Advertisements
Advertisements
Advertisements

جيهان منصور تكتب: أوراق اللعبة!

Advertisements
جيهان منصور
جيهان منصور
Advertisements



من يدقق في عناوين الأخبار التي نطالعها يومياً يجد أنها تحتوي دائما على أسئلة كثيرة، قد يطرحها التزامن في التوقيت والتحالفات والمصالح، فما يحدث في الدول العربية مرتبط بأوراق اللعبة العالمية بشكل كبير، فلقد شهد شهر أكتوبر الماضي أحداثاً جللاً في سوريا والعراق ولبنان لايمكن فصلها عن المصالح التركية الروسية الأمريكية الإيرانية.

 ركلة البداية كانت مع التدخل التركي المسلح في شمال سوريا بضوء أخضر أميريكي بعد انسحاب القوات الأمريكية وخذلانها للحليف الكردي الذي حارب داعش لثماني سنوات إلى جانب الأمريكيين، ولا يخفي على أحد أن تلك الصفقة الأميركية التركية- التي تعجب لها الجميع في بدايتها- تمخضت عن سقوط رأس أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الإرهابي في مقابل تحقيق حلم الأتراك بإقامة منطقة آمنة شمال سوريا لتوطين اللاجئين السوريين المتواجدين في تركيا فيها بدلاً من الأكراد، وهو ما يحقق مصلحة كبرى لترامب الذي قدم البغدادي قرباناً لحملته الانتخابية الرئاسية ٢٠٢٠، في المقابل إرتأى العالم أن التدخل التركي أجبر الأكراد للجوء إلى الروس والجيش الوطني السوري لحمايتهم من بطش الأتراك، وفي الخلفية من الحليفين السوري الروسي، تقبع إيران في هذا الثالوث الذي أثبت للعالم تفوقه في سوريا ببقاء الرئيس بشار الأسد رغم مرور ثماني سنوات على قيام الثورة السورية.

    وإذا اعترفنا بهذا الانتصار المحقق في سوريا لصالح إيران وروسيا، فإن هناك هزيمتان محققتان - حتى الآن - لحلفاء إيران في كل من العراق ولبنان، تستخدم فيهما إيران ملاليها أصحاب العمائم بميليشياتهما المسلحة ضد الثوار العزل في بغداد وبيروت، فالمشاهد التي سقط فيها مئات الشهداء في العراق تشير بأصابع الاتهام للحشد الشعبي العراقي المسلح الموالي لطهران بمرجعيات شيعية في العراق، وما شهدناه من خطاب التخوين والتهديد من أمين حزب الله حسن نصر الموالي لطهران أيضاً ضد الثوار في لبنان وهجوم أنصاره المتشحين بالسواد بالعصي على الثوار العزل في لبنان وتحطيم خيم اعتصامهم يشير إلى حلحله وضعف في الموقف الثابت على الأرض لحزب الله لعقود طويلة، خاصة وأنها المرة الأولى التي يندد فيها اللبنانيون بكل النخبة السياسية القائمة متضمنة حزب الله تحت شعار " كلن يعني كلن، نصر الله واحد منهم"

ومما لايدع مجالاً للشك أن الشعبين الشقيقين العراق ولبنان قد ضاقا ذرعاً بالوصاية الإيرانية على مقدراتهما وثرواتهما المنهوبة والمهربة خارج البلاد، هو إصرار المتظاهرين على اسقاط الحكومتين في ظل معارضة شديدة من حلفاء إيران في البلدين، حتى وإن أبدوا عكس ذلك علانية وأعلنوا مناصرتهم لمطالب الثورة كما فعل السيستاني ونصر الله في البداية، لكن مع استمرار المظاهرات وحرق مقرات الأحزاب الموالية لطهران في العراق واستهجان اللبنانيين لخطاب نصر الله الذي اتهم الثوار في لبنان بالعملاء الممولين من سفارات أجنبية، حتى كشر حلفاء إيران في البلدين عن أنيابهم ضد الثورتين اللتين رفعتا شعارات تطالب بإسقاط النظامين، ومن المعروف أن الرئيس اللبناني ميشيل عون وصهره جبران باسيل وزير الخارجية (الذي يحظى بأعلى نسبة كراهية في البلاد والذي أطاح وجوده في الحكومة برأس الحكومة سعد الحريري والذي يتمسك بوجوده نصر الله آملاً أن يخلف ميشيل عون في كرسي الرئاسة على الرغم من كره الشعب له) مقربين من حزب الله كما هو الحال في رئيس وزراء العراق عادل عبد المهدي والذي أعلن استعداده للاستقاله حال توفر بديل له.

