ADVERTISEMENT
Advertisements
ADVERTISEMENT
Advertisements
Advertisements

منى غنيم تكتب: خنزير غينيا

الخميس 20/سبتمبر/2018 - 09:48 ص
منى غنيم تكتب: خنزير غينيا
Advertisements
 
Advertisements
 في منتصف الشهر الماضي وقع خطب جلل شطر صفوف الشعب المصري إلى شطرين، خطب لا يقل وطأة عن فتنة مقتل عثمان أو حرب البسوس التي دارت أربعين عامًا في الجاهلية بين قبيلة بكر وقبيلة تغلب فيما عُرف باسم "موقعة التجمع الخامس"، آثرت الحديث عنها حين تهدأ الأمور نسبيًا، جميعنا يعرف التفاصيل فلا داعِ للإطالة بإعادة سردها ولندخل في الموضوع، ليس معروفًا عن الشعب المصري -كسائر شعوب المنطقة العربية- السماحة المطلقة و التآخي حد التماهي في الأراء خاصة حين يتعلق الأمر ب "الشرائع المجتمعية"؛ لو خرجت إلي الشارع الآن وقمت بتصوير أحد المارة وهو يقوم بفعل شىء -أي شىء- ثم رفعت المادة الفيليمية على مواقع التواصل الاجتماعي، ستحظى بعدها بعشر دقائق بألف تعليق ما بين مؤيد ومعارض ومُناصر ومُناوِىء، وألفي تحليل نفسي وعضوي وسيكوباثي يشرح بالتفصيل الأسباب التي دفعت الضحية لفعل ما فعل، ولكن ما حدث في التجمع حقًا فاق كل التوقعات؛ فلقد انقسم  المصريون إلى فريقين: الفريق الأول يرى الفتاة عاهرة جذب انتباه، مفتعلة مشاكل لعوب سلبت لب الفتى المسكين عن عمد بإظهار مفاتنها وحسن ثيابها في الطريق العام كي تلقي بشباكها المسمومة حوله توطئة لتحويله "عبرة" و"بكرة من ده بقرشين" ومادة خام للشو الإعلامي والجرسة الإلكترونية في حين أنه لم يفعل أي شىء سوى دعوتها لاحتساء كوب بريء من القهوة، الفريق الثاني يرى الفتى متحرشًا جنسيًا بامتياز، جرثومة مجتمعية خرجت من مخبأها في ذاك اليوم الأغبر لتلوث هواء التجمع البكر، رسول دعوة فاحشة مستترة في طهارة القهوة، استعمل أرباب الحجة الأولى شماعة أن ما حدث يحدث يوميًا في الدول المتقدمة كوسيلة تعبير إنسانية طبيعية عن الرغبة في التواصل، ولم تقم القيامة ولم يجرمه أحد، ولكن كما هو الحال عند قراءة نص أدبي لا يمكن اقتطاعه من السياق ثم السعي جاهدًا وراء المعنى ، يجب إدراك أن عصر الغمزة والبيس بيس والتحرش الوسطي الجميل انتهي، الفتاة تقف في مصر التي صنفت عاصمتها هذا العام على أنها "أخطر مدن العالم على النساء"، وأكدت دراسات للأمم المتحدة أن 99% من النساء المصريات قد تعرضن للتحرش خلال فترة ما من فترات حياتهن، هذا يعني أنك إن كنتِ فتاة وتقرأين المقال الآن فإنك ولا شك قد تعرضتِ للتحرش، أنتِ وكاتبة المقال أيضًا! المقارنة ظالمة إذا ما نشأت ما بين بقعتين في العالم أحدهما في العالم الثالث والثانية في العالم الاول؛ ببساطة لأن الأخيرة تمتلك تعويذة سحرية تُدعى "القانون" ، عند إلقاء هذه التعويذة يتم القبض على المتحرش الجنسي وتجريمه وتغريمه مبلغ مالي قد يصل إلى عشرة آلاف دولار كما هو الحال في ولاية كاليفورنيا الأمريكية أو إيداعه فترة لا بأس بها في السجن تتراوح بين ال24 و 36 و48 شهرًا، وفي بعض البلدان لا يتم الاحتكام إلى المحكمة من الأساس في جرائم التحرش ويتم تغريم المتحرش "غرامة لحظية" في الشارع كما هو الحال في القانون الجديد الذي طُبِق حديثًا في فرنسا، إن كنت تقطن المملكة الحيوانية وتحتكم إلى شريعة الغاب فحسب فالأمر يختلف؛ لا يمكنك لوم نمر جائع مثلًا لإقدامه على التهام أحد أطفالك أو إن صرت أسدًا أن ترفض دعوى حرة للنزال حتى الموت مع أسد آخر اقتحم عرينك للفوز بنسائك، القانون سمة من سمات المجتمعات الإنسانية -وسأجسر على قول- المتحضرة منها وغير المتحضرة؛ البدو لديهم قوانين صارمة، القبائل البدائية في أفريقيا تحتكم إلي دستور قبلي مصوغ على هيئة تشريعات من العادات والتقاليد لا جدال فيها: جرِّب أن تخبر أحدهم في قبيلة في كينيا ألا ينبغي عليه أن يرث زوجه أخيه كالميراث ليتزوجها أو ألا يجب عليه الركض عاريًا وراء الحيوانات الحية ليشرب من دماءها وانتظر لترى كيف سيقتلع مقلتيك، ما يحدث اليوم في مصر أمر مشابه إلى حد كبير؛ حيث يتم التعامل باللاقانون مع النساء، لازلنا في عصر تأليه كروموسوم  Y وتنزيهه عن النواقص وتمجيد الذكورة التي لا تقبل الرفض حيث يتم تلقين الذكور تلك المبادىء مع الرضعة، ربما لهذا السبب جُنّ الشاب بعدها فطفق يسخر مما حدث ومن نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي وساعده في ذلك جمع غفير من الرجال الذين أطلقوا الهاشتاج الساخر المكون من اسم المكان مصحوبًا بسؤال قيحي مستفز: "في المكان الفلاني وبيحصل كده؟"، بل وفي أمريكا وبيحصل كده؛ شاهدنا فيديو أشعل صفحات التواصل لقس أمريكي يُدعى تشارلز إيليس وهو يضغط بأصابعه على صدر المغنية أريانا غاندي خلال مشاركتهما في جنازة المغنية أريثا فرانكلين! صحيح أنه اعتذر بعدها لكن هذا يعني أن لا علاقة بين مكان الفعل وماهيته والأحرى بنا أن نسأل: هل يمكن إطعام المكنة طوب كي تخرج قماشًا؟ ما الذي ينتظره المجتمع حقًا من فتاة مسكينة تحاول حماية نفسها بشتى الطرق؟ دُمِرت حياتها وسُلخت حية وحُبِست في المنزل وطُرِدت من وظيفتها، بل وحُرِكت دعوة قضائية ضدها من قِبل الشاب! المشكلة أن التحرش فعل "مائع" لأنه يتضمن شخصين أو أكثر فغالبًا ما تتضارب فيه الأقوال والشهادات ومع غياب قانون فعلي يدين المتحرش يستحيل الأمر الي عجة، الضحايا في معظم الحالات يلجأن إلى التستر وإخفاء ما حدث لهم خوفًا من الفضيحة ؛ لذلك جاء فيديو التجمع صادمًا مربكًا خارقًا لأعراف المجتمع ،في الولايات المتحدة تخشى النساء التصريح ليس بسبب غياب القانون ولكن بسبب الخوف من أصحاب النفوذ الذين فعلوا بهن ذلك؛ فلنأخذ فضيحة كلينتون ومونيكا لوينسكي الرئاسية الأشهر على سبيل المثال، ما لا يعرفه الكثيرون أن كلينتون مُتهم بالفعل في أربعة وقائع تحرش وقعت أحداثها ما بين سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ومنها من وصل حد الاغتصاب الكامل حسب الادعاء، لكن الاتهامات لم تر النور إلا خلال فترة ولايته في التسعينات، بالطبع أنكرها بيل كلها حتى قررت مونيكا أن تتكلم ربما عملًا بمبدأ "إن وقع العجل كثرت سكاكينه"، وذلك خلال محاكمة بولا جونز الشهيرة، وبرغم إنكار الرئيس معاشرة مونيكا أيضًا إلا أن القضاء الأمريكي الإداري الشامخ أصر على مواصلة التحقيقات وملاحقة الفستان الأزرق حتى لو كان المعني هنا هو رئيس الجمهورية ذاته، حتى تم كشف كذب الادعاءات وتغريم كلينتون 90 ألف دولار للكذب على المحكمة تحت القسم، إنه القانون يا سادة، الملاذ الأول والأخير، أما هنا فلم تزل النساء المصريات تُجلدن بسوط المجتمع الحديدي ويُؤخذ عليهن ملبسهن ومأخذهن بينما يمرح الرجال في الساحل والجونة بحثًا عن ضحايا جدد، طالما لا يوجد نص قانون واضح يجرم فعل التحرش الجنسي متفاوت العقوبة طبقًا للضرر سيتحرش الصغير قبل الكبير، ويتلون الجميع بمئة لون كالحرباء تبعًا للتأويلات، سنظل نشاهد بث مباشر للتحرشات في الأعياد بأجساد محجبات ومنتقبات في الشارع، وانتهاكات لفظية وجسدية بالجملة بعدها يعودن إلي بيوتهن عاريات كاسيات بينما