عذاب العزيز الهاشمي يكتب: وباء كورونا غير المرئي وخلل التوازن في ثقافة العولمة

بوابة الفجر
سادت سلوكيات فيروس كورونا الذي أصبح يقفز من مكان لآخر ويتشكل ويتجدد مع كل مقاومة جديدة، حيث ينتشرهذا الفيروس بين الجميع، مواطنين ومقيمين، فإلغاء المسافة الاجتماعية بين السلطة والمجتمع لا يصبح ذا قيمة ما لم تحكمه مؤسسات وليس هوى أفراد،فمن ينجح في ضرب علاقة رأسية مباشرة قفزًا على المجتمع هو حصيلة ريع؛ لذلك يصبح "أيقونة" إلى جانب السلطة، ومن الملاحظ أنه سابقًاكان التعليم ينتج مثقفين ضمن حدود الوظيفة والتخصص، واليوم ينتج الريع "أيقونات" انتقلت وتحولت من حال إلى حال.

إن نمط العلاقات الأفقي مهمٌ جدًا لا يمكن القفز عليه؛ لأنه شريان بقاء الطبقة الوسطى، ومكان القيمة المعنوية للمجتمع، بغير هذا النمط من العلاقة يصاب المجتمع بكورونا ثقافية؛ نتيجة سيادة العلاقة الرأسية على حساب العلاقة الأفقية، فتنتج ثقافة شحم وليس لحم، مظهر وليس كلام فارغ المحتوى.

ونذكر هنا الفرق بين الفيروسين؛ أن الأول يحتاج إلى مصل أو تطعيم وقائي من المختبر، بينما الثاني يحتاج إلى إنسان يشعر بوجوده الخاص وبقيمته الإنسانية وليس مجرد شيء يلتحق بوجود الآخرين، كما يلتصق فيروس الكورونا بأنف المصاب لا يبرحه حتى يصيبه أو يقضي عليه المصاب.

ونضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث أن العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها بقوة شراسة هذا الوباء في عين كل إنسان، وأعني كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعًا متجسدًا، رآه خيالًا كواقع، خيالًا يتسلل إليه ـبشكل متكرر، متواصل، ومتفاعل كحدث يصنع وقائعه، من خلال قنوات التواصل والإعلام، ما يعني أن الوعي بالعولمة، الوعي على نحو عملي،وتعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيًّا، ومن ثم يـقـع في دائـرة الـخـيـارات ومُـقَـايَـسـة مـسـتـوى التــضـحيـات، بل غـدا الـتـأثير حـاسمًـا مـصـيريًّا، إذ أدرك الـجـمـيـع -وخاصة بعد تعولم الوباء- أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهموموتهم. 

وبالطبع، فالوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميًّا، ويروه في الواقع ملموسًا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية، فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تُعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث تَعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، أو وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، فقد أصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

ومن جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل، واليوم يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرًا.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وبًاء عالميًّامتعولمًا، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحيالحكومي،والمؤسساتي في العالم كله، متشابهًا إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية، ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد بقوة العولمةأن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.