"الحرب التجارية" تضرب التكنولوجيا الأمريكية

بوابة الفجر
Advertisements
ارتدت سهام الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين إلى واشنطن، موقع وإمكانات عديد من الشركات العالمية في البلدين، فأثرت فيها سلبا، بانخفاض القيمة السوقية لبعضها وتراجع مبيعات بعضها الآخر، وتقلص أرباح آخرى.

ورغم أن نيران الحرب التجارية، بدأت من الولايات المتحدة، إلا أنها ارتدت على قطاع التكنولوجيا الأمريكية، إذ بلغت الخسائر السوقية لنحو خمس شركات عملاقة، وهي فيسبوك وأبل وأمازون ونتفليكس وجوجل، 150 مليار دولار، ثلثها تركز في شركة أبل بقيمة 53 مليار دولار.
ومن نافلة القول، إن درجة تأثير وتأثر الشركات الكبرى بالاقتصاد الدولي ومساره تتفاوت، إلا أن شركات التكنولوجيا وتحديدا "أبل" الأمريكية و"هواوي" الصينية، كانتا في مقدمة الشركات التي عانت كثيرا من تلك الحرب التجارية، التي لا يبدو لها نهاية في الأفق المنظور، وسط توقعات أن تزداد حدة في الأشهر المقبلة.
لكن كيف نالت الحرب التجارية من "أبل" و"هواوي"؟ وما التأثير الحقيقي للتطاحن الأمريكي - الصيني في مبيعات الشركتين وقيمتهما السوقية؟ والأهم، ما المصير المستقبلي المتوقع لهما إذا ما تواصل العراك الأمريكي - الصيني؟ فهل ستخرج "أبل" منتصرة من تلك المعركة وتوجه ضربة قاضية لمنافستها التي ترمي إلى احتلال الصدارة؟ أم أن النتيجة النهائية للمعركة ستكون احتلال شركة هواوي قصب السبق، لتدخل "أبل" غياهب النسيان مثلها في ذلك مثل عديد من شركات التكنولوجيا، التي كانت يوما ما ملء السمع والبصر، ولا يتذكرها أحد حاليا إلا لماما؟.
لكن السؤال، لماذا يمكن أن تكون شركة أبل معرضة للخطر؟ فهي أحد عمالقة التكنولوجيا عالميا، وواحدة من كبريات الشركات ليس فقط في الولايات المتحدة، إنما عبر تاريخ النظام الرأسمالي كله، فلماذا يمكن أن تكون معرضة للخطر؟
هنا يقول الدكتور وليام كوينز؛ أستاذ إدارة الشركات في كلية التجارة في جامعة لندن، أن "الأيقونة الأساسية لشركة أبل ومبيعاتها، هو الهاتف الذكي "آيفون"، ويجمع الجهاز أساسا في الصين للاستفادة من انخفاض تكاليف العمالة، ورفع التعرفة الجمركية جوهر الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، ولهذا سترتفع أسعار أجهزة الهواتف الذكية من إنتاج شركة أبل، وزيادة التعرفة الجمركية 25 في المائة، يعني ارتفاع سعر آيفون إكس إس بنحو 160 دولارا، ما يعني تحول جزء ملموس من عملاء "أبل" في سوق أجهزة الهواتف الذكية إلى أنواع أخرى ربما تكون من بينها "هواوي".
ويضيف كوينز، "البديل أن تقوم أبل بتحمل الزيادة في الرسوم الجمركية، إلا أن هذا سيؤدي إلى انخفاض ربحية السهم 23 في المائة بحلول عام 2020".
ويروج بعض أنصار الحرب التجارية بأن الحل بسيط، ويكمن في تحول "أبل" من الصين إلى بلدان أخرى منخفضة التكلفة الإنتاجية، مثل فيتنام أو الهند، لكن هذا الحل لا يبدو بتلك الدرجة من البساطة، وأحيانا يتناقض مع حسابات الربحية الاقتصادية طويلة الأجل.
المحلل المالي في مجموعة نت ويست المصرفية آندروا ديريك، من جهته قال "بالنظر إلى الاعتماد على القوى العاملة الثابتة ومنخفضة التكلفة في الصين، وخبرتها في التصنيع، فإن الانتقال على نطاق واسع لأبل خارج الصين لن يكون مكلفا فحسب، بل سيستغرق عدة أعوام حتى يكتمل، كما أن جزءا كبيرا من أرباح أبل يأتي من بيع منتجاتها للمستهلكين الصينيين، والعام الماضي حققت أبل أرباحا تقدر بـ265.6 مليار دولار، من بينها 51 مليار دولار من إيرادات الصين الكبرى، وأعني الصين وهونج كونج وتايوان، واحتلت المرتبة الثالثة في المبيعات بعد الأمريكيتين وأوروبا".
بالطبع، تدرك "أبل" حجم المخاطر التي تتعرض لها قيمتها السوقية نتيجة الحرب التجارية، ولذلك تعارض بشدة وترفض فرض ضرائب على الواردات من الصين، كما أن الشركة تدرك تماما أن منتجها الرئيس "آيفون" مرتفع التكلفة مقارنة بالهواتف الذكية الأخرى في الأسواق الناشئة حتى قبل رفع الرسوم الجمركية، ومن ثم فإن الحرب التجارية يمكن أن توجه المشترين، خاصة الصينيين، إلى تفضيل المنتجات المصنوعة من "هواوي".
