"عبد البصير": نجيب محفوظ عشق مصر القديمة وكان يخطط لكتابة 40 رواية عن القدماء

أخبار مصر

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ


قال الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف أثار الإسكندرية، إن الأديب نجيب محفوظ من أوائل الأدباء المصريين الذين كتبوا عن مصر القديمة، واتصفت أعماله بالدقة والصياغة الفنية الفائقة وصدق المعلومة التاريخية وبعث الأجواء القديمة باقتدار، حيث بنى معمار معظم أعماله بطريقة القصة الأدبية ذات البعد السياسي والأسطوري أو على قصة متواترة من التراث أو على حدث تاريخي معروف أو عن شخصية ملكية مثيرة.

وأضاف "عبد البصير" أنه قد يبدو غريبًا لدى البعض اهتمام محفوظ بمصر القديمة، غير أن هذا الاهتمام له ما يبرره من أسباب عديدة، فقد بدأ حب كاتبنا الأكبر نجيب محفوظ لمصر الفرعونية مبكرًا حين كان صغيرًا يعيش في منطقة سيدنا الحسين، ثم في العباسية بعد ذلك؛ وكانت أمه المرأة المصرية البسيطة ذات الحس الحضاري العفوي تأخذ ابنها الصغير لزيارة الأماكن الأثرية خصوصًا المتحف المصري بوسط القاهرة، فتعلق أديبنا بمصر القديمة وعشق حضارتها.

وأشار إلى أن تعلقه بثورة 1919 وما بثته من بعث وإحياء لمصر وحضارتها الخالدة، ازداد وعيه ووعي المصريين بمجد حضارتهم الغابرة للرد على محاولات المستعمر البريطاني الغاشم المستمرة لطمس الهوية المصرية، وكان اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون في 4 نوفمبر 1922 أكد صدق وحدس زعيم الثورة ورجالها أن مصر دولة عظيمة ذات حضارة رائدة وأنها تستحق الاستقلال.

وقال عبد البصير إن نجيب محفوظ بدأ خطوات عملية في تأصيل وعى المصريين بتراثهم الحضاري العريق، فقام في نهاية مرحلة دراسته الثانوية بترجمة كتاب "مصر القديمة" لجيمس بيكي؛ وأرسله بعد ذلك إلى الأستاذ سلامة موسى الذي أصدره في دار النشر الخاصة به وأرسل منه نسخة بالبريد للطالب نجيب محفوظ، ونشأت علاقة قوية بين التلميذ وأستاذه سلامة موسى الذي توسم خيرًا فيه وآمن بموهبته، ونشر الكتاب 1932.

وبدلًا من أن يدرس نجيب محفوظ الأدب كما كان يخطط، التحق بقسم الفلسفة في كلية الآداب في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) تأثرًا بأستاذه سلامة موسى وغيره من كبار المفكرين المصريين في أوائل القرن العشرين الميلادي أمثال عباس محمود العقاد وهيكل وطه حسين والحكيم، وكان محفوظ يتردد على قسم الآثار المصرية القديمة بنفس الكلية ليتعلم ويستمع إلى محاضرات أساتذتها من علماء المصريات الأجانب عن مصر القديمة وآثارها وتاريخها، فضلًا عن دراسته وقراءاته الذاتية عنها، وبدأ بكتابة المقال الفلسفي متأثرًا بدراسته، وشرع بالفعل في إعداد وكتابة رسالة للماجستير في الفلسفة عن موضوع «الفلسفة الجمالية عند الشيخ مصطفى عبد الرازق»، غير أن تأثره بالأدب كان أقوى، فترك البحث الأكاديمي وانغمس إلى أذنيه في كتابة الأدب، لكنه لم يهجر الفلسفة فظهرت مرارًا في كتاباته الأدبية، ويعد واحدًا من أوائل الروائيين العرب الذين مزجوا في كتاباتهم بين الأدب والفلسفة.
وتأثر أيضًا نجيب محفوظ بأستاذه توفيق الحكيم وروايته الفذة «عودة الروح» التي استوحى فيها توفيق الحكيم أسطورة إيزيس وأوزيريس من أجل بعث وإحياء مصر والأمة المصرية كما تم بعث وإحياء أوزيريس عن طريق زوجته المخلصة إيزيس، وكان من ثمار بداية إنتاجه الأدبي ثمانين قصة، وكان من بين قصص هذه المجموعة، قصتان الأولى "يقظة المومياء"، والأخرى تدعى "صوت من العالم الآخر".

