رامى المتولي يكتب: Bird Box.. نهاية العالم

مقالات الرأي



القضاء على سيطرة البشرية فى فيلم يطرح قضايا وجودية


ربما يشعر الإنسان أنه يملك الكوكب ويسعى لاحتلال الفضاء أيضًا، لكن على الرغم من هذه السيطرة الظاهرة يوجد الكثير من التفاصيل التى تقيد نفس الإنسان الذى غزا الفضاء، فى وقت قصير تدمره وما بناه موجة عملاقة يسببها زلزال مركزه المحيط، أو إعصار، بركان، أى قوى طبيعية لن يستطيع مواجهتها بشخصه أو أدواته، عندها ينشأ الحاجز بين العظمة والسيطرة التى يدعيها ويعود للسيرة الأولى وهى محاولة البقاء والنجاة.

عند أقرب منحنى يكتشف الإنسان أن كل مظاهر السيطرة زائلة والعودة للكفاح للحفاظ على حياته والنجاة هو الغريزة الأساسية، تنشأ الخوارق والمستحيلات من العدم وتضع الإنسان فى امتحان صعب، الكثير من الأعمال السينمائية اشتبكت مع هذه الفكرة وهذا الخط بشكل عام من ضمنها فيلم «Bird Box» المعروض عبر منصة «نتفليكس» الرقمية ولن يكون آخر ما يناقش هذه الفكرة على الرغم من كونها أصبحت نمطية والكثير من الأعمال تتعامل بتكرار، لكن ما يقود إليه هذا الفيلم المعتمد على رواية تحمل نفس العنوان صدرت عام 2014 لجوش ميلرمان، يفتح المجال لرؤية مختلفة لما أصبح عليه الحال خاصة لو اعتبرنا ما يناقشه هو إسقاط على واقع حالى.

بعيدًا عن فكرة الجدل حول «نتفليكس» وما تقدمه وتأثيره، وهو الأمر الذى تخطه المنصة العالمية نفسها باستمرارها فى الإنتاج سواء فى المسلسلات أو الأفلام وتطوير ما يقدمونه بتحسينه والتعاون مع أسماء لامعة مرة تلو الأخرى تجمع بين عدد من المبدعين من دول ومناطق مختلفة فى العالم، فـ «Bird Box» يضم 5 أسماء مشهورين بدرجات متفاوتة يحملون خبرة كبيرة هم ساندرا بولوك، جون مالكوفيتش، سارة بولسون، توم هولندر، بروت تايلور فينيس، إلى جانب مخرجته الدنماركية سوزان بيير وعدد من الشباب فى إنتاج لا يمكن وصفه بالضخم أو تصميم الإنتاج المبهر، يسير جنبًا إلى جنب مع طبيعة الشكل المتبع مؤخرًا فى أفلام ما بعد الكوارث والخيال العلمى البديلة والمستقلة والتى تبحث دائما عن حلول بصرية لا تقلل من القيمة الفنية وتتناسب مع الميزانيات الصغيرة والمتوسطة.

الخلطة التى تقدم بها «نتفليكس» تحقق بعد كل نجاح توسعا، اليوم واحدة من أهم الأسماء فيما يتعلق بالشهرة والجدية والبطولة النسائية الجالبة للأرباح والتقدير تتعاون مع المنصة، ساندرا بولوك الحائزة على جائزة أوسكار مع التنفيذ وأسماء النجوم الآخرين يمثلون دعاية قوية إلى جانب وصول الفيلم حتى الشاشة التى تشاهد من خلالها فى ميعاد محدد عالميًا يجعل من متابعته أضخم وأكبر، على مستوى الشكل كل ما حول الفيلم وتنفيذه يبدو تقليديًا لا يحمل عنصر الجذب الذى تحققه عادة أفلام الخيال العلمى وما بعد الكوارث صاحبة ميزانيات الإنتاج الضخمة.

التعامل مع الفكرة والأداء التمثيلى هما العنصران الأفضل فى الفيلم ككل، ما تطرحه الفكرة من قلب لمقاييس الخير والشر وطريقة النظر لأصحاب الأمراض العقلية والنفسية أو ذوى الاحتياجات الخاصة، ببساطة هناك قوة بلا تفسير فى الفيلم لسبب ظهورها أو حقيقة ماهيتهم هم فقط ظهروا كخطر مدمر للبشرية، الذى اهتم به الفيلم هو تأثيرهم وطبيعته، النظر لهذه الكيانات يحول الإنسان لمنتحر بأقرب وأسرع وسيلة بجواره، عدا أصحاب الأمراض العقلية والنفسية فهم يتفاعلون بطريقة مختلفة، رؤيتهم له تتصف بالجمال والتقدير عكس البشر من الأسوياء الذين يميلون للحزن واللهفة ويسرعون للموت وبالطبع الأكفاء محصنين بل يملكون التدريب والخبرة الكافية للتعامل مع العالم فى شكله الجديد الذى يستغنى عن حاسة البصر فى حالة الرغبة فى النجاة.

الفيلم ثرى جدًا فى مناقشة الأفكار الوجودية المطروحة حاليًا من منطلق المساواة والحريات، يتعامل مع فكرة الراحة التى استسلم لها الإنسان معتمدًا على مقدار الحضارة والتقدم التكنولوجى التى وصل إليهما، الكثير من التفاصيل تنتقد نمط الحياة الحالى وبمنطق يدفع للتفكير فى التعامل مع أصحاب التفاصيل المختلفة عن السواد الأعظم من البشر مستغلاً لعبة «ماذا لو؟».