د. رشا سمير تكتب: الإنسانية تحترق

مقالات الرأي



وقررت الطبيعة أن تثور..فأشهرت أنيابها فى وجه البشر..

وقررت الأشجار أن تبكى فآثرت الزهور أن تنحنى فوق أفنانها وتذبل..

وقررت الرياح أن تصمت والشمس أن تغيب..

اجتمعوا معا فى وداع الإنسانية ليصطحبوا البشرية إلى مثواها الأخير..

كانت البداية منذ أعوام يوم حذرتنى ابنتى غاضبة مستنكرة عن استعمالى للزجاجات البلاستيكية، واتهمتنى أننى أساهم فى توحش ظاهرة الاحتباس الحرارى، وكلما اشتكوت من الحرارة ابتسمت ووجهت أصابع الاتهام إلى..

فى البداية أخذت الموقف بمحمل الابتسام والسعادة فى آن واحد، لكون ابنتى أصبحت إنسانة لها قلب وكيان تتعاطف مع المخلوقات الأخرى من بنى جنسها وخصوصا حين أرتنى صور الأسماك والحيتان والكائنات البحرية وهى تموت مخنوقة بأكياس البلاستيك والأسماك التى ابتلعت غطيان زجاجات المياه.. مئات الصور التى لا يمكن التعليق عليها سوى بجملة واحدة هى:

(قسوة قلوب البشر)..

استيقظت البشرية منذ أيام على حرائق غابات الأمازون، تلك الغابات التى تبلغ نسبة الأمطار فيها ما يقارب 440 سنتيمترا فى السنة، أى ما يزيد على نصف مساحة الغابات المطيرة حول العالم، لذا تعتبر غابات الأمازون هى رئة الأرض التى تتنفس منها.

فى ظل تلك الكارثة البشرية التى لم ينظر إليها العالم بعين العقل، تداعى الموقف بين الرئيس البرازيلى جايير بولسونارو والرئيس الفرنسى فرانسوا ماكرون، حين اتهم الرئيس البرازيلى نظيره الفرنسى بالتصرف بـ»عقلية استعمارية» وذلك على خلفية دعوة الأخير إلى مناقشة حرائق غابات الأمازون خلال قمة السبع الكبرى «G7» التى تستضيفها بلاده الشهر الجارى.. وانهال سيل من الاتهامات بين الرئيسين تاركين الحرائق لتلتهم كل شئ..

وفى خضم هذا النزاع الوهمى الذى لا يصف قادة العالم إلا بالحمقى! قررت السماء أن تتدخل وتصيح فى وجوه الجميع: (تبا لكم)!..فقد أمطرت السماء وأطفأت الحرائق..

فى ظل اهتمام العالم ووسائل الإعلام بمتابعة كيم كارداشيان، وطلاق المغنية مايلى سايرس، وحفلات الأسطورة بالساحل، وقلم زينة لأحمد عز وتهكم ريهام السعيد على البدينات وفيلم أولاد رزق!.. فى ظل كل هذا الهُراء مازالت القوى العظمى تتصارع من أجل استعمال النووى..

أمريكا تستعرض عضلاتها الرأسمالية، وروسيا تقف على الجانب الآخر جاهزة للرد وإيران تهدد وإسرائيل تطمئن على مخزونها النووى..

فى ظل هذا الصراع السياسى الذى لم يلتفت فيه أصحاب القرار إلا لمصالحهم الشخصية وفرض سيطرتهم على العالم، ناسين ما حدث يوم أُلقيت القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكى لتقتل 140 ألف شخص فى الحال وتقتل ملايين الأشخاص تباعا جراء الإصابة بأمراض السرطان والتشوهات الخلقية..

ما استوقفنى حقا هو صمت العالم إزاء ما يحدث، واستمرار البشر فى ارتكاب نفس الآثام بضمائر مطمئنة وبدماء باردة..

لقد فقد البشر إنسانيتهم مع مرور الوقت وانتشار الحروب..أعود إلى سؤال طرحه أستاذنا جلال أمين مع بعض التعديل..ماذا حدث للإنسان؟..

الإنسانية كلمة واسعة تشمل الرحمة والحفاظ على ما أعطاه الله لنا من نعم وعطايا لم نقدرها..

على سبيل المثال مجزرة الأشجار التى يقوم بها رؤساء الأحياء فى مناطق القاهرة المتفرقة بدعوى توسيع الشوارع كارثة يجب أن تتوقف..على الرغم من أن توسيع الشوارع أمر ضرورى وحتمى إلا أن هناك طرقا تُتبع فى كل مكان بالعالم للحفاظ على الأشجار وهى خلع الأشجار من جذورها بواسطة ماكينة متخصصة تحافظ على جذور الأشجار ليتم نقلها من مكانها وإعادة زراعتها فى مكان آخر للاستفادة منها فى تنقية الجو، أما ما يحدث من ذبح للأشجار فهو عملية ضد الطبيعة ويجب أن تتوقف حتى لا يساهم البشر فى تدمير الكون..حتى لو بدا كلامى للبعض ساذجا إلا أنه حقيقة يجب أن نفكر فيها جميعا حتى لا نقضى على الكون بأيدينا..

أما فى مسألة الاحتباس الحرارى وذوبان الجليد بالقطب الشمالى فالحل مازال فى أيدينا، يجب أن يتعامل كل فرد فى مكانه من واقع مسئولية مباشرة للحد من تلك الظاهرة..

دولة اليابان على سبيل المثال تبذل جهدا كبيرا فى الحد من تلك الظاهرة، حيث استضافت القمة العالمية لمناقشة الاحتباس الحرارى عام 1997 وخرجت بتوصيات مهمة نفذتها بمساعدة العديد من الدول الكبرى..

آن أوان أن نبحث عن إنسانيتنا المفقودة.. وأن تتحد كل شعوب الأرض، هذه المرة ليس من أجل السلام ولا من أجل قضايا المرأة.. ولكن من أجل إنقاذ كوكب الأرض..