محمد مسعود
كتب
محمد مسعود

محمد مسعود يكتب: "الليل وآخره" حلم نور الشريف الذى حققه يحيى الفخرانى


ميزانية المسلسل 4 ملايين جنيه.. ونور يبكى بالدموع لضياع حلمه بسبب عمرو بن العاص 

المنتج محمود دهموش رفض تأجيل العمل للسنة التالية ورشح محمود عبد العزيز ومحمود حميدة ورباب حسين أصرت على يحيى الفخرانى 

عدم تركيز عمار الشريعى يهدى تيتر وموسيقى العمل إلى ياسر عبد الرحمن.. والمخرجة تشترط سماع صوت مى فاروق قبل الموافقة عليها

نور الشريف لعبد القوى: هموت بحسرة الليل وآخره يا محمد

ابنة المخرجة رباب حسين شعرت بآلام الوضع قبل تصوير مشهد يضم 23 ممثلاً وممثلة بساعات

بكاء يحيى الفخرانى كاد يعيد تصوير مشهد وفاة رحيم.. ومى فاروق غنت الأغنية فى ستوديو نحاس أثناء التصوير 

فردوس عبد الحميد ترفض دور زوجة رحيم لضآلة الأجر.. وسعاد نصر البديلة 

نور الشريف ورباب حسين ويحيى الفخرانى يطالبون المؤلف بنهاية سعيدة.. وعبد القوى: الحتمية الدرامية تفرض موت رحيم 

هدى سلطان تعطى نيرمين الفقى دروسًا خصوصية فى غناء الموالد وفاتن حمامة أدهشها مشهد موت الحاج عمران فى حلقة الذكر

حلمك المستحيل.. أملك المفقود.. حبك الضائع.. وجعك البعيد.. الذى أظلم فيك القلب.. وأطفأ الروح، حتما ستجده هناك.. إذا ما أخذت الخطوة ومررت إلى هذه البوابة.. بوابة محمد جلال عبد القوى التى تختلف أسماؤها باختلاف أعماله.. تسحبك كنداهة الأساطير.. من زمنك إلى زمنه.. ومن حلمك إلى حلمه.. ومن واقعك إلى خياله.. لنكتشف أننا قضينا زمنا.. لا يستهان به.. فوق أرض مهدتها أفكار هذا المبدع.. وبين سطوره.

وإذا ما قدر لك الخروج، والعودة إلى الواقع.. بعد أن تكسر أسوار إيهام فنه.. وسطوة موهبته.. ستخرج محملا بمشاعر متضاربة ومختلطة.. وذكريات قد هاجت فى رأسك.. وإنسانية أشرقت شمسها من جديد.. بين قلبك وضلوعك.

لكن أيا كان ما ستجده أو ستعانيه، فإن معاناتك لا تقارن، بمعاناة رحيم المنشاوى، ولا حبك الضائع وأملك المفقود.. يوازى حبه وأمله الضائع والمفقود فى مطربة الموالد حسنات.

حسنات التى أظهرت سيئات الأسرة وحجرها على عقل وقلب وحلم الشقيق الأكبر.. لتشرح لنا ملحمة الليل وآخره مآل حب.. عاش تحت أنقاض الجشع.. ومات عطشا للأمل.. منذ أن ركب رحيم قطاره عائدا إلى بلدته.. ليخوض رحلته الأخيرة بحثا عن الراحة.. ولم يعلم - كما لم نعلم - أنها راحته الأبدية التى تنتهى بنهاية رحلة الموت.

لم يفكر أحدنا، لماذا كتب محمد جلال عبد القوى هذه الملحمة، بتلك الكيفية.. لماذا مات رحيم فى النهاية؟.. ولماذا لم يتركه ليتزوج من حسنات على الأقل فى أيامه الأخيرة؟، هل ظلم محمد جلال عبد القوى بطل ملحمته الدرامية؟، أم ظلمنا كجمهور متعاطف؟.. أم أن الحتمية الدرامية كانت تقضى أن يموت رحيم؟.

الأسئلة لنا، والإجابة قالها المبدع محمد جلال عبدالقوي: ما تقوله الآن قالته من قبلك المخرجة الكبيرة رباب حسين وقاله الأستاذ يحيى الفخرانى ومن قبله أيضا قاله الأستاذ نور الشريف الناس هتزعل على رحيم، لكن المسلسل مكتوب منذ البداية ليصل إلى هذه الحتمية، رحيم يركب قطارا عائدا إلى أمه فى بلدته، وفى كل محطة من محطات القطار نستعرض محطة من محطات حياته، وعندما يصل فى نهاية الرحلة فقد وصل فعلا إلى النهاية.. ففى القطار كان جميعنا يشيع رحيم إلى قبره.. ونعيده إلى بلده ميتا.. وحتمية الدراما هى ما فرضت ذلك.