ينطلق الشاب إلى زمرة أقرانه منتشيًا شاعرًا ب "حياة السفاح" ليتحدث عن صولته الجديدة في "التفعيص" في الفتاة أو المطلقة أو الميلف كما يحبون أن يلقبوهن وجعلها تبكي في الشارع كل هذا وهم جالسون لتناول الحشيش وعقار الLSD في سلام ، في 2014 صدّق الرئيس المؤقت عدلي منصور على تعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937 على أن ينص على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأي وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية، للأسف كان هذا القانون أيضًا مؤقتًا وتجاهله الشارع المصري كلية ولم يدخل يومًا حيز التنفيذ، ومع غياب التنفيذ الفعلي لا يمكن نفي أو إثبات أي شىء في واقعة التحرش فليقل من شاء ما شاء و"حقك بدراعك واللي يعرف يثبت يثبت وجمعية ودايرة يابا"، كان القانون بمثابة طلقة فشنك حتى وإن أبلغت الفتاة الشرطة من أدراها أنها لن تتعرض للتحرش على يد بعض الظباط أو الأمناء منعدمي الضمير داخل القسم؟ المرأة في مصر مُدانة طوال الخط أما في الدول المتقدمة- مثل أمريكا- فهي ضحية لحين إثبات العكس؛ ربما هذا ما دفع بعضًا من النساء لكسر حاجز الصمت والتحدث عن تجارب التحرش التي مررن بها فظهرت حركات عالمية مثل Me Too التي بدأت كهاشتاج بريء على تويتر عندما استعملت الممثلة الأمريكية Alyssa Milano تلك العبارة وطلبت من النساء المُعلِّقات إعادة التغريد وسرد ما حدث لهن، ولكن ما أشعل الأمور حقًا هو ظهور أسماء نجوم لامعة في سماء هوليوود سواء في قائمة المعتدين مثل المخرج العالمي وودي ألان أو في قائمة الضحايا مثل الممثلات العالميات جينيفير لورينس وجوينث بالترو وأوما ثورمان، ذكرني هذا بما قرأت عن أقدم واقعة تحرش في التاريخ والتي وقعت أيام الفراعنة، حيث أشار موقع "كوارتز" الأمريكي إلى أن بردية فرعونية كشفت واقعة التحقيق مع أحد العمال في المدينة من الحرفيين المتخصصين في النقش على مقابر الفراعنة، وقالت البردية أن العامل الذي يدعى "بانيب" تعرض للطرد من وظيفته بسبب فساده وتحرشه بالنساء بصورة لم يتم قبولها، رغم أنه كان أحد أمهر العمال وأكثرهم إنجازًا للأعمال في نحت المقابر، الآن نطالع في الجرائد المصرية كل يوم اتهامات جديدة بالتحرش موجهة لأسماء لامعة في الصحافة والإعلام وغيرها، فنجد خالد علي يستقيل من رئاسة حزب العيش والحرية بعد اتهامات بالتحرش من قِبل عضوة فيه ونجد دندراوي الهواري ويسري فودة وقد أُفرغ عليهم القِطر، وجل ما نفعله هو الصراخ والتنكيل والتأويل حسب الأهواء وقذف الادعاءات بالادعاءات المضادة، ومع غياب التحقيق الفعلي في تلك الأمور تُطمس ملامح الحقيقة وتُشوه وتختفي للأبد ويظل التاريخ يعيد نفسه، خنزير غينيا بالمناسبة ليس خنزيرًا على الإطلاق بل فأر! كما أنه لم يأتِ من القارة السمراء بكل تأكيد بل أن أصوله ترجع  لأمريكا الجنوبية، كما أنه خجولًا وحسن الهيئة وليس عنيفًا كما يُوحي اسمه، لكنه مثال حقيقي على ضياع الحقيقة بسبب التشتيت وتأويل الكينونة وفقًا للأهواء وللأشياء التي لا تبدو مثل ما تفعل، وان لم يدخل قانون تجريم التحرش حيز التنفيذ في مصر في أسرع وقت لن نرى غيره في شوارع المدن.
Advertisements
تعليقات Facebook تعليقات بوابة الفجر
ads
Advertisements
Advertisements
هل شاركت فى مبادرة 100 مليون صحة؟
دوري أبطال أفريقيا
الوداد الرياضي - المغرب
1
x
انتهت
1
الترجي الرياضي - تونس
كأس ألمانيا
لايبزيج
0
x
20:00
0
بايرن ميونيخ
كأس ملك إسبانيا
برشلونة
0
x
21:00
0
فالنسيا