أحمد الشيخ يكتب: فخ الأسمنت.. وصراع البقاء

مقالات الرأي

أحمد الشيخ
أحمد الشيخ


رغم ما يشاع عن المكاسب الرهيبة التي تحققها صناعة الأسمنت في مصر، وأنها تحول التراب إلى ذهب، وهو ما قد يكون صحيح من المنظور الضيق، إلا أن واقع الصناعة يعكس الكثير من التحديات.

 

 فهذه الصناعة العريقة التي يمتد تاريخها في مصر إلى ما يقرب من مائة عام، باتت فخاً لا يمكن الخروج منه، وأصبحت الشركات خلال العامين الماضيين تكافح من أجل البقاء وسط المنافسة الشديدة وقلة الطلب، حيث تفضل الاستمرار في السوق رغم التحديات عن إغلاق مصانعهم وخسارة رأس المال بالكامل، فهي صناعة عالية المخاطر.

 

وبنظرة سريعة على حجم الاستثمارات في صناعة الأسمنت، نجدها تبلغ  أكثر من 250 مليار جنيه، بإجمالي إنتاج 83 مليون طن سنوياً، من خلال 21 شركة بإجمالي خطوط إنتاج 48 خط، شركتان مملوكتان للحكومة، و18 شركة ملك للقطاع الخاص المصري والأجنبي، وهو ما يعكس ضخامة الصناعة وتأثيرها على الاقتصاد.

 

لكن للأسف عانت صناعة الأسمنت منذ عام 2011 عدة تحديات كانت الأصعب في تاريخها، من أهمها ازدياد الفجوة بين الطاقة الانتاجية والطلب، حيث يقدر الفائض في السوق المصري من الأسمنت بحوالي 30 مليون طن، وبلغت الطاقة الإنتاجية في عام 2018 نحو 83 مليون طن بزيادة 15 مليون طن عن 2017، بسبب زيادة عدد المصانع خلال العام، مقابل حجم طلب بلغ حوالي 53 مليون طن بإنخفاض 800 ألف طن عن 2017، وهو ما يعكس حجم الفائض المتنامي.


يزيد من حجم مشكلة الفائض انحسار فرص التصدير بسبب ارتفاع التكلفة، التي لا تقتصر فقط على تكلفة الإنتاج التي ارتفعت بمتوسط 1000% خلال 10 سنوات، ولكن ايضاً تكلفة النقل التي تمثل 33% من سعر المنتج المصدر، بجانب عدم صرف الحكومة لرسم الـ 50% دعم على الصادر لأفريقيا، والمنافسة الشديدة من دول الجوار (تركيا – السعودية – اسبانيا – اليونان) التي تمتلك فائض كبير بأسعار أقل نتيجة انخفاض تكلفة النقل والإنتاج.


وأحد أهم أسباب ارتفاع التكلفة أنها صناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة والتي تمثل ما يقرب من 70% من تكلفة الإنتاج ، وكانت تعتمد بشكل أساسي على الغاز والمازوت مع الكهرباء في وقت شهدت فيه مصر نقص كبير في تلك العناصر ما بين عامي 2011 و2014 ما أدى إلى تحول المصانع للعمل بالفحم كطاقة بديلة، وهو ما حملها تكاليف استثمارية جديدة تراوحت بين 12 إلى 15 مليون دولار لخط الإنتاج الواحد.


هذا بجانب ارتفاع أسعار الفحم بعد تعويم الجنيه بنسبة 200% وزيادة سعره عالمياً، كما زادت أسعار الطفلة في يونيو الماضي بنسبة 35%، والكهرباء 40%، وأسعار النولون "النقل" بسبب ارتفاع أسعار المحروقات الأخيرة، وزيادة تكلفة شراء المعدات وقطع الغيار المستوردة ، وارتفاع أسعار الفائدة على الاقتراض من البنوك، في وقت لم تستطيع الشركات نقل كل تلك الزيادات إلى المستهلك نتيجة شدة المنافسة وقلة الطلب ما جعلها تحقق خسائر متوالية.

 

كل ذلك أدى إلى انخفاض معدلات التشغيل إلى 67% في 2018 مقارنة بـ 91% خلال 2010 نتيجة انخفاض الطلب على الأسمنت وزيادة المخزون وليس لتعطيش السوق بهدف رفع السعر كما يشيع بعض التجار، بدليل أن ارتفاع أسعار الأسمنت منذ التعويم لم يتجاوز 30 -40% وهو نصف الزيادة في تكاليف الإنتاج المقدرة بـ 60 – 80% وفق تقديرات شركة سي أي كابيتال.

ويتبادر إلى الذهن تساؤل: كيف يقل الطلب على الأسمنت فى ظل الطفرة الموجودة في المشروعات القومية العملاقة وثورة البنية التحتية حالياً؟! ولكن سرعان ما تتبدد الدهشة إذا علمنا أن المشاريع القومية تمثل 10 – 25% فقط من حجم الطلب على الأسمنت، في حين تمثل مشروعات الإسكان الصغيرة والمتوسطة المحرك الرئيسي للطلب بنسبة 70- 90%، ونتيجة لقلتها خلال العامين الماضيين بسبب انخفاض دخل الفرد بعد التعويم تأثر الطلب على الأسمنت بشكل كبير، علماً بأن نسبة مساهمة الأسمنت في أي مشروع لا تتعدى 7% من قيمته الكلية.


واذا بحثنا عن روشتة علاج لهذه الأزمة سنحدد 5 نقاط رئيسية:

 

 أولاً: تعافى الاقتصاد بشكل أسرع، وتدخل الدولة لإنقاذ الصناعة من خلال تخفيض أعباء الضريبة والرسوم على الطرق

 

 ثانياً: مساندة التصدير للدول المحيطة خصوصا التي ستبدء مرحلة إعادة الإعمار من خلال تقديم الدعم اللوجيستي اللازم للصناعة.

 

ثالثاُ: توجيه الفائض إلى أنشطة المسئولية المجتمعية للشركات كبناء البيوت بالقرى المحتاجة بالصعيد، أو استخدامه تجارياً في الرصف الخرساني للطرق.

 

رابعاً:  تشجيع البناء الاجتماعي والمتوسط من خلال طرح أراضي للأفراد والنقابات والجمعيات على غرار ابني بيتك

 

خامساً:  استخدام التكنولوجيات منخفضة الكربون في صناعة الأسمنت أو ما يطلق عليه الوقود البديل (AFR) من خلال استخدام النفايات الصلبة والمخلفات الزراعية مع الفحم.


للتواصل مع كاتب المقال:

[email protected]