1- نور الشريف الترشيح الأول

فى الحقيقة لم أسأل الكاتب الكبير محمد جلال عبد القوى عن حقيقة ترشيح نور الشريف فى البداية قبل ترشيح الفنان الكبير والقدير يحيى الفخرانى الذى قدم الدور بمنتهى البراعة، لأننى كنت قد عرفت من مخرجة العمل الرائعة المتميزة رباب حسين هذه المعلومة وقالت لى بالحرف الواحد نور الشريف بكى لما ساب المسلسل.. ومات وهو زعلان من الدكتور محمود دهموش.

ولماذا ترك نور المسلسل من الأساس؟.. قالت المخرجة الكبيرة: كان ماضى قبله مسلسل عمرو بن العاص مع شركة الجابرى.. وكنا نحضر لبداية تصوير مسلسل الليل وآخره وطالبه المنتج الجابرى بأن يصور المسلسل، فحاول نور مع منتج العمل الراحل الدكتور محمود دهموش أن يؤجله للسنة التالية، لكن المهندس عبد الرحمن حافظ رئيس مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامى المشاركة فى إنتاج العمل رفض، كما رفض المنتج الدكتور محمود دهموش.. وطلب منى نور إخراج مسلسل عمرو بن العاص ثم التفرغ لمسلسل الليل وآخره لكن كانت قناعتى بأن لا أخرج عملاً تاريخيًا إلا من إنتاج جهة حكومية حتى يتم توفير ميزانية كبيرة له تسمح بخروج العمل بشكل جيد، وللعلم نور كان استعد فعليا لتقديم شخصية رحيم المنشاوى ودرس الحلقات التى كتبها الأستاذ الكبير محمد جلال عبد القوى، حتى كاراكتر الشخصية واكسسواراتها كان مرسوما فى رأسه.

2- العملاق القدير

وبعد تصوير المسلسل وعرض حلقاته، كان نور الشريف يشعر بحزن كبير على ضياع الدور، وبعد عرض إحدى الحلقات اتصل نور بالمؤلف محمد جلال عبد القوى، صديقه وقال له باكيا: أنا هموت بحسرة الليل وآخره يا محمد، ونور الشريف كما قال الأستاذ عبد القوى هو الذى رشح رباب حسين لإخراج العمل، وبعد أن قدر له أن يبدأ تصوير عمرو بن العاص، أرسلنا حلقات المسلسل للفنان الكبير الأستاذ يحيى الفخرانى، وعبقرية الأستاذ يحيى تكمن فى أنك من الممكن ألا تتصوره فى دور رحيم المنشاوى، وبعد أن شاهد محمد جلال عبد القوى ما قدمه فى العمل أكد أنه فاق تصوره، لأن الشخصية لها 3 أبعاد (نفسى وشكلى واجتماعى)، والمدهش أن يحيى الفخرانى تغلب بالبعد النفسى على الأبعاد الأخرى، فقدم الشخصية بشكل غير متصور وهذه عظمة وبراعة يحى الفخرانى فى تقمص الشخصيات.

قبل إرسال الحلقات للفنان الكبير يحيى الفخرانى حاول المنتج الدكتور محمود دهموش طرح أسماء أخرى لخلافة نور الشريف، رفضت رباب حسين أن تفصح عنها.

لكن بسؤال بعض المصادر علمت أنه رشح الفنان محمود عبد العزيز والفنان محمود حميدة، لكون الفنان يحيى الفخرانى كان قد خرج لتوه من تجربة جحا المصرى التى كانت رائعة فنيا لكنها لم تنجح جماهيريا.

المخرجة رباب حسين أكدت أنها قالت للدكتور دهموش: يحيى الفخرانى هيبقى عظيم فى دور رحيم، لكن هل هناك صعايدة بعيون ملونة وبشرة فاتحة لم تتشرب بالسمرة من الشمس، وطلبت من منتج العمل توفير سبل عمل زيارة للبلدة التى كتب عنها الأستاذ محمد جلال عبد القوى، وبالفعل وفرت جهة الإنتاج سبل الزيارة وسافرت رباب وقابلت عمدة البلدة.. واندهشت أول ما وقعت عيناها عليه (والله العظيم نسخة من يحيى الفخرانى).

تقول رباب: يحيى الفخرانى فيه براءة الشخصية.. وسمات أولاد البلد.. ومثال للرجل الشعبى ذى الهيبة والحنان على أشقائه، والذى إن وقع فى الحب يندب.

