عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب: مسلسل الاختيار أنعش الذاكرة

أسرار اللحظات الخطرة فى محاولة اغتيال وزير الداخلية

أشار ضابط الرصد إلى سيارة الوزير بالابتعاد يسارا فنجا من فيها 

خروج الأهالى للفرجة على الحادث عطل الكشف عن وجود قناصة يقتلون الناجين من التفجير

كف الجانى طارت حتى الدور الخامس وكشفت عن شخصيته

الجانى أثار الانتباه بالملابس العسكرية التى لم يعد ضباط الجيش يرتدونها

باقة زهور وضعها الإرهابى بجانبه ليحمله إلى الحور العين وهو يدخل الجنة

تحسب عمليات الاغتيال بالثوانى.

كل ثانية لها أهميتها فى تنفيذ الخطة أو إفشالها.

إما أن تضع الهدف تحت ضرس الموت أو تمنحه فرصة أخرى للحياة.

ما أن بدأ الهجوم على المنصة حتى انتصب السادات واقفا ما جعل فرصة إصابته أكبر وفى الثوانى التى كان يصرخ فيها: مش معقول قضى الأمر.

ولحسه الأمنى المشهود به أمر مبارك سائق سيارته بالعودة فى الاتجاه العكسى لينجو خلال تلك الثوانى من محاولة اغتياله فى أديس أبابا.

وبالمثل أنقذت عدة ثوان تعد على أصابع اليد الواحدة وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم من الموت انفجارا فى الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الخميس 5 سبتمبر 2013.

ذكرنا مسلسل الاختيار بالحادث ولكن بحكم طبيعة الدراما لم يتوقف السيناريو عند كثير من التفاصيل التى يميل إلى رصدها وسردها كتاب التاريخ.

بدا اليوم عاديا جدا فى حياة الوزير.. ركب سيارته المصفحة من أمام بيته فى شارع الواحة.. سبقته سيارة مسرعة تطمئن على فتح الطريق.. ولحقت بركابه سيارة إعاقة إلكترونية للتشويش على اتصالات التليفونات المحمولة تجنبا لتفجير شحنات ناسفة عن بعد.. التصقت سيارة الوزير بسيارة تتقدمها بسنتيمترات قليلة سيارة قيادة وكأنهما التحمتا معا وخرج الركاب إلى شارع مصطفى النحاس فى مدينة نصر.

مهمة ضباط الحراسات الخاصة فى سيارة القيادة رصد ما حولهم بعيون خبيرة فاحصة كل ما يثير فضولهم فإذا ما اكتشفوا شيئا مريبا أرسلوا إشارة إلى زملائهم فى سيارة الوزير ليتصرفوا بسرعة بما يضمن السلامة.

عادة ما يقود سيارة الرصد ضابط مدرب على فنون المناورة ولكن فى ذلك اليوم حدث أمر ما جعل الضابط المسئول عن قيادة السيارة يعتذر ليحل محله أمين شرطة لم يكن يمتلك خبراته.

بجانب قائد السيارة يجلس ضابط المراقبة وهو يختار بعناية من بين الضباط الذين يتمتعون بدقة الملاحظة وسرعة التصرف ويدرك أن الثوانى فى لحظات الخطر تقيم بالماس والفرق بين الحياة والموت ربما لا يزيد عن طرفة عين.

والحقيقة أن ضابط الرصد فى ذلك اليوم كان مثاليا.

أبلغه أمين شرطة من المرور يتحرك على دراجة بخارية أن هناك سيارة هيونداى تقف على اليمين ويجلس فى داخلها على مقعد القيادة شخص يرتدى ملابس عسكرية وعلى كتفيه رتبة رائد.

سنعرف فيما بعد أنه رائد سابق اسمه وليد محمد بدر.. خدم فى الشئون الإدارية.. لم يستمر أكثر من ست سنوات طرد بعدها بأكثر من تقرير أمنى.. ترك مصر ليتدرب فى ليبيا وأفغانستان وباكستان وسوريا وعندما وصل الإخوان إلى الحكم عاد متفائلا.

استخدم خبرته فى تكوين تنظيمات إرهابية بمساعدة ضابط آخر مفصول هو عماد السيد وهما معا كانا أقرب الأصدقاء إلى هشام عشماوى حسب ما ذكرت زوجته نسرين السيد ونجحا فى ضمه إليهما فى تنظيم بيت المقدس منفذ عملية «وزير الداخلية».

لاحظ ضابط الشرطة فى سيارة القيادة أن ضابط الجيش يجلس متوترا.. زائغ البصر.. والأهم أن ملابسه العسكرية قديمة الطراز.. زيتية اللون.. ليست مبرقشة.. ملابس لم يعد يرتديها ضباط القوات المسلحة.. تصور أنه ينتحل صفة ضابط جيش.. وضاعف من الشك فيه أن لون بشرة الوجه فى منطقة اللحية أكثر بياضا من لون باقى البشرة ما يعنى أنه كان يطلق لحيته وحلقها قبل ساعات حتى لا يلفت الأنظار إليه.

