عادل حمودة يكتب: الغيب والوحى بعد رسول الله .. الصوفية فيها ما فيها (4)

مقالات الرأي



لا يعلم الغيب إلا الله ولكن لو شاء سبحانه وتعالى أن يطلع أحدا عليه فهذا فضل منه

العلم الحديث جعلنا نعرف الغيب والدليل على ذلك سونار كشف جنس الجنين

وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء


عندما نذكر الله كثيرا.. تصبح مساحة الجمال أكبر من مساحة القبح.. وتتجاوز قوة العدل قسوة البطش.. وتحتل الرحمة كل أرض سيطرت عليها الشدة.

عندما نسبح بحمد الله كثيرا.. تبرق عيون المتشددين بالوداعة.. وينسج الحرير خيوطه ببراعة.. وتتوالد أوراق الفل بسحر البراءة.

لا حدود لكلمات الله.. فلو كان البحر هو الحبر الذى نكتب به هذه الكلمات لنفد البحر ولم تنفد كلمات الله.. ولو جئنا بمثله مددا.

ولعل الصوفى هو الأكثر إحساسا وإيمانا بذلك رغم تلك الأفكار الخاطئة الهائمة السائدة غير المتسمة بالدقة عن الصوفية.. مثل رفع التكليف.. وأهل الخطوة.. والقدرة على شفاء المرض.. ورد الغائب إلى أهله.. وغيرها.

إن هذه العبارات ربما تكون صحيحة ولكن الخلاف كالعادة حول المعنى.

ولنبدأ بمعرفة الغيب.

معرفة الغيب باب واسع.. لا يعلم الغيب إلا الله.. هذا صحيح.. ولكن.. الله إذا شاء أن يطلع أحدا من خلقه على غيبه فلا حرج على فضل الله.. يقول سبحانه وتعالى: «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا».. الله يعلم الغيب ولكن هناك استثناء يمنحه إلى من ارتضى من رسول.

الغيب أنواع

هناك غيب شهادة.. وهو أبسط أنواع الغيب.. كأن تعلم ما فى جيبك من نقود ولا يعلمه جارك.. كأن تعلم ما تفكر فيه ولا يعلمه غيرك.. ما تعلمه أنت وغاب عن الآخرين هو بالنسبة إليك شهادة.. ما أمامك شهادة وما خلفك غيب.. لو كنت تقود سيارتك.. ما تراه أمامك شهادة وما خلفك غيب لن يصبح شهادة إلا إذا كانت هناك مرآة تنظر فيها لترى ما وراءك.. وغيب الشهادة لا علاقة له بإيمان أو كفر فهو مستوى عادى جدا من الغيب.

كانت هناك غيوب شهادة لم تكن متاحة للإنسان أن يعرفها ولكن تيسير العلم أتاحها لنا.. إننا لم نكن نعلم ما فى بطن الأم الحامل بالعين المجردة (ولدا أم بنتا؟) ولكن جاء السونار ليحدد لنا ذلك ويجيب بسهولة على سؤال كان صعبا.. وأيضا كشفت لنا الأشعة ما كان مجهولا بالنسبة لنا فى داخل جسم الإنسان مثل الأمراض والكسور.. كذلك كشف لنا الرادار الطائرات والسفن البعيدة التى لا نراها بالعين المجردة.. إن ذلك علم غيب يسره الله لنا من خلال هذه الأجهزة.

وإذا كان الله قد أطلع عباده بواسطة هذه الأجهزة على مستوى معين من الغيب فإنه قادر ولا شك أن يجعل بعض عباده فى حد ذاتهم أجهزه شفافة تكشف بقدرته ما يشاء من غيب لا يتاح لغيرهم.. يقول صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله».

من الذى أطلع عمر بن الخطاب وهو على المنبر فى المدينة أن سارية محاصر فى الشام وأن النصر لن يكون إلا باعتصام الجبل.. كشف عن بعد الموقعة كلها ثم نادى: يا سارية.. الجبل.. الجبل.. وسمعها سارية وسط صخب المعارك وصهيل الجياد وصليل السيوف.. سمعها وميز صوت صاحبها فلما عاد من المعركة أخبر أمير المؤمنين بما جرى.