شريف البصيلى مدير إنتاج المسلسل أكد لى أن قبل بداية التصوير بنحو أسبوعين جلس مع الدكتور يحيى الفخرانى ليعرف طلباته والاكسسوارات المطلوبة التى يوفرها الإنتاج، فطلب يحيى الفخرانى نوع سيارة وموديل معين وعصى اليد التى يمسك بها وحتى نوع وشكل علبة السجائر المعدن التى سيدخنها فى المسلسل على الرغم من كونه غير مدخن فى الحقيقة.. وبالفعل وفر الإنتاج السيارة التى طلبها يحيى الفخرانى وقادها بالفعل أكثر من مرة قبل بداية التصوير.

3- حسنات

لم يكن هناك أى عائق أمام المخرجة القديرة رباب حسين فى تشكيل فريق العمل من الممثلين، فبعد الاستقرار والاختيار الموفق والرائع للدكتور يحيى الفخرانى الذى يجعلك لا تتصور أى ممثل غيره فى هذه الشخصية، فكرت رباب فى فردوس عبدالحميد لتلعب دور زوجته، لكن المبلغ المعروض لم ينل رضاء الفنانة الكبيرة التى اتصلت برباب حسين وأخبرتها أن المسلسل رائع لكن المبلغ المعروض أقل بكثير من أجرها.. حاولت رباب مع الدكتور دهموش لكنه قال إن الميزانية لا تسمح بأكثر من المعروض.

فاستعانت رباب حسين بالفنانة الراحلة سعاد نصر لتحل محلها، وانتهت أزمة دور الزوجة ووقف الجميع حائرين أمام دور حسنات، رباب كان لديها قناعة غير طبيعية بأن نيرمين الفقى هى أفضل من يقدم الدور.. وعندما أخبرت الكاتب محمد جلال عبد القوى برغبتها فى إسناد الدور لنيرمين الفقى قال: أنا مشوفتهاش فى أدوار زى دى قبل كده.. إنت واثقة يا رباب؟.. هكذا قالت لى رباب حسين، أما الأستاذ محمد جلال عبدالقوى فقال: فعلا قلت ذلك لأننى لم أر نيرمين فى هذه النوعية من قبل.. كانت قد عملت معى فى حياة الجوهرى فى دور موظفة بالشهر العقارى بنت جميلة ودور يعتمد على الجمال والإغراء أكثر مما يعتمد على التمثيل.. لكن أمام رغبة وثقة رباب حسين وافقت.. فعندما يكون المخرج فاهم.. يحصل على ثقة المؤلف.

أولى نصائح رباب حسين لنيرمين الفقى أن حسنات صحيح مطربة فى الموالد، لكن لديها عزة نفس، فهى ليست لجميع الرجال، بينما وهبت حياتها وقلبها لرجل واحد، ورتبت لجلسة بين الفنانة القديرة هدى سلطان وبين نيرمين الفقى وقالت لنيرمين: اقعدى مع ملكة الغناء هتتعلمى منها كتير.. وقالت هدى سلطان لنيرمين الفقى لو كنت صغيرة مكنتش أفرط فى دور زى ده يا نيرمين وبدأت تشرح لها أسس الغناء فى الموالد وكيفية أداء هذه المشاهد التى شاهدتها بعينها فى الواقع.

4- ياسر.. وعمار

تلعب الموسيقى التصويرية لأى عمل فنى دورا هاما، فهى من العناصر التى تسهم بشكل مباشر فى نجاح العمل الدرامى، لذا علمت أن المرشح الأول لوضع الموسيقى التصويرية هو الموسيقار الكبير عمار الشريعى، لكن من استقر عليه الرأى الأخير كان الموسيقار ياسر عبدالرحمن.

سألت المخرجة رباب حسين عن إسناد مهمة وضع الموسيقى للشريعى أولا.. ولماذا حدث اختلاف ومن ثم لجأت إلى ياسر عبد الرحمن، فقالت إنها كانت على علاقة قوية جدا بعمار الشريعى وبياسر عبد الرحمن، وبالفعل جلست مع عمار فى البداية وشرحت له طبيعة العمل.. لكنها شعرت أنه مشغول ومش مركز معاها فى المسلسل، فاستعانت بياسر عبدالرحمن لوضع الموسيقى وألحان التيترات والأغانى الداخلية.. ولم يكن هناك أى خلاف بيها وبين ياسر عندما اقترح اسم على الحجار لغناء التيتر، بينما كانت الرغبة متبادلة.. ورشح ياسر مى فاروق لغناء الأغنيات الداخلية بالمسلسل التى من المفترض أن تظهر نيرمين الفقى وهى تغنيها، فطلبت رباب أن تستمع إلى صوتها وما إن استمعت إليه وافقت على الفور.

