مي سمير تكتب: العلماء يكتشفون عقاقير محو الذاكرة

مقالات الرأي



هروبًا من لحظات الخذلان والفقد والألم

استخدموها لنسف ذكريات الناجين من الهجمات الإرهابية على «باريس 2015»

التجارب اعتمدت على دواء لارتفاع ضغط الدم.. وبدأت على الفئران قبل البشر


يدين التاريخ بالولاء إلى الذاكرة الإنسانية، تلك الذاكرة التى احتفظت بنجاحات وإخفاقات بنى آدم، منذ آلاف السنين، لكن، ماذا لو، أصبح التحكم فى تلك الذكريات ممكنا؟.. تحتفظ داخل مخك بما تحب، وتمحو ما تخاف.

فى تحقيقها التى نشرته تحت عنوان (خارج العقل)، تناولت مجلة الـ«تايم» الأمريكية الأسبوعية، الموضوع، ضمن ملحق خاص بعلوم الذاكرة، لمعرفة طريقة التخلص من الذكريات المؤلمة، موضحة أن تلك الفكرة، ظلت طوال العقود الماضية، أقرب إلى الخيال العلمى، لكن الآن، ربما يكون الباحثون بالفعل على أعتاب جعل التلاعب بالذاكرة حقيقة واقعة.

والرغبة فى محو الذكريات المؤلمة تتوقف على التجربة التى مر بها الإنسان، فمثلا، إذا أصيبت فتاة شابة بالشلل النصفى، بسبب تعرضها لصدمة نفسية ناتجة عن الاعتداء الجسدى عليها، فإن محو هذه الذكرى بالتأكيد سوف يساعدها على استعادة حياتها من جديد، وأيضا إذا أصيب جندى باضطراب ما بعد الصدمة، عقب رؤيته لوفاة زملائه بالحرب أو أثناء خدمتهم بأحد الكمائن العسكرية، فلا شك أن محو هذه الحادثة من ذاكرته سوف يساعده على بدء حياته من جديد.

1- تعديل المسار

التطبيقات العلمية التى تتناول وسائل محو الذكريات السيئة تحظى بالكثير من الاهتمام، لكن هناك أيضا مجموعة من المخاوف، التى ينبغى أن تؤخذ فى الاعتبار، وبشأن هذا يحذرنا آرثر كابلان، عالم الأخلاقيات الطبية فى كلية الطب بجامعة نيويورك، إذ يقول: «أعتقد أن الناس ينظرون إلى تغيير الذاكرة باعتباره قضية بسيطة، لكن هذه القضية ينبغى أن تؤخذ على محمل الجد».

وتشير مجموعة كبيرة من الأبحاث، إلى أن الذكريات يعاد تنشيطها كل مرة نفكر فيها، ولكن لا يتم استرجاع الذكريات بالكامل، وهذه العملية أقرب بتنزيل جزء من المعلومات المتوفرة فى ملف بجهاز الكمبيوتر، وفعل التذكر يشابه فعل إعادة التجميع، ورغم أن القياس غير كامل، تخيل أنه على المستوى التكنولوجى، يمكن اعتبار الذكريات مثل الوصلات والمسارات، وأننا نقوم بتحديث نظام GPS عصبى باستخدام أحدث المعلومات.

وفى هذا الإطار، أثناء إعادة تجميع ذكرى معينة داخل العقل، يمكن تخفيف حدة المشاعر السلبية الناجمة عن هذه الذكرى، التى أدت إلى الإصابة بـ«اضطراب ما بعد الصدمة»، ويتمثل التحدى فى إطلاق الذاكرة، ليطلب من الجندى، على سبيل المثال، أن يتذكر تفاصيل الكمين، ثم يتم التدخل من أجل تقليل رد الفعل العاطفى لتلك الذكرى المحددة. فكر فى الأمر باعتباره بمثابة تغيير فى نظام GPS، لإنشاء مسار جديد وأقل إجهاد.

وتعلم العلماء أولا طرقا لتجاوز ذاكرة بسيطة تم إنشاؤها عن عمد لدى الفئران، مستخدمين صدمة كهربائية فى كل مرة تسمع فيها الحيوانات صوتا معينا، ثم اكتشف الباحثون طرقا لتحقيق شىء مشابه لدى البشر.

