"الفجر" تفتح خزائن أسرار محمد الموجي الخاصة (فيديو)

تقارير وحوارات



مع حلول الذكرى الـ23 لوفاة الملحن محمد الموجي في الأول من يوليو، جلست نجلته الدكتورة غنوة الموجي، تقلب في هاتفها بحثًا عن الصور التي تجمعها معه، حيث الحب النقي الذي تجد رائحته بين سطور كل لحن قدمه للجمهور، والذي ترك غيابه أثرًا عميقًا في قلبها لم يمحيه الزمن.

 

فبعينين أغرقتهما الدموع التي حاولت منعها من التحرر إلى وجنتيها، استرجعت معنا الدكتورة غنوة، ذكرياتها مع والدها الذي خلف تاريخًا فنيًا عظيمًا يدرس لكافة الأجيال، جعل نبرة الفخر تلازمها طوال الساعة التي أشعرتنا فيها بالدفء الأسري الذي اعتادت عليه في منزل "الموجي".

 

فبمجرد أن تطأ قدما هذه القامة الفنية العظيمة باب المنزل، يهم بنزع ثوب العمل، ويعود إلى شخصيته كأب يرغب في معرفة أدق تفاصيل حياة أبنائه، فكان يهتم بمعرفة طبيعة شخصياتهم ليتعامل معها بذكاء يحقق التفاهم، حيث تروي "غنوة" لـ"الفجر"، إن والدها كان يتابع درجاتهم ويحرص على الاطلاع على شهاداتهم: "حتى إنه اكتشف تزوير أخي الموجي الصغير لتوقيعه على أحد الشهادات التي أخفيتها عنه".



وكأب يملك خلفية كافية عن الوسط الفني ومشاكله، كان "الموجي" يمنع بناته رغم عذوبة صوتهن من الانخراط في هذا المجال، فتتذكر الدكتورة غنوة، موقفًا مرت به معه، حينما قدمت له شريطًا سجلت عليه أغنية بصوتها وطلبت رأيه، ليجيبها: "وحش بتنونوي زي القطط"، ليحاول منعها من الانفتاح على هذا المجال الصعب: "فتركني أدرس الموسيقى وأعزف على البيانو واكتفينا أنا وأخواتي الفتيات رغم حلاوة أصواتنا بالغناء في المناسبات داخل المنزل فقط".

 

أما عن علاقة محمد الموجي بزوجته، فتحولت إلى صداقة تتسم بالتفاهم منذ نعومة أظافرهما، حيث كانت بئرًا يحوي أسراره المتعلقة بالعمل وبكافة جوانب حياته، فكان بينهما حبالًا من الثقة، جعلته يعتمد على آرائها الشخصية في أعماله الفنية: "فكانت تناقشه في ألحانه إذا كانت تحتاج إلى تعديل، وتحدد معه الوقت المناسب لظهور اللحن إلى الجمهور".

 

"لولا أم أمين لما أصبحت الموجي"، تقول نجلة الراحل، إن أبيها كان دائم الترديد لهذه العبارة، حيث كانت والدتها الحاجة "أم أمين" تبذل أقصى جهدها لإبعاد المشاكل الكبيرة والتوتر النفسي عن زوجها، حتى يتفرغ ذهنه للعمل الفني في جو ملائم: "فكان أقصى ما يضايقه هو مرضنا أو تدني مستوانا الدراسي".



تسترجع الدكتورة غنوة، تلك الأيام التي كان والدها يجمعهم للاستماع إلى أحد ألحانه الجديدة: "تغمرنا السعادة في هذه اللحظات، حينما نسمع عملًا جديدًا له، ولكننا كنا نفاجأ بإضافات أخرى على اللحن نكتشفها بعد خروجها إلى النور، لدرجة أننا طلبنا منه أن يقدم لنا اللحن بعد الانتهاء منه تمامًا".