أما ما حسم تصور أنه إرهابى باقة الزهور التى يضعها بجانبه.

إنها باقة الزهور التى يعتقد أنه سيحملها معه وهو يدخل الجنة ليقدمها إلى الحور العين فيغسلن قدميه بماء الورد قبل أن يجهزن فراش الزوجية.

هكذا يقنع شيوخ الإرهاب الشباب الخاضع لهم بتفجير أنفسهم دون أن يسأل أحدهم: لم لا يسبقهم أمراء التنظيمات إلى الجنة؟.

وفيما بعد ظهر وليد بدر فى الفيديو الذى يتحدث فيه عن العملية وهو بملابس عسكرية قديمة وبجانبه باقة الزهور.

والفيديو صوره هشام عشماوى وهو أيضا صاحب فكرة اغتيال الوزير ومخططها بينما اقتصرت مهمة التنظيم على إحضار السيارة المشحونة بالمتفجرات.

لم يقتنع عشماوى بغير العنف أسلوبا ونفذ العملية بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة بأسبوعين تقريبا.

أراد عشماوى توجيه ضربة موجعة لنظام ما بعد ثورة يونيو وراقب بنفسه ركاب الوزير مطمئنا إلى ما فى جيبه من كارنيهات إذا ما اشتبه فيه أحد.

ولكن بدا واضحا أن الخطة لم تترك وقتا كافيا لوليد بدر كى يتأهل نفسيا ويقبل بتفجير نفسه دون اضطراب بل إنه لم يكن يملك الخبرة الكافية فى قيادة السيارة أو إيقافها بجانب الرصيف.

كان اضطرابه كفيلا بأن يصدر ضابط الرصد إشارة بيده إلى قائد سيارة الوزير بالاتجاه يسارا للابتعاد عن السيارة المشكوك فيه وفى تلك اللحظة التقت نظرات الشرطى والإرهابى فضغط الإرهابى على زر التفجير.

عادة ما تضبط الشحنات المتفجرة فى اتجاه جسم صلب يزيد من قوتها عند ارتطامه بها لتتولد ما يعرف بالموجات التفجيرية.

ولكن الشحنة كانت موجهة إلى أعلى فنالت من واجهات خمسة أدوار فى عمارة قريبة وبابتعاد سيارة الوزير إلى اليسار لم يصب من فيها وإن كان مفجر مقبضها فلم يفتح الباب ناحية الوزير واحتاج فتحه إلى أداة حادة.

أكثر الإصابات شدة كانت فى سيارة القيادة حيث نالت ممن فيها بلا استثناء ولكن بدرجات مختلفة. هناك من يعالج حتى الآن وأجريت له عمليات تجميل.

أما ضابط الرصد فقد شعر حسب ما جاء فى التحقيقات بنار تحرق وجهه وتناثرت شظايا فى رأسه وأفقده الانفجار السمع لبعض الوقت وغطى الغبار على كل ما حوله.

وحسب خبرات مكتسبة فإن تفجير سيارة غالبا ما يتبعه وجود قناصة يعتلون أسطح منازل فى محيط العملية ليطلقوا النار على الناجين من الانفجار. سيطر هذا الهاجس على طاقم حراسة الوزير وأمسك منهما بسلاحه للتعامل مع القناصة فوق أسطح أو فى شرفات ولكن كانت المفاجأة أن سكان الشارع خرجوا جميعا ليشاهدوا ما حدث من نوافذهم مما جعل من الصعب اكتشاف القناصة إذا وجدوا.

كان لابد من أن يدخل السكان إلى بيوتهم لتعرف الشرطة حقيقة الموقف وبدا واضحا أن العملية الإرهابية اقتصرت على التفجير.

وسمعت طلقات نيران متتالية ولكنها كانت انفجارات خزائن الرصاص فى سيارة القيادة بعد اشتعال النار فيها عقب الانفجار.

قبل ذلك بلحظات ركب الوزير سيارة أخرى وأصر على الذهاب إلى مكتبه وعقد مؤتمرًا صحفيًا ليثبت بالصوت والصورة فشل العملية.

وفيما بعد نقل الوزير إلى بيت آخر لم يعرفه أحد. أما تنقلات الوزير فخضعت لخطط خداعية بحيث يصعب اكتشاف السيارة التى يستقلها أو هل هو فى الركاب المتحرك أمام الناس أم أنه فى سيارة نصف نقل؟.

واستقبل الوزير ضابط الرصد بعد شفائه وعرض عليه نقل خدمته إلى المكان الذى يريده ولكنه أصر على البقاء فى الحراسات الخاصة.

وبقرار من الرئيس المؤقت عدلى منصور سافر الضابط لتأدية فريضة الحج.

أتصور أن تلك التفاصيل تنشر للمرة الأولى.

شكرا مسلسل الاختيار على إنعاش ذاكرتنا.

ملحوظة هامة: بسبب الانفجار طارت كف الجانى حتى الدور الخامس وكشفت الكف عن شخصية وليد بدر وبعدها وضع هشام عشماوى تحت الاهتمام الأمنى.