ويوجد الآن مجموعة من التدخلات التجريبية الأخرى، التى تهدف إلى مقاطعة إعادة دمج الذاكرة، وهناك أدوية تمنع بعض المستقبلات أو تخلق بعض البروتينات، وهناك أدوية تخفض مستويات هرمون الإجهاد «الكورتيزول»، علاوة على وجود تقنيات مثل العلاج الكهربائى والتحفيز العميق للمخ، كما يوجد أيضا طرق سلوكية، بما فى ذلك الاعتماد على تقنيات الارتجاع العصبى أو التعرض المموه.

واستخدم آلان برونيت، أستاذ الطب النفسى بجامعة ماكجيل فى مونتريال، عقار بروبرانولول، وهو دواء يستخدم لعلاج ارتفاع ضغط الدم، عن طريق عرقلة هرمون الاكتئاب الإيبينيفرين، واتضح أن بروبرانولول يحجب عمل الإيبينيفرين فى اللوزة، وهى بنية على شكل لوز فى الدماغ، تلعب دورا حاسما بالتوسط فى تفاعل بين العواطف والذاكرة.

وكان برونيت يختبر بروبرانولول فى تجارب صغيرة، وأتيحت له الفرصة لاستعراض العلاج الناشئ على نطاق أوسع فى نوفمبر 2015، عندما قتل إرهابيون 130 شخصا فى هجوم على منطقة باتاكلان والأحياء المحيطة بها فى باريس.

ويقول الخبير الذى درب فى النهاية 200 طبيب وعالج 320 شخصا أصيبوا بالصدمة فى الهجوم: «لقد ذهبت لتقديم مساعدتى، وفى أثناء هذه العملية تعلموا كيف يمكنهم البدء فى إنشاء نموذج للعلاج، إن بروبرانولول واعد بشكل خاص، لأنه رخيص، كما أنه آمن، ونعرف آثاره الجانبية، ونعرف من يمكنه أن يأخذ هذا الدواء، ومن يجب ألا نعطيه إياه».

ووصف الدواء بأنه قريب جدا من المثالية، ولكنه فى نفس الوقت لا يمحو الذكريات، فهذا غير ممكن حتى الآن، وليس هذا هو المقصود من مثل هذا الدواء. مشيرا: «نحن نخرج المشاعر السلبية من الذاكرة، لكن لا يزال المريض يتذكر الحدث، ولكن بطريقة تجعل الألم المصاحب للذكرى يتلاشى مع الوقت».

والتعديل الذى يحدث خلال هذه العملية مرتبط بالمشاعر التى تصاحب الذكرى، فعلى سبيل المثال، يظل الشخص قادرا على تذكر حبيبته السابقة، ولكن الذكرى لن تحمل مشاعر كراهية أو بغض أو مشاعر سلبية أخرى، باختصار قصة الحب السابقة لن تعود ذكرى مؤلمة.

ويعتقد برونيت أنه ليس قادرا فقط على علاج اضطرابات ما بعد الصدمة، بفعالية باستخدام بروبرانولول، بل يمكن للعديد من الحالات العقلية التى تغذيها ذكريات عاطفية شديدة أن تستفيد بشكل محتمل من هذا الدواء، بما فى ذلك الاكتئاب وإدمان المواد المخدرة وبعض أنواع الإرهاب والقلق والتكيف والحزن المرضى، أو حتى الهوس.

لكن هذا الدواء ليس دواء سحريا، خاصة أننا نعلم الآن أنه لا يوجد نظام ذاكرة واحد، كما نعلم أيضا أنه لا توجد تجربة واحدة للإحساس بالصدمة، على سبيل المثال، هناك أحداث مؤلمة تحدث مرة واحدة، وهناك صدمات مثل الاعتداء الجسدى والعنف المنزلى التى تحدث مرارا وتكرارا، على مدار السنين، يمكن أن تكون الصدمة جزء من البيئة فى حالات الفقر أو العنصرية.

وعن هذا، يقول جوزيف ليدوكس، الباحث بجامعة نيويورك، الذى يدرس العلاقة بين الذاكرة والعاطفة، خاصة الخوف والقلق: «نعلم القليل عن تأثير هذه المواقف المعقدة فيما يتعلق بما يحدث فى المخ، ومع ذلك، نعرف أن عواقب مثل هذه البيئات يمكن أن تسفر عن اضطراب ما بعد الصدمة أكثر تعقيدا، من حيث الإطار الزمنى وحجم الذكريات».

وتابع: من غير الواضح ما إذا كانت الصدمات من هذا النوع ستكون قابلة لإعادة المعالجة أم لا، فمن الناحية النظرية، يمكنك تقسيم محفزات الصدمة المعقدة إلى عناصر تحفيز مختلفة مستهدفة بشكل فردى للتدخل، مع التخلص منها على مراحل حتى يشعر المريض بالراحة من بعض النواحى.