وعندما سئل عمر بن الخطاب تفسيرا لتلك المعجزة الخارقة أجاب دون تردد: «إنها كلمات أجراها الله على لسانى».

أطلعه الله على غيبه.. أنطقه بخطة الانتصار.. وسمع سارية النداء.. ونفذ الخطة.. ليثبتا أن فراسة المؤمن تكشف الغيب أحيانا بإذن الله.

هناك أشياء نعرفها كبشر.. شركة الكهرباء تعرف استهلاكنا من الكهرباء.. شركات التليفون المحمول تعرف كم مكالمة أجريناها.. إنها تعرف ذلك بواسطة الحاسب الآلى.. لكن الحاسب الآلى لا يعلم الغيب.. لكنه مبرمج على أداء هذه الوظيفة.. والحاسب الآلى وغيره من أجهزة صنعها الإنسان لكشف بعض مما لا نعرف.. ولكن.. ذلك ليس كشفا إلا لغيب محدود فى حدود الخبرة البشرية.

أما النبى صلى الله عليه وسلم فقد أخبر المؤمنين بفتح مصر قبل أن يفكر أحد فى فتحها.. مما يعنى أنه كان يعلم الغيب.. ولكن.. لا أحد مهما بلغت مكانته يعلم الغيب بنفسه أو بذاته أو قدرته.. وإنما بمنحة من الله.. الله يعلم (بضم الياء) من يشاء.. ولا حرج عليه.

لا قدرة لملك عادل ولا نبى مرسل ولا ولى من أهل الخطوة على شيء من ذلك كله.. ولكن القدرة لله سبحانه وتعالى.. الله وحده هو الذى منح الكلاب البوليسية حاسة الشم التى تكشف اللصوص وتجار المخدرات دون أن يمنحها للضباط حتى الكبار منهم.. الله هو الذى منح الكلاب أيضا القدرة على التنبؤ بالزلازل وهو ما لا يعرفه علماء الجيولوجيا.. لا أحد يعلم إلا ما علمه الله.. ولا حدود لذلك العلم الخاص والمميز.

على أن هناك غيباً آخر يسمى غيب الإرادة.. الغيب الذى أخبر به الله ملائكته بأنه جاعل فى الأرض خليفة.. وقالوا: «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك».. لقد عرف الملائكة الغيب.. علموا أن البشر سيفسدون فى الأرض ويسفكون الدماء.. علموا ذلك قبل أن يخلق آدم وقبل أن تتكاثر ذريته على الأرض وتقع أول جريمة فيها ويتحقق ما قالوه.

وهناك غيب يسمى غيب الإيمان وهو المستوى الأعلى من الغيب.. وهو غيب يكشفه الله لمن يختص من خلقه والدليل على ذلك قصة الخضر وموسى.

شاهد ركاب السفينة الخضر وهو يخرقها.. شاهدوا ما لم يشاهده غيرهم.. رأوها وقد خرقت.. وهو غيب شهادة.. ورأى موسى الخضر وهو يخرقها.. وهو مستوى أعلى من الغيب.. فموسى يعلم من خرق السفينة.. ولكن المستوى الثالث والأعلى من الغيب هو ما رآه الخضر.. الحكمة من خرق السفينة وهى الحفاظ على السفينة لأصحابها حتى لا يصادرها الملك الذى لم يكن يصادر السفن المعطوبة ويكتفى بمصادرة السفن السليمة.. ويمكن القول بالتفسير نفسه فى قتل الغلام وإقامة الجدار وباقى القصة مشروح بالتفصيل من قبل.

وهناك أيضا غيب يسمى الغيب المحمدى وهو خاص بمنزلة ومرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخلق وسمى رسل الله غيبا فى قوله تعالى: «وما هو على الغيب بضنين».. بمعنى أن الله لم يضن على رسوله بشيء مباح لخلقه غير أن هذا النوع من الغيب يدخل فى باب الاستثناء.. فلا يظهر على غيب منزلة الرسول إلا من ارتضى الله من رسول آخرين.

