ADVERTISEMENT
Advertisements
ADVERTISEMENT
Advertisements
Advertisements
menuالرئيسية

د. رشا سمير تكتب: رحلة الصعود إلى أسفل

السبت 09/مارس/2019 - 10:53 ص
Advertisements
 
Advertisements
إسمحوا لى أن أعرفكم بنفسي.. إسمي "ثابت"..أعلم أن الإسم يبدو غريبا بعض الشئ لشاب في بداية حياته.

توفى أبي وأنا طفل صغير ولم تتيح لى الظروف يوما فرصة سؤاله عن سبب تسميتي بهذا الإسم الغريب نوعا ما، ولكن أمي أخبرتني ذات مرة أنه كان أهلاوى متعصب ومتيم بحارس المرمى ثابت البطل..ربما!.

نشأت فى أسرة متوسطة العدد والحال والتعليم..فأصبح حُلمي بأن أصبح مهندسا هو حلم الأسرة بأكملها..

علمتني الحياة أن الإنسان مجموعة من المواقف، وقررت أن أشكل معتقداتي من حيث تبدأ مواقفي..لم يكن هذا بالقطع صعبا فى بلد أحداثها أكثر من عدد سكانها..

لن أنسى ذلك اليوم الذى جاءت فيه طنط سونيا صديقة أمي لزيارتنا وكنت وقتها فى العاشرة من عمري، وقتها طلبت مني أمي أن أستقبلها بحضن كبير..وما أن وقعت عيناي عليها حتى قلت بعفوية الأطفال:

" بس دى تخينة قوى يا ماما ممكن تفطسني"

لم تمر دقيقة حتى إنهالت علي الشتائم من أمي وخالاتي لوصفى بعدم التربية والصفاقة وطلبوا مني الإعتذار الفورى قبل تقطيعي إربا..

وكان هذا هو الدرس الأول أو بالأحرى الموقف الأول الذى تعلمت منه أن كلمة الحق عادة ما تُسبب مشاكل لا داعي لها!.

سؤال طالما طاردني، لماذا تطلب مني أمي دائما أن أخبر صديقاتها اللاتي يتصلن بها على الهاتف بأنها نائمة، فى حين أنها تكون جالسة بجانبي؟!..وهكذا تعلمت أن محاولة الهروب بكذبة خفيفة لا ضرر منه ولا ضرار!.

وعندما إنتقلت من البيت إلى المدرسة، إتسعت الدائرة من حولي وأصبح لي أصدقاء وأعداء..والحقيقة أن المدرسة هى البيت الثاني الذى يتسبب فى تشكيل شخصية معظم الأطفال، لتصبح مواقفنا وأحداث كل يوم هى المُعلم الأكبر..

أتذكر جيدا يوم رأيت زميلي يغش من ورقة صغيرة وطلبت المعلمة شهادتي فقلت:

" أيوه حضرتك أنا شفته بعيني بيغش وهو متعود على كده!".

وكيف أنسى تلك العلقة المُبرحة التى أخذتها من زميلى ومن أصدقائه فى الفُسحة..وتعلمت يومها درسين معا..أولهما هو بدلا من أن توشي بزميلك، غطي عليه وابتزه!..والدرس الآخر هو أن الفاسدين يجتمعون فى ثواني على كلمة الباطل، فهكذا شارك كل الزملاء الغشاشين فى ضربي دون حتى أن يعرفوا أصل الحكاية (نفس فكرة أن اللى معدي جنب الفرح لازم يشارك بزغروطة!).

تخرجت من كلية الهندسة وإلتحقت بالعمل فى شركة خاصة بمرتب معقول وبواسطة غير معقولة، كلفت أمي حوالي مائة تليفون وهديتين!.

ما رأيته فى شركة المقاولات التى إلتحقت بها علمني بدل الدرس والدرسين، ألف درس.

الحقيقة إن فيلم (مراتي مدير عام) هو أعظم وأقرب صورة للواقع الأليم فى كل مؤسسات وشركات ووزارات الدولة..وما عليك إلا أن تختار...