والمدهش أن أثناء عرض المسلسل فوجئت رباب باتصال من عمار الشريعى يهنئها على العمل ويثنى على الجميع بما فيهم ياسر عبد الرحمن، والغريب أن عمار الشريعى قال لرباب: (يا سلام على مشهد داليا إبراهيم وهى تضع يدها وتتحسس صورة زوجها الشهيد)، نقل إليه الإحساس بدون أن يشاهد الصورة.

أما أسعد اتصال تلقته رباب حسين فكان من سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة التى أثنت على مشهد قتل أحمد فؤاد سليم فى حلقة الذكر وقالت إنه من أعظم المشاهد على الإطلاق.

5- مشهد المحكمة

المخرج المنفذ كمال رزق اتفق مع المخرجة الكبيرة رباب حسين على أن يتم تصوير مشهد المحاكمة الذى يترافع فيه إبراهيم يسرى ليدافع عن ابن رحيم، فى يوم جمعة لتكون المحاكم فى إجازة وخالية من الجمهور، ولكون المشهد يجمع 23 ممثلا.. وفى منتصف ليل ليلة الجمعة وأثناء تفكير رباب حسين فى تفاصيل إخراج المشهد والقطعات فوجئت أن ابنتها الكبرى تخبرها بأن آلام الولادة بدأت فى مداهمتها.

كانت رباب حائرة بين حبها لابنتها وحبها للفن، واتصلت بالمخرج المنفذ لتعرف إمكانية تأجيل يوم التصوير، لكنه أكد لها استحالة ذلك، فقالت رباب (لو ولدت قبل الفجر هآجى بكره.. لكن لو لم تلد سأبقى معها).. وبدا الموقف معقدا إلى صورة بعيدة، ماستر سين فى المسلسل.. وابنة على وشك الوضع.. وهى أزمة لم يحلها إلا الله.. وبالفعل قامت الابنة بوضع مولودها وقت صلاة الفجر.. وما إن اطمأنت إليها رباب حتى خرجت من المستشفى على المحكمة بعد شرب كوب كبير من القهوة لتقوم بإخراج مشهد من أفضل مشاهدها فى المسلسل.

6- وفاة رحيم وبكاء الفخرانى

صحيح أن مشهد المحكمة كان صعبا، لكن أصعب المشاهد التى كانت تحمل همها المخرجة الكبيرة رباب حسين هو مشهد وفاة رحيم، وطلبت من المخرج المنفذ كمال رزق أن يكون تصويره فى آخر مشاهد ديكور أم رحيم السيدة هدى سلطان، واتفقت مع هدى أن تبدأ حدث الوفاة بيدها وهى تضع المبخرة على الكومود بجوار السرير الذى ينام عليه رحيم وتجلس تحت أقدامه حسنات.. وتتحسس بيدها جسده وهى تقول (فوق يا ولدى).. لكنها تشعر ببرودة فى الجسد فترتفع اليديدن وتتراجع الكاميرا ويبدأ صوت غناء مى فاروق.

المدهش فى الأمر أن مى فاروق كانت قد سجلت جميع الأغنيات بالأستوديو وحصلت على أجرها.. لكن رباب حسين استدعتها إلى الاستوديو كما قال شريف البصيلى فى مساء يوم التصوير لتغنى الأغنية على الطبيعة لدرجة أن مى سألت عن السبب لكن بعد أن شرح لها شريف وافقت على الفور.. وجاءت بصحبة والدتها وبدأت الغناء بإحساس منقطع النظير.. وما غنته فى الاستوديو هو ما تم تسجيله فعلا فى المشهد الذى كاد أن يعاد أكثر من مرة بسبب بكاء الفنان القدير يحيى الفخرانى، ولاهتزاز الكاميرا فى يد المصور المتميز محمد ثابت من فرط البكاء.

مات رحيم.. وعاش الفخرانى موهوبا فذ الموهبة.. وعاش الليل وآخره الذى تكلفت ميزانية إنتاجه 4 ملايين جنيه، 17 سنة كاملة يحقق نجاحا طاغيا منذ عرضه الأول.. فتحية للمؤلف العظيم والمخرجة المبدعة ولكل صناعه ونجومه أمام وخلف الكاميرا.. تشرف بهم تيتر المسلسل الذى صممه إيهاب إسماعيل.