عادل حمودة يكتب: مافيا كورونا

مقالات الرأي



يعتقدون أن الحرية التى يتيحها لهم نظام السوق الحرة تمنحهم الحق فى أن يمدوا سيقانهم على رقبة البشرية ويسحقون عظام المعذبين بالوباء

الفيروس بكل ما قيل من شراسته المميتة يشعر بالخجل من سلوكيات فرق طبية أقسمت على رعاية المرضى وحفظ أسرارهم

لابد أن فيروس كورونا بكل ما فيه من شراسة مميتة يشعر بالخجل من سلوكيات فرق طبية أقسمت بكلمات أبو قراط على رعاية المرضى وحفظ أسرارهم والترفع عن استغلال مرضهم.

فرق طبية تجدها فى مستشفيات ما وصيدليات ما ومعامل تحاليل ما وشركات أدوية ما بجانب أطباء ما تحت الطلب يمكن استدعاؤهم فى البيوت مقابل ثلاثة آلاف جنيه للزيارة الواحدة.

أخرجت الأزمة أسوأ ما فيهم.. تاجروا بأوجاع البشر.. ضاعفوا المخاوف من الفيروس اللعين.. تحولوا من ملائكة رحمة إلى شياطين ثروة.. ومن أنصار الصحة إلى أنصار البورصة.

سيطرت عليهم غريزة الطمع الكامنة فى الإنسان منذ العصر الحجرى وتصرفوا مثل أسماك قرش متوحشة تشتهى لحم كل من يقترب منها ولا تتورع عن التهام كل من يصادفها.

فى أسابيع قليلة جمعوا ثروات خرافية وضعتهم على طريق روكفلر وروتشيلد ونجيب ساويرس.

وهم يبررون تصرفاتهم بأنهم لم يضربوا أحدا على يده.

ثم إنهم يعتقدون أن الحرية التى يتيحها لهم نظام السوق الحرة تمنحهم الحق فى أن يمدوا سيقانهم على رقبة البشرية ويسحقون عظام المعذبين بالوباء.

فتحت مستشفيات خاصة أبوابها لمصابى كورونا بعد أن اشترطت عليهم سداد 30 ألف جنيه عن كل يوم يقضونه فيها بخلاف تكاليف التحاليل والمسحات والدواء وفيزيتا الأطباء بمختلف تخصصاتهم لتزيد الفاتورة عشرة آلاف أخرى.

وسرعان ما تضاعفت شهية الطمع فى جوف مستغلى الوباء فلم يعد حساب المستشفى باليوم وإنما بالمدة فارتفع المبلغ إلى 350 ألف جنيه عن الحالة الواحدة بشرط ألا تبقى أكثر من سبعة أيام.

والمؤكد أن الاستغلال لن يتوقف عند هذا الحد بل سيزيد بزيادة حالات الإصابة بين العائلات الثرية التى تقدر على تحمل مزاد العلاج الخاص مهما ارتفع وانفلت ليرسو عليها.

إن عائلة واحدة تسكن فى القاهرة الجديدة دفعت فى أسبوع واحد ما يقرب من مليون جنيه لسداد فاتورة علاج ثلاثة أفراد فيها أصيبوا فى إجازة العيد.

واللافت للنظر أن عدد المستشفيات التى تقبل مصابى الفيروس تزايد يوما بعد يوم بعد أن أصبحت المكاسب اليومية بالملايين.

والمثير للدهشة أن تلك المستشفيات وضعت على أبوابها لافتة كامل العدد وأصبح دخولها يحتاج إلى واسطة بعد أن طالت قوائم الانتظار.

ولا شك أن تعامل تلك المستشفيات مع كورونا أبعد المرضى الآخرين عنها وأصبح من الصعب وجود مستشفى لاستقبال حالات الطوارئ أو الولادة أو كسور العظم أو الأزمات القلبية ولتراجع العرض وزيادة الطلب ارتفعت تكاليف العلاج.

وخبأ كثير من أصحاب الصيدليات الأدوية التى توصف لعلاج كورونا ومقويات المناعة وكمامات الحماية والسوائل المطهرة وباعوها بضعف أسعارها.

وفتحت صيدليات أخرى مخازنها القديمة لتخرج منها أدوية مهربة لابد أنها فقدت صلاحيتها لسبب بسيط أن حركة الطيران متوقفة منذ ستة أشهر تقريبا.

وأخرجت شركات أدوية من مخازنها أصنافا مجهولة كاسدة لم يجد الناس مفرا من شرائها باعتبارها البديل المتوفر.

واشترت شركات أخرى ضمائر أطباء كبار ليتحدثوا فى الميديا عن فوائد أدوية غير رائجة لم يسمع عنها أحد فى التعامل مع الفيروس أو فى بناء خطوط الدفاع ضد الفيروس مستغلة الوساوس النفسية التى سببها الوباء.

لقد تحولت قنوات التليفزيون وساحات اليوتيوب إلى مولد يختلف فيه الأطباء إلى حد التناقض.. الفيتامينات مفيدة.. لا الفيتامينات قاتلة.. الأدوية المصنعة من لبن الأم تزيد المناعة.. لا تلك الأدوية لا أهمية لها.. هذه هى الوصفة السحرية للتخلص من الفيروس.. لا هذه الوصفة ستجهز على حياة المصاب.. وهكذا.. حتى فقد المتحدثون على اختلاف خبرتهم الثقة فيهم جميعا.. وفكر البعض فى العطار من جديد.

ومن جانبها لم تتردد معامل للتحاليل الطبية فى اقتناص نصيبها من الغنيمة فرفعت أسعارها يوما بعد يوم ووصل الاستهتار بالمرضى إلى حد تقديم عروض تسمح بعمل مجموعة التحاليل المطلوبة معا بسعر خاص.. كومبو بالتعبير الشائع فى مطاعم البرجر.

وترسل تلك المعامل فنييها لأخذ عينات الدم أو مسحات اللعاب ليعودوا بالمال المدفوع دون إيصال على أن ترسل النتائج على واتس آب .

ملايين الجنيهات تخرج من جيوبنا دون أن تحصل الدولة على حقها الضريبى فيها وهى فى أشد الحاجة إليه فى الظروف الصعبة التى يمر بها الاقتصاد الوطنى.

ما تفعله معامل التحاليل يتكرر فى مستشفيات وصيدليات وشركات أدوية.

والمؤكد أن تلك السلوكيات منزوعة الضمير تزيد من تقديرنا للأطباء وأطقم التمريض المكلفين من وزارة الصحة برعاية المصابين فى مستشفيات العلاج والعزل.

هل نفكر فى طريقة ما لدعمهم؟.

هل نبتكر أسلوبا راقيا لتكريمهم؟.

وفى الوقت نفسه: هل نطالب مافيا كورونا بسداد ما يجب دفعه من ضرائب؟.

إن ما كسبوه يظل كثيرا مهما استقطعت منه الضرائب.

إن مبادرتهم بالدفع ربما تسقط عنهم لقب أسماك القرش.

ربما يعيدون النظر فى تصورها للحرية.

إن الحرية عندهم تفترض أنه لا يوجد على ظهر الأرض سواهم.. تفترض أن الوطن يمكن أن يصبح أملاكا خصوصية لهم.. تفترض أنهم قراصنة لا يقف أحد أمام غزواتهم.

لكن الحرية التى يجب أن يستوعبوها هى منتج حضارى لا يعرفه سوى المتحضرون.