غير أن هناك نوعا من الغيب استأثر به الله لنفسه ولم يطلع عليه أيا من خلقه حتى الرسول وهذا النوع من الغيب يسمى الغيب المطلق وهو محور الآية: «لا يعلم الغيب إلا الله» وهو متعلق بكنه الذات العلية أى الصفات الذاتية حتى أن من يدعى علمه بها يكون من المشبهين وهو ما حذر الله منه: ويحذركم الله من نفسه.. وذلك رحمة ورأفة بالعباد: والله رؤوف بالعباد..لأنه لا طائل من وراء الخوض فى هذا النوع من الغيب إلا الوقوع فى المحظور وعدم التنزيه.. ولله المثل الأعلى.. وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون.. وهذا بيان للمسموح والممنوع بإذن الله وقدرته.. فليس كل غيب يتساوى مع الغيب الآخر من حيث النوع والإباحة والتحريم.

خلاصة القول: كل الغيوب لا يعلمها إلا الله ولكن هناك غيوب يسمح بقدرته لخلقه بمعرفتها: غيب الشهادة.. غيب الإرادة.. غيب الإيمان.. الغيب المحمدى.

وهناك غيوب لم يسمح الله بها: الغيب المطلق.

ونأتى إلى سؤال آخر: هل هناك وحى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

سؤال تبدو الإجابة عليه سهلة وسريعة وحاسمة: لا ليس هناك وحى بعده فهو خاتم الأنبياء والمرسلين.. ولكن.. الإجابة السهلة والسريعة والحاسمة غالبا ما لا تكون صحيحة.

الوحى سر بين ملق ومتلق.. سر بينهما.. لقوله سبحانه وتعالى: رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح (الوحى) من أمره على من يشاء من عباده.. ويسمى الملقى بالموحى.. ويسمى المتلق بالموحى إليه.

وعلى هذه القاعدة يكون الوحى أنواعا.

هناك إلهام كقوله سبحانه تعالى: «وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون» وهو وحى جاء من الله مباشرة دون جبريل أو ملك آخر.. وحى تلقاه كائن غير بشرى.

ويمكن أن يكون الكائن الذى يتلقى الوحى مثلنا.. بشرا وليس رسولا.. كما فى قوله تعالى: «وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه».

ويمكن أن يكون الوحى جمادا.. ففى يوم القيامة سيوحى الله للأرض بما عليها أن تفعل كما فى قوله تعالى: «يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى إليها».

هذا النوع من الوحى لم ينقطع فلا يزال النحل يفعل ما أوحى الله به.. مثلا.

وهناك وحى يسمى وحى منام وهو الرؤيا الصالحة التى يراها المؤمن أو يرها غيره له.. الرؤيا هنا لا تخرج عن كونها نوعا من الوحى لأن النائم فى موضع المتلقى لا يملك حيلة هو كالميت بين يدى الله.

وهناك وحى رسالة وهو الذى يخص به الله رسله وأنبياءه وهذا هو الوحى الذى انقطع فلا وحى رسالة بعد رسول الله وأشرف خلقه.

وهناك وحى غريب لا يدل على الصلاح والتقوى نراه فى قوله تعالى: «يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا».. هو وحى التدبير السئ.. وحى إبليس لمشركى مكة بأن يجمعوا رجلا من كل قبيلة ليقتلوا النبى.. ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل.. ووحى التدبير هو وسواس بين فاسد وفاسد.. بين فاسق وفاسق.. بين إبليس والبشر.

وهناك أيضا وحى من بشر إلى بشر.. يقول سبحانه وتعالى عن سيدنا زكريا: «فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن يسبحوا بكرة وعشيا».. لقد كان زكريا وهو فى المحراب فى موضع الموحى إليه من الله.. كان فى موضع المتلقى.. ولكنه ما أن خرج إلى قومه حتى أصبح فى موضع الملقى والموحى.

إذن لو جاز التعبير أن يكون هناك وحى مباشر من الله إلى النحل والأرض وأم موسى أفلا يجوز بين الله والنبى؟.. وحى يضاف إلى الوحى غير المباشر بواسطة الأمين جبريل.. إننا نعرف الوحى عن طريق سيدنا جبريل أما كيف كان الوحى مباشرا فقد ذكر فى قصة المعراج: «ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى».