2- إعادة صياغة

رغم ذلك، يظل السؤال الأساسى قائما، هل يريد الناس فعلا إعادة كتابة ذاكرتهم، وإذا كان الأمر كذلك، فما هى الظروف المصاحبة لمثل هذا الأمر؟. هناك توقعات جيدة بشأن أن الناس يريدون على الأقل أن يكون لديهم القدرة على اختيار تأثير محو الذكريات السلبية على حياتهم وعلى طريقة تفكيرهم وتعاملهم مع الحياة.

وتشير شينا إينجار، باحثة جامعة كولومبيا، فى كتابها «فن الاختيار» إلى أن الاختيار يمنحنا الفرصة لتخيل الذات بشكل أفضل، كما يساعدنا فى خلق حياتنا، رغم علمنا أيضا أن معظمنا لا يتمتع بمهارة عظيمة فى الاختيار.

محو أو تهدئة الذاكرة سيكون قرارا كبيرا بالنسبة لأغلب الناس، لذا، ابتكرت جامعة كاليفورنيا بالتعاون مع العالمة النفسية إليزابيث لوفتوس وفريقها، تجربة تهدف إلى النظر فى العوامل التى قد تتدخل فى اختيارنا، وضمت الدراسة ما يقرب من ألف مشارك (نصفهم من نيوزيلندا ونصف من الولايات المتحدة).

وطلب من المشاركين أن يضعوا أنفسهم محل مدير مطعم تعرض للطعن والسرقة فى هجوم، أو جندى فى مهمة لحفظ السلام فى أفغانستان، تعرض للطعن فى اعتداء، ثم تم استعراض كل الأعراض الناتجة عن اضطرابات ما بعد الصدمة وتأثيرها على حياة الإنسان.

وقرأ بعض المشاركين تقريرا يشير إلى أن الدراسات العلمية أثبتت أن خطر الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة يبلغ 4٪، بينما قرأ البعض أن الخطر كان 40٪، وقرأ آخرون تقريرا لم يتم فيه تحديد المخاطر، ثم سئل المشاركون عما إذا كانوا يشعرون أنه ينبغى إعطاؤهم خيار تناول دواء يبطئ الذاكرة.

واتضح أن ما يزيد قليلا على نصف الأشخاص يوافقون على إعطائهم خيار تناول الدواء، لكن حوالى خمس الموافقين فقط قالوا إنهم سوف يأخذونه بالفعل، وفوجئ الباحثون بأن الأرقام كانت منخفضة للغاية، ربما يكون الناس متفائلين بشكل عام، أن بإمكانهم التغلب على مثل هذه الصدمة؟، أو ربما الصدمة لم تكن كافية؟، أو ربما شعروا بعدم الارتياح من فكرة العبث بالذاكرة؟

3- المستقبل

مستحيل أن نجزم ما إذا كانت هذه الأدوية والتقنيات ستكون متاحة على نطاق واسع أم لا، ومتى ستكون لدينا فكرة جيدة عما سيبدو عليه النقاش حول استخدامها، لذا يوضح كابلان، عالم الأخلاقيات الطبية بجامعة نيويورك، أن ما يهمنا هو خطر التدخل فى المخ، عندما لا نفهم تماما كيف تتشكل الذكريات، خاصة أن هناك قضايا متعلقة بإمكانية الوصول إلى هذه الأدوية والتكلفة والتى بدورها ستؤدى إلى القضايا المتعلقة بالإنصاف والعدالة.

وتذكر جوزيف ليدوكس، الباحث بجامعة نيويورك، رد الفعل على ورقة بحثية فى عام 2000، أظهرت كيف يمكن لدواء ما أن يمحو الذاكرة لدى الفئران، قائلا: «قدمت لجنة الأخلاقيات الطبية فى إدارة الرئيس الأمريكى الأسبق جورج بوش، بيانا قالت فيه إن الذاكرة مقدسة، ولا يمكن العبث بها لدى الناس».

إن عقل الإنسان أكثر تعقيدا من عقل الفئران، والعلاجات المتوفرة فى الوقت الحالى قادرة فقط على تغيير المشاعر السلبية المرتبطة بالذكريات السيئة، ولكنها غير قادرة على محو هذه الذكريات، لكن يعترف الباحثون بأنه، نعم، قد يكون القضاء على الذاكرة ممكن فى يوم ما. مما يجعل من السهل - وربما الضرورى - إظهار مخاوفنا من أسوأ السيناريوهات.