Advertisements
Advertisements
Advertisements

جيهان منصور تكتب: هيثم الجوكر!

Advertisements
جيهان منصور
جيهان منصور
Advertisements
إنها الوحدة واليتم منذ الطفولة، السر خلف تلك النظرة الحزينة التي استوطنت في عيون الفنان الراحل هيثم أحمد زكي الذي وافته المنية وحيدا في شقته بأكتوبر أول أمس، ذلك الخبر الذي زلزل صفحات التواصل الاجتماعي فانفجر رثاءً للشاب ذي ال ٣٥ ربيعاً الذي كان يحتاج في حياته أن يشعر بكل هذا الحب بدلاً من موته وحيداً بلا ونيس ولا رفيق حتى أنه حينما احتاج الدواء طلب مساعدة رجال الأمن في الكومباوند ليذهب للصيدلية!

هل وفاته وحيداً أم شاباً أم لأنه نجل الراحل العظيم أحمد زكي؟ أم لأن والدته الراحلة ذات الوجه الملائكي الفنانة هاله فؤاد توفيت في ذات العمر ٣٥؟ هل بسبب قسوة النقاد علي هيثم الذي نال من سهامهم الكثير مطالبينه بأن يتفوق على والده النجم الأسطورة، وذلك الاتهام المعد سلفاً بأنه دخل الفن من باب "أبناء النجوم" وليس لموهبته؟ أي من تلك الأسباب هو ما جعل نهر الحب يفيض على وسائل التواصل الاجتماعي بعد وفاته حتى أصبح اسمه "ترينداً" متصدراً الفيسبوك وتويتر؟ وإذا كانت كل تلك الأسباب أو أحدهما متضمناً في الإجابة، فلماذا انتظرنا جميعا صدمة وفاته لننطلق في مظاهرة رثاءٍ وحب للفقيد، للأسف لن يقرأها ولن يسعد بها وجاءت بعد فوات الأوان!

اختار هيثم العزلة وعدم الاهتمام بالسوشيال ميديا ولم يكن من محبي الظهور في المناسبات الفنية والبرامج التليفزيونية كتعبيرعن اليتم والوحدة والحزن العميق داخله، ولمن شاهد فيلم "الجوكر" للفنان العالمي "خواكين فينيكس" الذي أدى ببراعة شخصية المهرج البسيط الطيب الذي كان يعيش مع أمه في شقة متواضعة لعدم اعتراف والده عمدة المدينة بنسب إبنه، ونال من الظلم والتهميش من المجتمع ما لايطيق معه صبراً حتى السخرية من موهبته كفنان كوميدي، فاختار أن يتحول إلى رمزٍ للمهمشين والمستضعفين في مدينته "جوثام"، وسواء اختيار العزلة والوحدة كما فعل هيثم أو اختيار طريق التظاهر كما فعل "أرثر" في فيلم "الجوكر"، كلها مظاهر للألم النفسي والشعور بالوحدة واليتم والتشكيك في الموهبة الذي جمعهما معاً.

هيثم الجوكر قام مشكوراً بكشف قسوة المجتمع، وربما كان الشعور بالذنب من أصدقائه وأصدقاء والده ووالدته الراحلين هو ما ظهر جلياً في الصدمة التي مُني بها الجميع، وتخيلوا معي أن أحمد زكي على قيد الحياة، هل كان جثمان نجله هيثم سيتعرض لتلك المحنة التي أبقته متأخراً على مراسم الجنازة في المستشفى لا يجد  من يتسلمه من الأهل والأقرباء؟ بالتأكيد لا لأن المصلحة التي كان يسعى لها الجميع هي الظهور ولو لمشهد واحد في فيلم لأحمد زكي ليكتب لهم شهادة ميلاد فنية!

الحاجة للحب والتواصل بلا مصلحة هي علامة للصحة النفسية، ولماذا دائما ننتظر لنكرم كبار الفنانين حينما يصلوا من العمر إلى أرذله أو بعد وفاتهم؟ وهل جريمة هيثم أنه كان نجل أحمد زكي النجم الذي لن يأتي الزمان بمثله أبدا؟  أم أن جريمته كانت في أنه لم يستغل نجومية والده الراحل في كثرة الظهور وفرض نفسه على الصحافة والإعلام كما يفعل بعض أبناء النجوم؟ وبقي متفانياً طيلة عمره القصير في محاولة إثبات موهبته لإبعاد شبح التهمة التي كانت تلاصقه دائما أنه يعمل كفنان فقط بسبب أبيه حتى بعد مماته!
رحمك الله يا هيثم وأسكنك فسيح جناته، على تلك الصحوة التي أيقظتها في ضمائرنا بخبر وفاتك المفجع، فكلنا نحتاج قبل فوات الأوان لشيء من المودة والرحمة وعدم الحكم المسبق على الآخرين والتواصل بالحب لا تبعاً للمصلحة، كلنا يغمرنا الشوق لمكالمة تليفونية أو زيارة منزلية أو صحبة الأصدقاء لإظهار الحب في حياتنا وليس بعد الممات، الحب يطيل العمر ويمنح الأمل في الحياة.

لا تخلقوا "هيثم" أو "جوكر" جديد كل يوم بالإهمال واستخدام التكنولوجيا الرقمية الذي أغنانا عن التواصل الشخصي... فكلمة أحبك في الهاتف أو وجهاً لوجه عظيمة الأثر وخيرٌ وأبقى ألف مرة من مجرد "كومنت" أو تعليق على السوشيال ميديا، كما أن الانتقاد الحاد لسلوك البشر والاتهامات المعدة سلفاً والحكم على الناس طوال الوقت يجعلهم يشعرون بالألم والضغط النفسي، الحياة يا سادة فيها من المرارة والصعوبة ما يكفي من الألم والمشقة، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء... لسه الأماني ممكنة.
Advertisements