لذلك قلنا: إن الوحى سر بين ملق ومتلق.. يقول سبحانه وتعالى: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا».

ويمكن القول: «إن الوحى سر بين متناجين.. والنجوى قد تكون وسواسا من الشيطان.. ولكن ليس كل نجوى من الشيطان.. يقول سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى».

وخلاصة القول: إن ما انقطع من وحى هو فقط وحى الرسالة أما وحى الإلهام والمنام فهما مستمران إلى يوم تقوم الساعة ويحظى بهم أكثر أولياء الله وأحباب الله وأصحاب الله.

وحسب ما نقل فرانكلين لويس عن مؤلفات الرومى فإن أكثر الصوفية يعطى منزلة خاصة فى قلبه للإمام على بن أبى طالب تفوق وتتجاوز منزلة الخلفاء الراشدين الآخرين والسبب هو أن كثيرا من الطرق الصوفية تعد عليا المتلقى الأول لعلم الباطن من الرسول يضاف إلى هذا أن اهتمامات على الخلقية القوية حتى اعتبره الرومى فخرا لكل نبى ولكل ولى.

ولكن الرومى ينكر إنكارا واضحا أن يكون العالم الروحى لا يدور إلا حول المنحدرين من نسل على وهو الأصح يدور حول القطب الروحى ذلك الولى برغم احتجابه عن أعين معظم الناس فى كل عصر ويتولى القيام بالمهمة التى يخصصها الشيعة للإمام الغائب أو المهدى المنتظر.

ويقول الرومى بالنص:

وليس يخلو أى دور من ولى قائم وسيبقى امتحان الخلق حتى القيامة.

وكل من كان له طبع حميد فقد نجا وإما من كان ذا قلب هش كالزجاجة فقد تحطم.

فالإمام الحى القائم هو ذلك الولى سواء أكان من نسل عمر أم من نسل على.

إنه المهدى والهادى أيها الباحث عن الطريق وهو محتجب عنك وفى ذات الوقت جالس فى مواجهتك.

وهو مثل النور وأما العقل فهو له بمثابة جبريل.

ولكن القضية الأخطر وصاية البعض على الدين بدعوى أنهم يحملون شهادات عليا جعلت منهم علماء.. والحقيقة أنهم يحركون شفاههم ولكنهم لا ينطقون.. يشاهدون ما تعانيه الأمة ولكنهم لا يرحمون.. ويدعون أنهم ينفذون قواعد السماء وقوانينها ولكنهم فى الحقيقة يتصرفون على طريقة الباعة الجائلين.

إن أسماء الله الحسنى تشمل الرحمة والعدل والكرم والسلام والنور والنفع والرشد والعزة والإيمان والرفعة فلا يجوز أن نضيق ما وسعه الله وأن نعقد ما بسطه وأن نخجل مما أباحه.. الحلال بين والحرام بين.. فإذا كان الإسلام قد ظهر فى مجتمع جاهلى معقد ومتصارع ونجح فى تغييره فكيف لا يحدث ذلك فى مجتمعاتنا الآن وقد زاد الفهم والعلم؟.. كيف استوعب الجاهليون دين الله وعجزنا نحن بكل ما نملك من قدرات عقلية وثقافية عن ذلك؟.

لعل السبب هو أولئك الذين وضعوا أنفسهم فى موقع الوساطة بين الناس والسماء دون خجل ورحوا يفتون بغير رؤية وبعيدا عن أحكام الله أحيانا فكان أن خاف الناس من الدين بدلا من أن يحبوه وكان أن شعر الناس أن الدين سجادة من المسامير والأشواك وليست سجادة من الحرير والإيمان.

إن كل شئون الدين أسهل وأبسط وأرحم مما يعرفه الناس ويعتقده الناس ويتصوره الناس.. وسأضرب مثلا على ذلك: لو فرض أن مسلما جاور مشركا وكان بيت المشرك فى اتجاه القبلة فهل تبطل صلاة المسلم؟.. سمعت رجلا فى زاوية صغيرة على الطريق الصحراوى يحرم ذلك فى خطبة صلاة الجمعة.. ويدعو المسلم للانتقال إلى سكن آخر بحيث لا يمنعه عن القبلة مانع غير إسلامى أو مانع غير شرعى على حد قوله.

