خبير عسكري: اتفاق مصري روسي على تقليم "أظافر أمريكيا" في الشرق الأوسط

أرشيفية
أرشيفية
Advertisements
نعيش الآن عالما أكثر توازنا لم يعد حكرا على الولايات المتحدة المتآكل نفوذها بفعل صعود اقطاب دولية أخرى سجلت أهدافا فى المرمى الأمريكي، وأحالت عصر الهيمنة الأمريكية إلى ماض ولى غير مأسوف عليه لما مارسته من عربدة سياسية وعصف بالشرعية الدولية وبلطجة عسكرية.

واتاح لنا هذا العالم الذى لازال يشهد مرحلة المخاض خيارات متعددة لاتخاذ القرار وآفاقا اكثر اريحية للعلاقات الدولية ، وقد تواكبت الخارجية المصرية مع مآلات الواقع الدولى الجديد ونفضت عن كاهلها سنوات عجاف من الدوران فى الفلك الأمريكى ، وفتحت ذراعيها لكل الأقطاب الفاعلة فى الخريطة الدولية بتوازن وندية ، متكأة على موقع جغرافى فريد فى دوائر انتماءاته المتعددة و متطلعة إلى مستقبل اكثر عدالة وانصافا للموقف العربى واكثر تجاوبا مع المصالح العليا المصرية.

فى هذا الاطار تأتى زيارة الرئيس المصرى الثالثة إلى موسكو فى أجواء شديدة الاضطرابات نظرا للتهديدات غير المسبوقة التى يتعرض لها الوطن العربي، وبالأخص الدولة السورية جعلت منه كفريسة مسجاة تحت ويلات الجماعات الإرهابية التى تحظى بكل اشكال الدعم والرعاية من الولايات المتحدة ، وروسيا ليست ببعيدة عن جحيم الإرهاب المستعر بل اكثر من ذلك فإن مصالحها أحد الأهداف الأمريكية ، الأمر الذى يوطد العلاقات المصرية الروسية ويزيد من القواسم المشتركة بين البلدين ويدفع الرئيسين للجلوس معا على أرضية من الندية والمصالح المتبادلة لبلورة موقف اكثر توافقا لما يتعرض إليه الطرفان من تهديدات.

الفجر فى لقاء مع اللواء محمد الغباشى الخبير العسكري والاستراتيجى وأمين الإعلام لحزب حماة الوطن لالقاء الضوء على العلاقات المصرية الروسية وعلى أهم الملفات السياسية المطروحة.

تطور العلاقات المصرية الروسية

قال اللواء الغباشى أن العلاقات المصرية الروسية الآن تختلف كثيرا عن العلاقات المصرية السوفيتية ، حيث تغير النظام الدولى ولم نعد نعيش عصر الثنائية القطبية حينما كان يتنافس السوفيت والأمريكان على استقطاب الدول ، كما أننا نعيش أيضا عصرا جديدا حيث تقلصت فيه المساحات الشاسعة التى كانت تعربد فيها الولايات المتحدة ، بفعل ظهور اقطاب دولية أخرى على رأسها روسيا الاتحادية التى استعادت قدرا كبيرا من مكانتها الدولية ، اضافة إلى الصين والهند وعدد من النمور الآسيوية التى استطاعت انتزاع مكانة دولية أهلتها لفرض قرارها والقفزعلى عجلة قيادة العالم التى كانت حكرا على الولايات المتحدة لسنوات عجاف ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. 

موضحا أن الأزمة السورية  كشفت عن الضعف الذى اصاب القرار الأمريكى وتآكل نفوذها ، حيث لم تستطع الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية إلى الجيش السورى وفقا لما اعلنه اوباما منذ عامين بسبب الفيتو الروسى والصينى ، وهذا على عكس ما حدث منذ ما يزيد على ثلاثة عشر عام حينما عصفت الولايات المتحدة بقرارات الشرعية الدولية وقامت باحتلال العراق دون أن يتحرك المجتمع الدولي. 

كما أوضح أننا نعيش عصرا مختلفا  تعددت فيه الأقطاب ولم يعد فى مقدور أحد فرض قراره على الأسرة الدولية ، ومن ثم تأتى العلاقات المصرية الروسية لتعبر عن سياسة مصرية جديدة تتواكب ومآلات العصر من جانب ولتحقق التوازن المطلوب فى العلاقات الخارجية من جانب آخر ، ولكنها ليست سياسة عدائية ضد الولايات المتحدة أو سياسة محسوبة على قطب دون آخر  كما كان ابان عصر الزعيم جمال عبد الناصر.

مجموعة بريكس والنظام الدولى

وأشار اللواء الغباشى أنه وفقا لملامح النظام الدولى الجديد الذى نعيش ارهاصاته استطاعت مجموعة بركس الإقتصادية شق طريقا بخطوات ثابتة نحو العالمية وخصما من الرصيد الأمريكى ، ويرى المراقبون أن تلك المجموعة ستتصدر اقتصاديات العالم فى غضون 2020 مسببة تراجعا حادا للدولار الأمريكى مما سيكون له انعكاسات سلبية على النفوذ الأمريكى المتراجع.

كما أشار إلى أن تلك المجموعة تضم روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا ، وقد تبلورت هذه الدول فيما يشبه المحور الشرقى  يقابله المحور الغربى الذى يضم الاتحاد الأوروبى و تقوده الولايات المتحدة.

