جميلة بوحيرد "المناضلة الهادئة" تعود للقاهرة بعد نصف قرن

العدد الأسبوعي



وسط مشاعر طيبة، مليئة بالدموع، عبرت المناضلة الجزائرية، جميلة بوحيرد، عن حبها لمصر، مؤكدة أن المصريات قادرات على حماية وطنهن، وقالت: «حريق فى البطن ولا البعد عن الوطن»، لأن التضحية التى تقدم له خير من الحياة.

بوحيرد هى واحدة من رموز الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسى فى منتصف القرن العشرين، وهى الأحداث التى أدت لاستشهاد ما يزيد على مليون جزائرى، فى مواجهة ليس الجيش الفرنسى وحده ولكن فى مواجهة المستوطنين الفرنسيين، الذى تعاموا مع الجزائر باعتبارها جزءاً من بلادهم واعتبروا أهل هذه الأرض «هنوداً حمر».

جميلة، قالت لـ«الفجر» أثناء زيارتها للمجلس القومى للمرأة: «أمى علمتنى أن النضال الحقيقى للأبطال الذين استشهدوا وليس للنضال فقط وحسب، وأن عبارة مناضل لها أثر عظيم».

وتظل جميلة بوحيرد أيقونة ورمزاً للنضال لسيدات العالم العربى بوجه عام والجزائر بوجه خاص، حيث بدأت الدفاع عن وطنها فى مواجهة الاحتلال الفرنسى، منذ كانت طفلة لتجد نفسها مهددة بعقوبة الإعدام وتحملت التعذيب فى سجون الاحتلال.

قررت جميلة ترك الحياة الرغدة والمدللة حيث كانت طفلة لأسرة ميسورة الحال، تتعلم الحياكة والتطريز وتهوى الرقص وركوب الخيل وتشارك فى عروض الأزياء، لكنها ورغم ذلك اختارت الطريق الأصعب حبا فى الوطن، وهو ما اتضح عندما رفضت ترديد النشيد الوطنى لفرنسا، وهتفت باسم الجزائر فى كل مكان، وأصبحت معروفة كإحدى المدافعات عن استقلال وتحرير الجزائر من يد الاستعمار وشاركت فى اندلاع الثورة الجزائرية وانضمت إلى جبهة التحرير الوطنى الجزائرية.

كانت جميلة هادئة الملامح نحيفة الجسد، تحمل القنابل من منطقة لأخرى فى الجزائر داخل حقائبها المليئة بملابس وأدوات البحر، حتى يعتقد عناصر الاحتلال بأنها فى طريقها إلى الشاطئ، وخلال مرحلة النضال أصيبت جميلة برصاصة فى الكتف أثناء مطاردة الفرنسيين لها، وتم القبض عليها وتعذيبها داخل السجون الفرنسية بطريقة بشعة بهدف انتزاع اعترافاتها على زملائها ولكن السلطات الفرنسية فشلت فى الحصول على أى معلومة منها، وقررت إعدامها.

تدخلت الدول العربية وتقدمت بتظلمات لمنظمة الأمم المتحدة ضد الحكم القاسى بحق مواطنة تحب بلادها، فتم تخفيف من الإعدام إلى السجن مدى الحياة، خصوصاً أن جاك فيجرس،المحامى الفرنسى الذى ترافع عن جميلة كشف للمحكمة التى كانت تنظر قضيتها حجم التعذيب الذى تعرضت له جميلة على أيدى الزبانية الفرنسيين، والمفارقة أن جميلة تزوجت من هذا المحامى بعد خروجها من السجن وعقب رحيل فرنسا عن الجزائر فى عام 1962.

لم تكن زيارة بوحيرد لمصر هى الأولى، لكنها جاءت إلى القاهرة، فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والذى كان من أكبر المساندين للجزائر فى معركة التحرير، وفى الزيارة الأخيرة التى جاءت بعد نحو نصف قرن، تذكرت جميلة ناصر وقالت عنه إنه كان زعيماً كريماً وشهماً حيث طلب وقتئذ لقاء المدافعات الجزائريات واعتبره شرفاً كبيراً، وشعرت وقتها بأن زميلاتها يستحققن هذه المقابلة. وتعبر جميلة عن أسفها لعدم امتلاكها تسجيلاً لهذه المقابلة النادرة والتاريخية بين ناصر ومناضلات الجزائر، وتتمنى الحصول على التسجيلات الخاصة بها مشيدة بتكريمها من جانب المجلس القومى للمرأة، وقالت: «النضال هو حب الوطن والأرض، وهو المحفور فى القلب.. ومصر متضامنة مع الجزائر من أزل الدهر» مشيدة أيضاً بالفيلم المصرى الذى جسدت فيه الفنانة ماجدة، شخصيتها عام 1958.