إما أنك الموظف الحقاني الشريف مثل صلاح ذو الفقار وهذا يعني المعاناة الأبدية.. وإما أنك الرجل الذى لا يبحث سوى عن مواقيت الصلاة للهروب من العمل وهم كُثرُ.. وإما أنك الشاب المدلل حلو اللسان الذى يدلل المدير وينافقه ويهلل لكل هفواته وكأنها الفتوحات الإسلامية..وإما أنك لا هذا ولا ذاك...إما أنك...(وهذا كان إختياري).

الأستاذ أبو الخير (وسموك أبو الخير ليه يا أستاذ أبو الخير؟ من أعمالي يا فندم من أعمالى!)..ولماذا؟! لأسباب عدة..

في بداية تعييني، حاولت أن أكون متميزا بعملي وبإقامة علاقة صداقة وثيقة مع زملائي وبالتعاون مع الجميع من أول مدير المشروع وحتى العامل الواقف على السقالة..وكانت النتيجة أنهم وصفوني بالطيبة والإلتزام..وكنت محط إحترام الجميع ولكن..

مع الوقت إكتشفت أن "الطيبة" لا تأتى بالمكافأت ولا الترقيات ولا المناصب الكبيرة..

ومن هنا قررت أن أرتقي السُلم الوظيفي بحق..حتى لو كان التسلق على جثث زملائي..وسوف تسألونني: هل سبب هذا لى ضرر نفسي؟

أقولها لكم وبكل صدق : "قطعا..فأنا بشر"

أتذكر أول مرة أوشيت فيها بزميلي وصديقي الذى تعودت أن أتقاسم طعام الإفطار معه كل يوم وكان يصطحبني بسيارته قبل أن أشتري سيارة، وأخبرت مدير المشروع بأنه وصفه بالحمار الذى يحمل أثقالا (وهى الحقيقة بالمناسبة)!..

يومها عدت إلى البيت وأنا فى حالة إكتئاب شديدة وحاولت أمي أن تجبرني على تناول الطعام فرفضت ولم أنم ليلتها خصوصا بعدما عرفت أن مدير المشروع خصم له مبلغا من المال وقرر أن يسحب منه كل الشغل ويعطيه لي!..

نعم..إنتفض ضميري فى المرة الأولى..

أما فى المرات التى تلتها، فيبدو أنني قد تعودت..تعودت أن أكون الأستاذ (أبو الخير) بكل ما تحمله الكلمة من معاني مضادة!.

وتسلقت السُلم الوظيفي حتى وصلت إلى أعلى مراتبه..وتدفق المال إلى يدي حتى أقتنيت بيتا كبيرا وسيارة حديثة وأصبحت أذهب إلى الجيم (لزوم الوجاهة) وأقضي المصيف فى الساحل والمشتى فى أسوان..

بإختصار..عندما غفى ضميري قليلا أو دعوني أقول كثيرا..تحسنت أحوالي كثيرا جدا!.

لم أكن أتقن فن اللعبة السياسية ولا أتحدث فى السياسة إلا نادرا والحزب الوحيد الذى كنت أعتنق مبادئه هو حزب (اللى يتجوز أمي أقول له يا عمي)!.

أنا مع الإستفادة من أى شئ وكل شئ..وبالمناسبة صريح مع نفسي وأفتخر..

تعرفت على رجل أعمال يمتلك شركة مقاولات كبيرة وهو أيضا عضو بالبرلمان..رأى في بحسب كلامه صورة للإنسان المجتهد الباحث عن النجاح، فقرر أن يساعدني وأنا من جانبي كنت ذراعه الأيمن والأيسر وقولونه أيضا لو أحب!.

تعرفت على جوانب عمله وتعرفت أيضا وهذا هو الأهم على إبنته الرقيقة الجميلة خريجة الجامعة الأمريكية..كان هدفي منذ وقعت عيناي عليها هو الإرتباط بها حتى أنتقل إلى طبقة جديدة من طبقات المجتمع الراقي..ولم يكن الأمر عسيرا..

بعد عدة لقاءات وضحكات وهمسات وحوارات..وقعت فى قبضة يدي..

وبعد عام واحد كانت قد أصبحت زوجتي..عاشت معي سعيدة حتى وأنا أخونها كل يوم!.

سوف تتسائلون طبعا..وماذا بعد؟..هل إنتهت الحكاية؟..بالقطع لا..

العطشان للطموح والمال فى بلادنا لا يرتوى أبدا..ومن يعرف كيف يسلك الطريق، يبحث دائما عن ألف طريق جديد..وهكذا إرتقيت سلم النجاح درجة بعد درجة حتى وصلت إلى القمة.