وخطط محفوظ لكتابة أربعين رواية عن تاريخ مصر، غير أنه لم يكتب منها إلا ثلاث روايات هي "عبث الأقدار" "رادوبيس" و"كفاح طيبة"، وماتت الروايات السبع والثلاثون الباقية بالسكتة كما قال نجيب محفوظ نفسه، حيث جذبت التحولات السياسية نجيب محفوظ بشدة أكثر مما جذبته مصر القديمة إذ كان نجيب محفوظ يحلو له أن يصنف نفسه بـ «أديب الحاضر» في مواجهة النوعين الآخرين من الأدباء: أديب الماضي وأديب المستقبل.
وأضاف عبد البصير أنه على الرغم من انشغال محفوظ بالواقع المصري المعايش ابتداءً من روايته الشهيرة «القاهرة الجديدة» (عام 1945)، لم ينسِ غرامه القديمة بفاتنته، مصر الفرعونية، فكتب واحدة من أهم رواياته في عقد الثمانينات من القرن العشرين أعنى رواية «العائش في الحقيقة» (عام 1985) والتي كتبها من وجهة نظره المصرية البحتة عن فرعون التوحيد، الملك المصري الفيلسوف، «أخناتون»، وأغلب الظن أن فكرة هذه الرواية ظلت تطارد عقل ومخيلة نجيب محفوظ زمنًا طويلًا منذ أن خطّط أن يكتب تاريخ مصر بشكل روائي في بداياته الأدبية؛ إذ لا يمكن تخيل كتابة تاريخ مصر دون الحديث عن الفرعون الشهير أخناتون ودعوته الدينية المثيرة.

وبعد اغتيال الرئيس السادات، أجرى محفوظ محاكمة ومواجهة روائية بين حكام مصر منذ البداية وتحديدًا من عهد الملك مينا موحد القطرين وأول ملك لمصر الموحدة إلى عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات في عمل أدبي جديد في نوعه يصعب تصنيفه يدعى «أمام العرش» (حوار بين الحكام) عام 1983، ويوضح هذا العمل القصير الفذ تشعب وعمق وتنوع ثقافة نجيب محفوظ وإلمامه بتاريخ مصر وأبرز معالمه ورجاله عبر العصور ووجهة نظره الشخصية فيما مر بمصر من أحداث طيبة كانت أو غير طيبة في قالب أدبي فريد.

وقال عبد البصير إن ثلاثية نجيب محفوظ عن مصر القديمة «عبث الأقدار»، رادوبيس»، و«كفاح طيبة»، ورواية «العائش في الحقيقة» تعتبر هي الأعمال الروائية الفرعونية في مسيرة أديبنا الطويلة، وتعد رواية «عبث الأقدار» (عام 1939) أول رواية كتبها الأستاذ نجيب محفوظ في مسيرته الأدبية، وكذلك أول رواية هدف بها بدء مسيرة لم تكتمل تقص تاريخ مصر بشكل روائي، وتدور أحداث هذه الرواية في عصر بناة الأهرام العظام، وتحديدًا في عصر الأسرة الرابعة في عهد الملك خوفو، وكان محفوظ أطلق عليها اسم «حكمة خوفو»، غير أن أستاذه سلامة موسى غيّر الاسم إلى الاسم الحالي "عبث الأقدار".

وأشار إلى أن رواية «رادوبيس» (عام 1943) كانت الثانية في الثلاثية القديمة المحفوظية، وتدور أحداثها حول الغانية الحسناء والفاتنة «رادوبيس»، جميلة جزيرة «آبو» (أو إلفنتين) في الجنوب بالقرب من أسوان الحالية، التي عشقها علية القوم وصفوة رجال المملكة المصرية وعلى رأسهم الفرعون نفسه. وكان هذا الملك الشاب فاسدًا ومتهورًا، على عكس زوجته الملكة نيتو قريس التي كانت تتمتع بحكمة كبيرة. وفى نهاية الرواية، قُتل ذلك الملك الفاسد وانتحرت عشيقته الغانية رادوبيس.
والرواية الثالثة والأخيرة في الثلاثية الفرعونية هي رواية «كفاح طيبة» (عام 1944)، وتقص قصة كفاح شعب مصر الطويل ضد احتلال الهكسوس للأرض المصرية. وتنتهي أحداث الرواية بانتصار مصر بقيادة الملك أحمس على الهكسوس وطردهم من مصر إلى فلسطين. وقد قرأ الناقد الأدبي سيد قطب -قبل أن يتحول إلى جماعة الإخوان- هذه الرواية وأوصى بإقرارها على طلبة المدارس كي يتعلموا منها تاريخ مصر والدرس الذي قدمته من أجل طرد المحتل المغتصب وتحرير الأرض المصرية.

وتعد رواية «العائش في الحقيقة» (عام 1985) آخر ما كتب كاتبنا الكبير من أعمال عن مصر الفرعونية، وفيها يسرد محفوظ قصة فرعون مصر الأشهر «أخناتون» من خلال إعادة سرد قصة حياته وفترة حكمة من منظور من عايشوا تلك الفترة المثيرة والحرجة من تاريخ مصر القديمة. وعلى تعدد وتنوع وكثرة الأعمال الإبداعية عن أخناتون وسيرته وفترة حكمه، تبقى رواية نجيب محفوظ عنه من أبدع الأعمال الفنية عن الفرعون المثير.

وختم عبد البصير كلماته قائلًا إنه على هذا لم ينسحب بساط مصر القديمة الساحر من أدب نجيب محفوظ، وإنما ظهرت مصر القديمة متخفية تحت ستار في هيئة أفكار وشذرات نثرية، أو استوحى أحداثها ومعالمها دون مباشرة هنا وهناك في أدبه الرائع عبر مسيرته الإبداعية.

يذكر أن مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية ينظم يوم الأحد 9 من يونيو الجاري بقاعة الأوديتوريوم متلقى حول الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ بمشاركة وفد إسباني مكون من 80 فردًا.