 

وتصف ابنة "الموجي" شخصية والدها بالمتفردة، حيث كان يتبع طريقة مميزة، حينما يبدأ في تأليف لحن جديد، حيث ينعزل في مكتبه الصغير بمنطقة "الشواربي" ليفكر في لحن الأغنية، والتي يعيد كتابتها بخط يديه بالرغم من كتابة الشاعر لها، ليتمكن من الشعور بالكلمة وتفاصيلها، وهو ما يفتح له مجالًا للجمل الموسيقية، والتي كانت تأتيه بمحض الصدفة أثناء نومه: "ولأنه لا يكتب النوتات الموسيقية، كان يسرع إلى الموسيقي داعيًا الله أن يبقى محتفظًا باللحن حتى يكتبه له".

 

وبالرغم من أن هذه القامة الفنية العظيمة لم تدرس الموسيقى في أي معهد، وهو ما جعله غير قادر على كتابة النوتات الموسيقية، إلا أن شغف "الموجي" بالفن جعله يتسلل منذ صغره لأخذ عود والده والتدرب عليه، فتقول ابنته: "بالإضافة إلى أنه حرص على تثقيف نفسه بالاستماع إلى مطربين مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وسيد درويش والسنباطي فتعلم من أغانيهم، إلى جانب استماعه إلى المقطوعات الموسيقية الأجنبية، حيث حرص على تثقيف نفسه في الناحية الغربية والشرقية معًا، مما ساعده على تكوين شخصيته الخاصة".



فترى "غنوة" إن ألحان والدها كانت جزءا من شخصيته، وهو ما جعلها متفردة، حيث تحمل بين طياتها لمحة من الحزن أضفاها على أعماله حتى المبهج منها مثل أغنية "زغروطة حلوة" للفنانة أحلام، و"ونبي لنكيد العزال" لمحرم فؤاد، ولأنه كان يتسم بخفة الظل، انعكس ذلك على أعمال أخرى كان أبرزها "أنا لسة صغيرة" للفنانة سعاد حسني.

 

شخصية محمد الموجي المتميزة، جعلت مهمة اقتناعه التام بكافة ألحانه غير سهلة، فتروي ابنته أنه بالرغم من جهودهم المستمرة في محاولة إقناعه بجمال اللحن، إلا أنه كان يجيب قائلًا: "لا مش دا اللي عاوزه ممكن يطلع أحسن من كده"، بينما يعود واجمًا إلى المنزل في أحيان أخرى بعد استماعه إلى مطرب يغني ألحانه بطريقة غير صحيحة، وبمجرد انتهائه من لحن جديد؛ لا يعيد تكراره على مسامعه كثيرًا ويتركه جانبًا، حتى لا يعتاد على تكرار نفسه في الأعمال المقبلة.

 

وفي غمرة حديثها عن والدها؛ ارتسمت على شفتا "غنوة" ابتسامة خفيفة تذكرت بها المجهود الكبير الذي بذله والدها في تأليف لحن أغنية "قارئة الفنجان" للعندليب، حينما قام الأخير بحبسه في أحد الفنادق لمدة شهر كامل حتى يتفرغ للحن الذي استغرق منه قرابة عامين بسبب صعوبة ألفاظه وكلماته: "ولكن والدي كان سعيدًا بهذا الحبس ليتمكن من اللحاق بحفل شم النسيم".



وبالرغم من أن الملحن الراحل، كان يملك إنتاجًا غزيرًا من الألحان، إلا أنها لم تخرج جميعها إلى النور بسبب تأنيه في ظهورها: "فلم يفضل أن يخرج إنتاجه كاملًا أسبوعيًا أو شهريًا، فكان يظهر الأهم ويترك الباقي جانبًا حتى يحين الموعد المناسب، حتى في أواخر أيامه كان يظن أنه سيخرج سريعًا لنشر هذه الأعمال ولكن شاء القدر أن يتوفاه خلال الشهر الذي مرض فيه".