أما الموقف الأمريكي الرسمي المتخاذل في سوريا الذي سمح بذبح الأكراد بدم بارد، تجده مهللاً ومحتفلاً جداً بثورة الشعب اللبناني وفي المقابل يندد على استحياء بسقوط شهداء في العراق على اعتبار أن الغزو الأمريكي للعراق هو سبب كل الانهيار السياسي والاقتصادي الحاصل هناك! لكنها لعبة الأوراق الأمريكية المعتادة، فترامب الذي يتعرض لحملة شرسه من الكونجرس الأمريكي المسيطر عليه أغلبية من الحزب الديمقراطي المعارض له، يحاول جاهداً كسب شعبية تصويتية بقتل البغداي وتحقيق انتصار على داعش، لكن ترامب تغافل عن حقيقة أن التدخل  العسكري التركي في سوريا نتج عنه هروب عدد كبير من مسلحي داعش من السجون كما صدر فجر اليوم بيان من تنظيم داعش الإرهابي بتعيين خليفة جديد للبغدادي وتهديد بأن داعش على أبواب أوروبا وأفريقيا، وهو ماينذر بأن هناك تخطيط لعمليات إرهابية كبرى رداً على مقتل البغدادي قد تطال عواصم أوروبية وربما تصل للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما قد يهدد الحملة الانتخابية الرئاسية لترامب الذي ظن واهماً أن فوزه بولاية ثانية مضمون برقبة البغدادي، كما حدث مع أوباما بعد مقتل بن لادن.

وبين هذا وذاك ربما حقق الخليفة العثمانلي الدموي أردوجان بعض طموحاته السياسية بضرب الأكراد اللذين يمثلون الصداع المستمر في رأسه، لكنه ما لبث أن احتفل حتى هبطت على رأسه العقوبات الأمريكية المتمثلة في اعتراف الكونجرس الأمريكي بأغلبية ساحقة بمذابح الأتراك ضد الشعب الأرميني بالإضافة لمنع بيع الأسلحة الأمريكية لأنقرة والمطالبة بكشف حساب مفصل لأردوجان، وهو ما يسمى بضربة الإفاقة لأردوجان الذي توهم أنه حليف قوي لأمريكا وخاصة أن أنقرة عضو في الناتو، لكن العقوبات جاءت بمثابة اعتراف أميريكي أن مخبول إسطنبول ماهو إلا قفاز للعمليات القذرة يزج به في أقرب صفيحة قمامة فور انتهاء اللعبة! هتلعب على مين يا قردو؟!

الخلاصة ياسادة أن الحلفاء والأعداء يملكون أوراق اللعبة التي يحركونها صعوداً وهبوطاً على حسب مصالحهم، فهل يتمخض الكونجرس الأمريكي عن ورقة لعبة حقيقية لعزل ترامب أم ستكون رقبة البغدادي جواز مروره لولاية ثانية؟ وهل سيتقلص نفوذ حلفاء إيران في لبنان والعراق أم سيتم التفاوض على صيغة لاغالب ولا مغلوب كالعادة؟ وهل سيسفر التحالف السوري الروسي وسياسة النفس الطويل التي اعتادوها عن تحطيم آمال مخبول اسطنبول  أردوغان شمال سوريا؟ كلها أسئلة تتأرجح إجاباتها على بورصة الأوراق وقوتها لكنها تشير إلى أن هناك خريطة جيوسياسية جديدة وتحالفات استراتيجية تتشكل وأخرى تتحلحل ستسفر عن نتائجها في الفترة القادمة.
Advertisements