وتابع اللواء الغباشى كشفت الأزمة الاوكرانية عن شكل قديم جديد من الصراع على مستوى النظام الدولى ، حيث نظرت الولايات المتحدة بعين القلق إلى تنامى الدور الروسى والصينى ، الأمر الذى استدعى المخابرات الأمريكية إلى وضع الخطط لحصار أعدائها الجدد وكانت محاولات انضمام اوكرانيا - الحديقة الخلفية لروسيا - للاتحاد الأوروبى وحلف الناتو أبرز تجليات تلك الخطة وبمثابة اعلان حرب من المحور الغربى على الشرقى الذى ينافسه ، ولكن الرئيس الروسى فلادمير بوتين تنبه جيدا لتلك المساعى وانقض على اوكرانيا الشرقية مجهضا بذلك المؤامرة الأمريكية وتابعها الاتحاد الأوروبى ، الأمر الذى يبلور الصراع الجديد الذى يعيشه العالم ، فهو ليس صراعا ايديولوجيا بين الشيوعية والليبرالية كما كان فى السابق ، وإنما صراع فرض الارادات اعيد فى اطاره تدوير الصراع  القديم بين الشرق والغرب ولكن وفقا لآليات العصر ومتغيرات الواقع الدولي. 

علاقات استراتيجية

وأوضح اللواء الغباشى أنه على ضوء تلك الملامح الجديدة للواقع الدولى تتشكل محددات العلاقات المصرية الروسية الجديدة التى تقوم على الندية والقواسم المشتركة والمصالح المتبادلة ، وليست كما كان فى السابق حينما كانت مصر معبرا للنفوذ السوفيتى إلى المنطقة العربية .كما أوضح أن روسيا تريد تعزيز موقفها فى المنطقة العربية والبحر المتوسط بالشكل الذى يساعدها على استعادة نفوذها التقليدى فى المنطقة ، ومصر دولة مركزية فى منطقتها ودوائر انتمائتها المختلفة ، وروسيا تدرك ذلك جيدا ومن ثم تصبح تنمية العلاقات مع مصر مدخلا لها للمنطقة العربية والإفريقية خاصا فيما يتعلق بالسلاح الروسي.

فى المقابل مصر تريد دعما دوليا من دولة مثل روسيا أحد الأعضاء دائمة العضوية فى مجلس الأمن ،  وقوة دولية تحقق التوازن المطلوب مع الولايات المتحدة ليس فقط على الصعيد السياسى وإنما العسكرى أيضا ، هذا بخلاف التوازن الذى تحققه روسيا فى دعم الموقف العربى سواء فى الأزمتين السورية والعراقية والقضية الفلسطينية أيضا ، علاوة على الدعم الروسى للمنطق المصرى حول المواجهة الشاملة للإرهاب بعكس المنطق الأمريكى الذى يعتمد على المعيار الإنتقائى، إضافة إلى ذلك فروسيا أحد اكبر القوى الدولية امتلاكا لتكنولوجيا الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

الأزمة السورية

واكد اللواء الغباشى أن الأزمة السورية تتصدر جدول أعمال الرئيسين المصرى والروسى ، وذلك لأن سوريا اصبحت مسرحا تنعكس عليه موازين القوى بين المحورين وفق العرض السابق ، كما كشفت الأزمة عن جبهتين متعارضتين ، جبهة مصر وروسيا وإيران ، وجبهة تركيا والولايات المتحدة والسعودية .وتعتمد الجبهة الأولى وإن اختلفت بواعث وأهداف اطرافها ، الا أنهم توافقوا جميعا على الحل السياسى للأزمة وعلى التعايش مع الرئيس بشار الأسد واعتباره جزءا من الحل واتخاذ تدابير واجراءات لمرحلة انتقالية تنتهى باجراء انتخابات رئاسية تحت اشراف الأمم المتحدة بخلاف السابقة، وتعتمد الجبهة الأخرى على الاطاحة فورا بالرئيس الأسد كما تنتهج السياسات العدائية ضد الجيش السورى والداعمة والمؤيدة للجماعات الإرهابية والهادفة إلى تقسيم الدولة.

كما اكد أن الصراع  يكمن فى قدرة أى من الطرفين على ارضاخ الآخر لارادته ، ويتعذر فى هذا المناخ بلورة رؤيا توافقية بين كل هذه الاطراف ذات المحددات والأهداف المتباينة ، ولكن يبدو أن الاتفاق النووى الإيرانى وما ينطلى عليه من تحالف إيرانى أمريكى وبنود سرية قد مثل نقطة تحول كبرى على صعيد توازن القوى بين الجبهتين مرجحا واحدا على الأخرى  ، ولكن يصعب فى اطار هذا القدر الكبير من السيولة أن نتوصل إلى تصور محدد لكيف سينتهى المشهد ، ولكن يبدو من المؤشرات أن الأزمة فى طور النهاية وهذا ما يفسر الجهد الدولى المبذول المتعلق باللقاءات رفيعة المستوى التى تجرى الآن بين الأطراف المعنية.

ولكن من المؤكد أن مصر وروسيا متوافقتان بشأن الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضى السورى ، حتى وإن اختلفت البواعث والأهداف ، فروسيا تستميت للحفاظ على موطئ القدم الوحيد المتبقى لها فى المياه الدافئة والمنطقة العربية ، وبصرف النظر عن تضحيتها المحتملة بالأسد أو الحفاظ عليه ، فروسيا لن تسمح لأحد بأن يغير الامتيازات الخرافية التى تحصل عليها فى ميناء طرطوس ، فى حين تستميت مصر فى الحفاظ على الأمن القومى العربى ووحدة وسلامة الآراضى السورية .ومن المؤكد أن الطرفين توافقا على اجهاض المختطات التركية الأمريكية حيال سوريا والمنطقة العربية وانتهاج السياسات التى من شأنها تحقيق مزيد من تآكل النفوذ الأمريكي.