اللهلوبة.. كيف أنقذت "أم سارة" عزائم الموظفات في رمضان؟

تقارير وحوارات

بوابة الفجر


الثانية ظهرًا، لم يكن ثمة مكان لقدم، أمام مطاحن الطالبية بمنطقة فيصل التابعة لمحافظة الجيزة، الموظفات يتسابقن صوب الواجبات الجاهزة والخضروات واللحوم المغلفة التي تُراص بمُحاذاة الرصيف، كل منهن يتعجّلن في شراء ما يرغبن؛ كي يتأهبن ليومهن الرمضاني، بعد انتهاء دوامهن، بمُؤازرة أم سارة لهن في تجهيز الطعام "حتى الموظفين بيعتمدوا على أكلي في العزومات.. رمضان وقته ضيق وحاجتي أنظف وشغل بيتي ومضمون".







أتقنت صاحبة السبعة وأربعين عامًا، الطهي منذ الصغر، عندما كانت تساعد والدتها، لكنها لم تطرأ على بالها يومًا أن تكن مهنتها التي تقتات منها أسرتها المكوّنة من خمس أفراد، إلا أن الظروف المعيشية الصعبة التي مرت عليها، لاسيما أن زوجها يعمل موظفًا في إحدى القطاعات الحكومية، وراتبه الشهري لا يلبي احتياجتهم، جعلتها تفكر في العمل بشكل يناسب ظروفها، ومراعاة أبنائها، فشرعت في تنظيف الخضار وتغليفه وبيعه لبعض الموظفات في المنطقة الكائنة بها، حتى طلبت منها إحداهن مساعدتها في إعداد عزيمة خاصة بمناسبة خطوبة نجلتها، لتكون هذه البداية لمشروعها.








نمى المشروع شيئًا فشيئًا بعد ذلك، حتى شاع صيتها بين الموظفات، التي بدأن يروجن لمشروعها فيما بينهن، طارحين عليها فكرة الوقوف أمام مكان عملهن "ما صدقتش نفسي في الأول ولما بدات أروح أفرش قدام المطاحن الناس كانت كتير الكل بيسأل وبتفرج وكنت ببيع كل الأكل"، تقاطعها "أمل"- التي تعرفت عليها عن طريق الصدفة، عندما كانت تمر من أمامها، وجذبها شكل الطعام، خاصة أنها مُغتربة ولا تستطيع الطهي لضيق وقتها- "جبتلي المحشي"، فتسرع أم سارة، في تلبية طلبها، قبل خروج الموظفات وانشغالها مهن "انقذتني من أجل الدليفري والنواشف.. وحسستني بأكل أمي"، تقولها الفتاة العشرينية، إيماءً إلى جودة وجباتها.






سبع سنوات عمر مشروع أم سارة، واجهت خلاله بعض الصعوبات كالتسويق، بالرغم من معرفة العديد بها، إلا أنها ترغب في توسع مشروعها، الذي يصعب عليها أيضًا توفير سيارة خاصة لنقل خاماتها للمقر الذي اتاخذته مكان له "النقل بيتعبني وبيخليني اقتصر في الأكل ومبعرفش أوفر للناس كل اللي بيطلبوه.. وخاصة في الشهر الكريم"، لكثرة العَزائم، فهي من تقوم بإعداد كل شىء بمفردها، من الساعة السادسة صباحًا حتى الثانية عشر ظهرًا، فضلاً عن تأهبها عقب الفطور في التنظيف والتغليف حتى قبل موعد وجبة السحور، كون أبنائها في فترة اختبارات "الناس بتحب الأكل طازة".






أكثر الوجبات يُقبل عليها الموظفات "المكرونة الباشميل، والرقاق، وجميع أنواع المحاشي"، التي يعد أسعارها مناسبة بشكل كبير للكل، مقارنة بالمطاعم "فرق بسيط ومضمون"، تقولها إحدى الموظفات التي انتهت من عملها داخل المطاحن للتو، جَلفه غلاف الطعام باحثة عن احتياجات مائدتها، والعزيمة السنوية لأسرتها "هي ايدي اللي بتنجزني في اليوم ده يدوب بولع على الأكل بس.. وكمان العيلة بتحب أكلها". تتوافد الموظفات من خارج المطاحن، ترحب بهن "اللهلوبة"، كما أطلق عليها زبائنها، تهرول صوبهن ويدها تقلب في الأكياس باحثًا عن طلبات كل منهن "كل واحد له طلب.. وبيكلموني قبليها"، تعلو أصوات السيارت وتمتزج مع نداءات الوافدات، لكنها اعتادت على ذلك "المهم الكل يكون مبسوط وياخد حاجته.. أنا مقدرة الوقت الضيق والكل عاوز يلحق".






تلتقط منها مها، إحدى العاملات في البنك الأهلي المُجاور لمكان مشروعها، أطراف الحديث، مُؤكدة عليه وهي تتنقل بخفة بين أكياس الطعام، متسائلة عن طريقة طهي الأرز "المبهر"، تَجاوبت السيدة الأربعينية معها وهي تغلف لها طلبها. خارت عزيمتها بعض الشىء، خاصة أنها في نهار رمضان، إلا أنها لم تقف برهة "في ناس كانت استغنت عن العزايم علشان مفيش وقت تطبخ.. وفي اللي كان بيعزم عيلته في المطاعم وبيصرف كتير"، لذا تحرص أم سارة دائمًا على إنقاذ زبائنها، وإرضاء أذواقهن.