الحقيقة إن الوصول إلى القمة ليس صعبا ولكن البقاء على القمة هو المهمة العسيرة.

لكن وبفضل تحولاتي الإنسانية وقدرتي الدائمة فى الرهان على الحصان الرابح..أصبح من اليسير جدا أن أنتقل من هذه الخانة إلى تلك..وأن أقول لفلان فى وجهه أنه محترم وعلى رأسي وبعد أن يستدير بثوان أبصق فى ظهره!..تعودت أن أنصح هذا لتوريطه وأستقطب ذاك لأستفيد منه..تعودت أن أرتدي ملابس الفرسان قبل الحرب، وأختبئ في أعمق خندق أثناء الحرب، أما بعد الحرب فما أجمل العودة لإقتسام الغنائم!.

فى تلك الليلة جافاني النوم..هل لأنني أصبحت مثل بطلة رواية (لا أنام) التى قفز ضميرها فوق أحلامها فأرقها؟ أم لأننى كنت على أعتاب سماع خبر سار..فقد سمعت من شخصية هامة إن إسمى قد ترشح لمنصب أكبر وأكثر أهمية..

غفوت قليلا..واستيقظت على صوت أبي رحمة الله عليه يقف بجوار فراشي ويقول:

" كيف وصلت إلى ما أنت فيه اليوم؟"

" أبي..حبيبي..بفضل دعواتك أنت وأمي..الوصول إلى القمة صعب بالفعل"

عاد الأب يقول:

" يا (ثابت) أنا لا أتحدث عن القمة..بل أتحدث عن القاع!..فالقمة أحيانا تأخذك لأسفل".

رد (ثابت) مستغربا حديث أباه:

" ولكن أنا بالفعل على القمة يا أبي وكل من حولي حاقدون على نجاحي وبالمناسبة أنا على وشك الترشح لمنصب كبير سوف يجعلك تفتخر بي أكثر"

إبتسم الأب إبتسامة فاترة وقال:

" هل تعلم يا بُني لماذا أصريت على تسميتك بثابت؟..لأن يا صغيري، الثبات على المبدأ من أصعب الإختبارات فى الدنيا والثبات على الموقف هو أعظم إنجاز لأى إنسان..والثبات على العقيدة هو عنوان الإيمان..هل عرفت السبب يا (ثابت)؟"

" ولكن يا أبي..أنا لم أخسر ثباتي..لا..لا أقصد ثباتي!..بل أنا لم تتغير مواقفي..لا..لا..لا أقصد مواقفي..أقصد أننى لم أتغير..أنا (ثابت)"

لملم الأب أشيائه وقرر الرحيل من جديد وقبل أن يمضي إلتفت إلى (ثابت) وقال له:

" بالفعل..أنت يا صغيري، ثابت على مبدأ واحد لا يتغير وهو (علشان نعلى ونعلى ونعلى لازم نطاطي نطاطي نطاطي)..إثبت لى أنك جدير بالإسم وارفض أى منصب قد تُجبر أمامه على تغيير مواقفك ومبادئك..أوعدني"

" أعدك يا أبي".

بعد عام من زيارة الأب لإبنه الوحيد..وبعد حوار أصبح هو كل تفكير (ثابت)..وبعد أيام لم ينم فيها..وندم شديد..وقرارات حاسمة بأن يتغير ويبدأ من جديد ليستحق الإسم الذى إختاره له والده...

فى قلب ميدان التحرير وأمام أحد المباني الضخمة إنفتح باب السيارة وهبط منها حارسين، فتحا الباب الخلفي وأشارا بكل أدب للرجل الجالس بالخلف يرتدى نظارة سوداء ويدخن السيجار:

" تفضل معاليك"

هبط ثابت من السيارة بإبتسامة ثقة إرتسمت على وجهه وأشار لسيارة الحرس الخاص التى صاحبته بالرحيل..

نظر إلى السماء واتسعت إبتسامته وتمتم بفخر لنفسه قائلا:

" تُرى هل تراني يا أبي؟"

         [email protected]        
تعليقات Facebook تعليقات بوابة الفجر
Advertisements
هل شاركت فى مبادرة 100 مليون صحة؟