والحقيقة أن ما سمعت من الرجل الطيب ليس له ظل من أحكام الله.. ليس هناك ما يمنع أن أصلى فى اتجاه بيت غير مسلم.. بل زد على ذلك أن يكون لدى هذا الجار غير المسلم كلب وحمار وأى حيوان آخر ثم نفقت تلك الحيوانات كلها ودفنها تحت الجدار الذى يفصل بين بيته وبيت المسلم.. إن ذلك لا يمنع صلاة المسلم.. لا يبطلها.. الصلاة صحيحة ولو كان بيننا وبين اتجاه القبلة مقبرة من الحيوانات.. ولو كان بيننا وبين اتجاه القبلة ما يسبب الدنس والنجاسة.

ولو كان ذلك سليما وصحيحا وشرعا فما هو الرأى فى الصلاة بمسجد فيه ضريح لولى مسلم من آل بيت رسول الله؟.. إن البعض يحرم الصلاة فى مسجد به ضريح لولى من أولياء الله أو لواحد من آل البيت.. فلو كانت الصلاة مباحة فى بيت يلتصق به قبر حيوان فهل تكون محرمة فى مسجد به ضريح لولى من الصالحين؟.

إن الصلاة تكون باطلة لو انصرف المسلم عن القبلة قلبا (عقيدة) أو قالبا (جسدا) أو أحدهما: مجتمعين أو منفصلين ولو صلى خلف نبى من الأنبياء حيا يرزق (مجازا).. أما إذا اتجه المؤمن إلى القبلة قلبا وقالبا فلا يضره ما اعترضه من الموتى سواء أكانت حيوانات أو بشراً.. مسلمين أو مشركين.. ولكنه إذا ما انصرف عن القبلة فلا ينفعه ما اتجه إليه ولو كان نبيا حيا.. أما المقصود باتخاذ القبور مسجدا الذى نهى الدين عنه فمعناه أن يصلى المسلم على القبر نفسه.. فوقه.. أو يتجه إليه فى غير اتجاه القبلة.

وهناك نقد آخر شهير للتمسح فى أضرحة الأولياء.. الذين يسدون باب الرحمة ويتسرعون فى الفتوى يقولون: إنهم يتمسحون فى حديد وخشب وفضة ونحاس ولكن لو كان الذاهب إلى مقام الولى يقصد الحديد فى حد ذاته أليس من الأفضل له أن يذهب إلى مخازن السكك الحديدية؟.. ولو كان يقصد الخشب فى حد ذاته أليس من الأفضل له أن يذهب إلى مخازن الخشب الواسعة التى تحتفظ بمئات الأطنان من مختلف الأنواع؟.. ولو كان هدف الزائر أن يقبل بابا أو شباكا فما الذى يجعله يتحمل المشقة ليقبل شباكا أو بابا فى ضريح الولى؟.. لم لا يقبل بابا أو شباكا فى بيته؟.

ويمتد التشدد إلى ما هو أصعب وأسوأ.. إطلاق الحكم بالتكفير على كل من نستريح إليه.. والتكفير غالبا ما يتبعه تدمير.. تدمير المجتمع بالخروج عليه.. وتدمير أفراده باغتيالهم.. وتفتيت طوائفه بتغذية نزعات التفرقة بينهم.. وهكذا.. لا يمر وقت على دولة إسلامية إلا وتعانى من تفجير أو تقسيم أو حرب أهلية.. يتبعها فقر وقهر وجهل وضعف فى زمن لا يحترم سوى العلم ولا يسجد إلا للقوة.

إن لنا عقولا تميز ولنا دينا لا يسد منافذ الرحمة فلم يعاملنا من وضع نفسه فى موضع الفتوى وكأننا قطيع لا يفهم؟.

ونقول كما يقول العقلاء: لا تحريم إلا بنص وما لم يحرم بنص فحكمه فى الدين الإباحة وتحريم المباح تشريع بغير نص وحكم بغير ما أنزل الله.