 

"روح المنافسة" كانت السبب الرئيسي في نجاح "الموجي" وزملائه الملحنين، فتتذكر "غنوة" حينما كانوا يجتمعون ليحاول كل منهم استعراض لحنه وإبهار الآخرين: "فكان كمال الطويل يسمعهم لحنه لنجاة ويقوم والدي بعزف لحنه لعبدالحليم ويعزف بليغ حمدي لحنه لرشدي، وهو ما خلق بينهم أجواء تنافسية رائعة نتمنى أن نراها في الجيل الحديث اليوم".

 

ولأن محمد الموجي، كان يملك روحًا فنية طيبة، لم يؤثر موقف سرقة محمد الوهاب لأحد ألحانه على علاقتهما، حيث تروي نجلته تفاصيل الموقف، حينما قال "الموجي":"ياريت ياخد كل تراثي..أنا أديله عمري"، فعلى العكس تمامًا غمرته السعادة لأن أستاذه الذي يقتدي به يستمع إلى ألحانه ويهتم بها: "وبطبيعة عبدالوهاب يحب دائمًا أن يستمع إلى الأجيال الجديدة ويطور من أعماله".



يحضر "غنوة" موقفًا آخر يدل على قوة علاقة "عبدالوهاب" و"الموجي"، حينما توفي الأول، فقرر والدها أن يستكمل أحد ألحانه التي لم تكتمل، وبالرغم من تأليفه لمعظم اللحن إلا أنه قرر أن تخرج إلى النور باسم عبدالوهاب ولا يذكر اسمه تقديرًا لمعلمه الراحل.

 

لم تقتصر موهبة الملحن محمد المليجي، على الجانب الموسيقي فقط، حيث كان موهوبًا بالفطرة في العديد من النواحي الأخرى، فإلى جانب براعته في اللحن والغناء، كان خطاطًا رائعًا ورسامًا موهوبًا يملك خطًا ساحرًا، فتتذكر "غنوة" حينما عثرت في مكتبه في أحد المرات على عبارات خطها بالرصاص، كان ينقصها أن تبروز وتعلق على الحائط لجمالها.

 

ومع تطرقها إلى الحديث عن اللحظات الأخيرة في حياة والدها، بدا الحزن جليًا على ملامح ابنته، التي تذكرت مدى معاناة الأسرة مع محمد الموجي خلال رحلة علاجه: "خاصةً أننا اعتقدنا في البداية أنه سيخرج من المستشفى بعد عدة أيام"، ولكن مع ملاحظتها لسوء حالته بشكل يومي، إلى جانب اطلاعها على التقارير الطبية، أدركت الابنة أن والدها يقضي لحظاته الأخيرة في الحياة، خاصة عندما طلب من والدته أن يخرج من المستشفى ليعيش في شقة بعيدة بمكان بعيد تمامًا"، إلا أنه وبالرغم من ذلك كان مفعمًا بالأمل، ومتمسكًا بالحياة بدرجة كبيرة، وهو ما كان واضحًا حينما كان يخطط على فراش الموت لتطوير جمعية المؤلفين والملحنين، والتعامل بجهاز الكمبيوتر الذي ظهر وقتها حديثًا لتخزين كافة الملفات والمواد الأرشيفية عليه.



يقف شريط الذكريات أمام عيني "غنوة" عند تلك اللحظة التي كانت غرفته بالمستشفى تعج بالزوار من رجال السياسة والفن ممن كان أبرزهم الفنانة يسرا والفنانة شيريهان، بالإضافة إلى حلمي أمين، ابن عمه الذي كان يطلب حضوره باستمرار ليوصيه على أبنائه: "حينها انفعل الأطباء علينا لخطورة تكدس الغرفة بهذا الكم من الزوار".

 

ومع لفظه لأنفاسه الأخيرة، أوصى الملحن محمد الموجي، ابنه الموزع الموسيقي "يحيى" بعمل سيمفونيات تضم مقتطفات من أعماله، والتي تسعى الأسرة جاهدة حتى الآن لتنفيذها مناشدة الدولة بتقديم الدعم الكافي.