سرية أبي بكر الصديق إلى فزارة

إسلاميات

أرشيفية
أرشيفية


في السنة السابعة من الهجرة النبوية الشريفة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من السرايا والبعوث حول المدينة المنورة، بغرض عقد معاهدات مع رؤساء بعض القبائل، ورداً لبعض الاعتداءات التي كثيراً ما كانت تأتي من جانب الأعراب على المدينة، وغالب تلك السرايا كان بمثابة دوريات استطلاعية وتحركات تأديبية، لإرهاب من تسول له نفسه الاعتداء على الدولة الإسلامية الجديدة. ومن هذه السرايا سرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى فَزَارَة، التي استحقت ما أصابها على يد هذه السرية، فقد شاركت فزارة قريشاً في معركة الأحزاب (الخندق) كجزء من غطفان، ولم تكتفِ بذلك، بل قامت بالإغارة على المدينة، وسرقت وقتلت.

قال الحلبي في كتابه "المقتفى من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم": "سرية أبي بكر الصديق إلى فزارة سنة سبع من الهجرة، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، وجهز معه نفراً من أصحابه المحمود فعلهم المشكور، فساروا جازمين بقتال فزارة، عازمين على ملتقى المشركين بالتعزية لا بالبشارة، فلما دنوا منهم شنوا عليهم الغارة عند مائهم، وأسرعوا في الرمل إليهم حتى رملوهم بدمائهم، وسبوا نسوة من ذراريهم، واحتاطوا على صبيانهم وجواريهم، ثم قفلوا راجعين وتركوا قتلاهم على الدار هاجعين

      هَل من فَزَارَة مخبر عَمَّا لقوا         من مرهفات سَرِيَّة الصّديق

     نصبوا لَهُم شرك الردى ورموهم      من بعد جمع الشمل بِالتَّفْرِيقِ"

ويروي لنا سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ما حدث في هذه السرية فيقول: (غزوْنا فَزارة (قبيلة من غطفان) وعلينا أبو بكر، أمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرَّسْنا (استرحنا ليلا)، ثم شنَّ الغارة، فورد الماء فقتل من قتل عليه وسبَىَ، وأنظُرُ إلى عُنُقٍ (جماعة) من الناس فيهم الذراريُّ (النساء والصبيان)، فخشيتُ أن يسبقوني إلى الجبل، فرميتُ بسهمٍ بينهم وبين الجبلِ، فلما رأوا السّهم وقفوا، فجئتُ بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشعٌ من أدَمٍ (ثوب من الجلد)، معها ابنة لها من أحسنِ العربِ، فسقتُهم حتى أتيتُ بهم أبا بكر، فنفَّلني (أعطاني) أبو بكر ابنتها، فقدِمْنا المدينةَ وما كشفتُ لها ثوباً، فلقِيَني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في السوقِ فقال: يا سلمة! هب لي المرأة، فقلتُ يا رسول الله: والله لقد أعجبتنى وما كشفت لها ثوباً، ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال لي: يا سلمة! هَبْ لي المرأة لله أبوك (كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها)، فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفت لها ثوباً، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أسروا بمكة) رواه مسلم.

قال النووي: "قوله: "وما كشفتُ لها ثوباً" فيه استحباب الكناية عن الوقاع بما يفهمه، قوله صلى الله عليه وسلم: (يا سلمة! هب لي المرأة لله أبوك) فقلت: هي لك يا رسول الله، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة) فيه: جواز المفاداة، وجواز فداء الرجال بالنساء الكافرات، وفيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا، وفيه جواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه ليفادي به مسلماً، أو يصرفه في مصالح المسلمين، أو يتألف به من في تألفه مصلحة، كما فعل صلى الله عليه وسلم هنا وفي غنائم حنين، وفيه جواز قول الإنسان للآخر: لله أبوك، ولله درك".

فائدة

إذا وقع بعض الكفار أسرى في أيدي المسلمين، اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بمعاني الرحمة والكرامة الإنسانية التي تراعي مصلحة الدولة المسلمة وحقوق الأسرى، والتي لم يبلغها القانون الدولي الإنساني المعاصر، ورغم أنّ هؤلاء الأسرى كانوا محاربين للإسلام والمسلمين، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإحسان إليهم، فعن عزيز بن عمير قال: (كنتُ في الأسارى يوم معركة بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالأسارى خيرا) رواه الطبراني، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": إسناده حسن. وكان هديه صلوات الله وسلامه عليه مع الأسرى: إما أن يُطْلق سراحهم بلا فداء ولا مقابل، كما فعل مع ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، وإما أن يفادي بعضهم بالمال كما فعل مع أسرى بدر الذين قَبِل منهم الفداء - ولكنه استثنى منهم عُقبة بن أبي مُعَيط والنضر بن الحارث لشدة عداوتهما للإسلام، وإيذائهما له صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ـ وإما يفادي بعضهم ببعض أسرى المسلمين، كما قال عمران بن الحصين رضي الله عنه: (إن النبي صلى الله عليه وسلم فدَى رجلين من المسلمين برجلٍ مِن المشركين) رواه الترمذي وصححه الألباني، وكما فعل صلى الله عليه وسلم مع المرأة في سرية فزارة. 

يقول ابن القيم في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسرى: "كان يَمُنّ على بعضهم (يطلق سراحهم بلا فداء)، ويقتل بعضهم، ويفادي بعضهم بالمال، وبعضهم بأسارى المسلمين، فعل ذلك كلّه بحسب المصلحة"، وقال: "ذكر أحمد عن ابن عباس أن بعضهم (الأسرى) لم يكن له مال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، فدل هذا على جواز الفداء بالعمل".

وفي سرية فزارة ـ وغيرها من أحداث السيرة النبوية ـ ظهر حرص النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين، ورأفته ورحمته بهم، وحمل همهم والتخفيف من معاناتهم، وفك أسراهم بأسرع وقت وبالسبل الممكنة في ذلك، إذْ لما وهب سلمة رضي الله عنه هذه المرأة للنبي صلى الله عليه وسلم، بعث بها صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ففدى بها ناساً من المسلمين المستضعفين الذين حُبِسوا في مكة، ومُنِعوا قهراً من الهجرة إلى المدينة المنورة، وصدق الله تعالى القائل عنه صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة:128).