وبالفعل، تشير الإحصاءات إلى أن "أبل" فقدت جزءا ملموسا من حصتها في الأسواق الصينية بنحو 14 في المائة من الهواتف المحمولة لمصلحة "هواوي"، التي زادت مبايعتها في الربع الثاني 31 في المائة.
وفي الواقع، فإن "أبل" لم تكن الشركة الأمريكية الوحيدة التي منيت بخسائر نتيجة الحرب التجارية، فما تعرف بالخمس الكبار "فيسبوك وأبل وأمازون ونتفليكس وجوجل"، تعرضت أسهمها للانخفاض، وقدرت خسائرها مجتمعة بـ150 مليار دولار، أي ما يزيد على قيمة أحد عمالقة التكنولوجيا "إي بي إم"، واحتلت "أبل" مقدمة الخاسرة، فانخفضت قيمتها السوقية بنحو 53 مليار دولار نتيجة تلك الحرب.
مع هذا، لا تبدو الصورة شديدة السوداوية من وجهة نظر سيمون ميلس، المحلل المالي في بورصة لندن.
ويقول لـ"الاقتصادية"، إنه "حتى قبل الحرب التجارية كانت قوة الاندفاع الخاصة بـ"آيفون" باعتباره مركز الربحية لشركة أبل في تراجع، ما جعل الشركة تركز على أعمال الخدمات، وأنواع الأجهزة القابلة للنمو لتعويض التراجع في إيرادات آيفون. وأعمال أبل غير المتعلقة بآيفون عززت إجمالي إيرادات أبل 1 في المائة في الربع الثالث من العام المالي الحالي، وذلك بعد انخفاض إيراداتها في الربعين الأولين من هذا العام".
وأضاف، "في الواقع فإن أبل، وعلى الرغم من معارضتها لحرب ترمب التجارية، تعتقد أن الاستقطاع من حصتها السوقية لن يذهب إلى هواوي، إنما تخشى من منافسة شركة سامسونج الكورية الجنوبية لها، مبينا أن الحرب التجارية تفتح ثغرة في الأسواق لمصلحة سامسونج ومنتجاتها، وتتيح لها إمكانية اكتساب مزيد من الأرضية في سوق الهواتف المحمولة، نتيجة انخفاض أسعارها مقارنة بأبل الأمريكية وهواوي الصينية، وهو ما ترجم بارتفاع أسهم شركة سامسونج في بورصة كوريا بنحو 4 في المائة".
لكن ماذا عن وضع "هواوي" في الأسواق؟ ما حجم خسائرها الحالية والمتوقعة؟
رسميا، قدرت شركة هواوي حجم خسائرها نتيجة الحظر الذي فرضه الرئيس ترمب عليها قبل أن يتراجع عنه بنحو 30 مليار دولار خلال عامين.
إلا أن الدكتور وليام كوينز يعتقد أن تلك الأرقام غير صحيحة على الإطلاق، وأن حجم الخسائر إذا أقدمت واشنطن بالفعل على حظر هواوي من الاستعانة بالتكنولوجيا الأمريكية، سيكون أضعاف هذا الرقم.
وقال لـ"الاقتصادية"، إن "مبيعات هواوي ارتفعت العام الماضي 20 في المائة لتبلغ 104 مليارات دولار، والأسابيع الأربعة التي ساد فيها الحظر الأمريكي كانت كفيلة بأن تتراجع مبيعات الشركة من الهواتف الذكية 40 في المائة".
وأضاف، "حتى قبل الحظر الأمريكي ونتيجة الحرب التجارية، فإن هواوي تخلت عن هدفها بأن تطيح بسامسونج من صدارة مبيعات الهواتف المحمولة، وإذا تجدد الحظر الأمريكي، فإن هواوي لن تختفي من السوق العالمية، فأصولها بلغت نحو 100 مليار العام الماضي، وبالطبع هي شركة عملاقة، ولدى منتجاتها قبول في عديد من الاقتصادات الناشئة نتيجة انخفاض الأسعار، لكنها لن تفلح في مقارعة أبل".
مع هذا يعتقد البعض أن تلك الحرب التجارية ربما لن تسفر عن الإطاحة التامة بـ"أبل" من مصاف الشركة الرائدة عالميا، إنما ستفتح الطريق أمام "هواوي" للتقدم بقوة في الأعوام المقبلة، فخلال النصف الأول من العام الجاري باعت "هواوي" 95 مليون هاتف ذكي، بزيادة 30 في المائة على أساس سنوي.
ووفقا لموقع "هواوي" على الشبكة العنكبوتية، فإن كبار المسؤولين يتوقعون أن تحتل المركز الثاني بعد "سامسونج" في نهاية العام المقبل، وأن تحتل لفترة وجيزة المرتبة الأولى عالميا، وتحديدا في الربع الأول من عام 2020، وأن الشركة ستواصل الاحتفاظ بنسبة 27 في المائة من السوق الصينية.
بينما سيأتي معظم النمو من آسيا وأوروبا، وستصل المبيعات إلى 200 مليون هاتف ذكي بنهاية عام 2019، بزيادة 31 في المائة عن العام الماضي.
وتعد "هواوي" أن هذا الإنجاز في مجال الهواتف الذكية، يعد قفزة كبيرة إلى الأمام، خاصة في ضوء تراجع مبيعات الهواتف الذكية على المستوى العالمي 2 في المائة.