ينفرون منه ولا يسفهون من قدره، وله مكانه بين أفراد المجتمع إذا أحسن المظهر وأدى واجبه على أكمل وجه..

إذن للقضية شقان..شق يخص تعليم الشباب وشق يخص تعليم المجتمع بتقبله وضمه لمنظومة التطوير.. وفى النهاية المكسب لن يكون فردياً فقط بل سيعم على المجتمع بأكمله.